Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

زيارة للفيديرالية البلجيكية بهواجس لبنانية وعراقية: عاصمة لدولة تتفكّك، عاصمة لقارة تتوحّد - جهاد الزين (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

استفدت كثيرا من زيارة بروكسل حتى لمدة قصيرة. ولم اكن اتوقع من سياحة سياسية – ثقافية سريعة ان تفتح لي على "مشاهدة" تجربة فيديرالية من نوع خاص جدا وتعنينا – في لبنان تحديدا والمنطقة عموما – على اكثر من مستوى.
في بروكسل آليتا التوحد والتفكك متوازيتان متعايشتان بل متداخلتان، حتى انهما تجعلان من هذه المدينة بصخبها وهدوئها معا ذات تجربة سياسية – ثقافية – اقتصادية فريدة جدا.
ان هذه المدينة - باختصار - عاصمة في الآن معا لدولة تتفكّك وقارة تتوحّد.
ينعكس ذلك في بنيتها العمرانية نفسها، فبينما يزداد اتساع "الحي الاوروبي" المنتشر حول المبنى الرئيسي الشديد الحداثة للمفوضية الاوروبية على شوارع متعددة ويحتله ما تسميه الصحافة الوطنية في بلدان الاتحاد الاوروبي "بيروقراطيو بروكسل"، تشهد الاحياء الاخرى ذات الطابع العمراني التقليدي النقاش المتواصل على مصير الدولة البلجيكية نفسها، من محيط القصر الملكي الصامت، لعائلة مالكة من أصل ألماني يزداد تراجع نسبة التعاطف معها في الاستطلاعات المحلية وخصوصا بين "الفلامان"، الذين يحضنون اليوم بيئة النزوع الانفصالي، بسبب عقدة تاريخية ناتجة عن نظرتهم الى سيطرة "الوالون" الفرنكوفونيين. تتحول عقدة النقص هذه الى عقدة تفوق مع تقدم "الفلامان" الاقتصادي في العقود الاخيرة من القرن العشرين، سواء في الدخل العام او في الدخل الفردي عن المنطقة الفرنكوفونية.
فالكيان السياسي البلجيكي الذي ظهر الى الوجود عام 1830 وتشكل من المناطق التي انفصلت عن هولندا، لم يتحول دستوريا الى دولة فيديرالية الا عام 1993. قبل ذلك كانت الدولة "مركزية"، ولهذا فان الفيديرالية البلجيكية تختلف عن الفيديراليات السويسرية والالمانية والاميركية في انها حصلت متأخرة بل راهنا وجاءت نتيجة سياق طويل ومعقد، ولم تولد مع ولادة الدولة نفسها كما حصل في الفيديراليات الثلاث الاخرى، العريقة.
هذه نقطة جوهرية في السجال حول الفيديرالية في الثقافة السياسية. اذ ان المنطق الشائع – وهو صحيح – ان الصيغة الفيديرالية في العديد من البلدان كانت اداة توحيد بل حماية من التفكك. لكن تطورات الفيديرالية البلجيكية خلال حوالى 16 عاما وبضعة اشهر انصرمت على تأسيسها دستوريا بين المجموعتين الوالونية الفرنكوفونية والفلامانية الهولندوفونية تظهر الآن انها بدل ان تساهم في استقرار الدولة البلجيكية فهي تتجه عمليا – وبشبه اجماع مدهش في تعليقات الصحافة البلجيكية وكتابات المثقفين البلجيك – الى "قدر مكتوم" هو الانفصال ونشوء دولتين.
هذا التفرد "السلبي" المعبر عنه بالديناميكية الانفصالية للفيديرالية البلجيكية "الفتية" مقابل النجاح التوحيدي لتجارب الفيديراليات الغربية الكبيرة الاخرى يضع العالم العربي الداخل حديثا على الثقافة الفيديرالية في سجال لم تتوفر مشروعيته في لبنان 1976 – 1977 وفي نموذج دستوري جديد ومتحقق – ولو غير مكتمل – في عراق 2003 فصاعدا... تفرد سلبي يضع العالم العربي امام معطى "بلجيكي" لا يمكن تجاهله.
