المنطقة المنكوبة بين العراق ولبنان - حازم صاغية (الحياة)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
هناك بلدان يعذّبها التاريخ، وبلدان تعذّبها الجغرافيا، والعراق يعذّبه الاثنان معاً. فلا ينافس عددَ الدول التي تجاوره إلاّ عدد الحقبات التي توالت عليه والجماعات التي أقامت فيه وتصارعت أو تكارهت فوق أرضه. وقد تعاملت بلاد الرافدين دائماً بصعوبة مع تحدّيات كهذه، وكانت التحدّيات أحد الأسباب التي تفسّر قيام إمبراطوريّات استبداد في بغداد، آخرها وأشرسها حكم صدّام حسين.
لكنْ نادراً ما اجتمعت عذابات التاريخ كلّها وعذابات الجغرافيا كلّها فيما السلطة المركزيّة العراقيّة ضعيفة إلى الحدّ الذي هي عليه الآن. وهو ما ينبغي أن يستنتج منه المشكّكون بـ «أميركيّة» العراق الجديد بعض المعاني والعبر. فلو كان الوصف هذا صحيحاً لكنّا رأينا الطائرات الحربيّة الأميركيّة تحلّق أسراباً في أجواء البلدان المجاورة التي تتّهمها بغداد بالتواطؤ مع الإرهاب. ولكنّا رأينا تلك الأسراب تنشر الموت في سموات تلك البلدان وعلى أرضها.
أمّا الوجه الآخر والمؤلم لتلك الحقيقة فإنّ العراقيّين مطالبون وحدهم بأن يقتلعوا شوكهم بيدهم، تماماً كما هي حال اللبنانيّين الذين يعذّبهم، هم أيضاً، التاريخ والجغرافيا.
وفي حالات كمثل هذه يكون الحسم الإنقاذيّ بالغ الصعوبة، سيّما أن الافتقار إلى الإجماعات الوطنيّة هو بالمرصاد لكلّ حسم. بيد أنّ ما هو أصعب من الحسم عدم الحسم. فهنا يكمن الشلل والموت.
هكذا تلوح مأساة العراق في أنّ نظامها لا يستطيع أن يكون تابعاً لإيران، وهي الحليفة الكبرى لسوريّة، لكنّه لا يستطيع أن يخاصم إيران، بل لا يستطيع أن يقتصد في إبداء الودّ لها. وفي المنطقة الرماديّة هذه يظهر من يتّهم بغداد بالوقوف إلى جانب طهران في اليمن وفي «دعم الحوثيّين»، فيحول ذلك، معطوفاً على عوامل أخرى، دون دعم بغداد من قبل أولئك المتحفّظين عن دمشق والمخاصمين لطهران. لكنّ الرماديّ هذا لا يلبث أن يرسم لوحات سورياليّة من نوع أن تعرض طهران التوسّط بين بغداد ودمشق، فيبدو الأمر، في حقيقته، كما لو أن دمشق هي التي تتوسّط بين ذاتها وبين بغداد.
ويعرف اللبنانيّون أنّ كلّ محاولاتهم في الحسم الإنقاذيّ انتهت استحضاراً لأسوأ قوى التاريخ مصحوبة بأسوأ قوى الجغرافيا. هكذا، ومنذ أواسط الثمانينات، مع مؤتمر لوزان، صار الخصم يجلس في مقعد الحَكَم، واستمرّ عدم الحسم يعني شيئاً واحداً هو تعليق الحياة الوطنيّة وتعليق الوطن نفسه.
وفي العراق، وفي لبنان، تجد قوى الشلل ما يعزّزها في التحوّل الأميركيّ في اتّجاه مسايرة القوى الراديكاليّة في المنطقة. صحيح أن باراك أوباما متقدّم تقدّماً فلكيّاً على جورج بوش في ما خصّ المسائل الإجتماعيّة والثقافيّة، وفي الحمولة الرمزيّة لكلّ منهما. إلاّ أن نهج أوباما في التعاطي مع مدمّري كلّ اجتماع وكلّ ثقافة قد لا يأتي بنتائج أفضل من التي أتى بها نهج بوش. وهو ما يطال، في ما خصّ الأوباميّة، القدرة على التمييز بين النظريّة العامّة وبين الممارسة السياسيّة اليوميّة، أو بين ما يصحّ هنا ولا يصحّ هناك، والعكس بالعكس.
وهذا جميعاً قد يكون من معالم الشقاء الذي تضافرت قوى التاريخ والجغرافيا معاً كي تحفره في لحم منطقة منكوبة.