لقد تضمن الدستور البلجيكي المقر في 5 ايار 1993 تحويل بلجيكا الى ثلاث مجموعات، الفلامان والوالون والمنطقة الالمانوفونية والى ثلاث مناطق واضحة الجغرافيا: الفلامونية في الشمال، الوالونية في الجنوب، وفي الوسط ولكن داخل الجغرافيا الفلامونية اقتطعت منطقة ذات حكم ذاتي هي بروكسل العاصمة. وفي حالة الانفصال على الطريقة التشيكوسلوفاكية لن تكون هناك مشكلة رسم حدود بين شمال هولندوفوني وجنوب فرنكوفوني الا في ما يتعلق ببروكسل العاصمة.
فبروكسل ذات اغلبية سكانية فرنكوفونية ولكنها تقع، كما سبق القول، في داخل المنطقة الفلامونية. صحيح ان الاحتمال الانفصالي يتوقعه معظم المعلقين البلجيك، الا ان النقاش بلغ حد اقتراح جدي جدا باحداث ممر مستقل يربط بين منطقة بروكسل والمنطقة الفرنكوفونية في حال تحولت بلجيكا الى دولتين.
تعديلات 1993 التي انشأت الفيديرالية في بلجيكا لم تقف عند تلك الحدود، بل حصلت تعديلات على التعديلات منذ ذلك الحين ادت الى المزيد من الفدرلة، بحيث ان النظام الانتخابي الآن يجعل حتى النواب الفيديراليين منتخبين من كل مجموعة لغوية – اتنية على حدة، وليس فقط مجالس النواب المناطقية.
لقد اعتاد الفرنسيون على اطلاق النكات حول "البلجيكي". لكن من قال ان البلجيكيين الذين باتوا اكثر من اي وقت آخر يرددون ان دولتهم "مصطنعة" لا يتهكمون على انفسهم؟
احدى اطرف الصياغات التهكمية التي قرأت، هي لمواطن بلجيكي يتحدث عن نفسه على احد مواقع الانترنت فيقول:
Je suis belge mais je me soigne !
اذن نحن في كيان سياسي ينظر اليه ابناؤه، قبل غيرهم، على انه "مريض" حتى لو انه على المستوى الايديولوجي – السياسي تحفل الحياة السياسية البلجيكية بإرث هام جدا من الصراع بين الدينيين (الكاثوليك) والليبراليين داخل المجموعتين.
بالنسبة الى العراقيين و"بعض" اللبنانيين فالنموذج البلجيكي هو نموذج سلبي، تأخذ فيه الفيديراليةُ البلدَ الى المزيد من التفكك. لكن تعايش بل تفاعل آليتي التفكك (الداخلي) والتوحد (القاري) على ارض بروكسل نفسها يجعل الانتقال سلميا عميقا. لا بل تكمن المفارقة في ان البعد الاتحادي الاوروبي المتصاعد يمنح امانا قويا للفكرة الانفصالية! فكما حصل في ايرلندا الشمالية لم يكن ممكنا تخيل حل للمسألة الايرلندية الشمالية بدون اطمئنان تدرجي نَضُج بين البروتستانت الايرلنديين المؤيدين لبريطانيا كما بين النخبة السياسية البريطانية، اطمئنانا للوعاء الاوروبي الذي بات يتيح احتواء ديموقراطيا وسلميا للنزاعات الدينية والاتنية والمناطقية المحلية. هكذا يبدو "الفلامون" المبتعدون اكثر فاكثر عن "الفكرة البلجيكية" اوروبيين جدا في الخيار القاري التوحيدي.
وعلى الطريقة البلجيكية في صياغة المعضلة: هل يمكن لبلد مفكك كلبنان يحكمه نظام طائفي، "مركزي" دستوريا، و"فيديرالي" في التطبيق ان يقول احد ابنائه:
"انا لبناني... مع هذا فإنني لا اتعالج".
فالدرس الجوهري الاول الذي يمكن استخلاصه من الدينامية البلجيكية الحالية هو ان المحيط الاقليمي عندما يكون في حالة "صحية" يستطيع ان يحضن التوترات المحلية او ان يؤمن لها حلولا سلمية. فمن "بروج"، بندقية الشمال البلجيكي، الى بروكسل، الى لياج، الى لوكسامبورغ البلجيكية في أقصى الجنوب، حتى دوقية لوكسامبورغ تجول بنا السيارة بين ديموغرافيا على مشارف الطلاق لكن وسط سلم أهلي راسخ لا مجال لتهديده.
التجربة الفيديرالية العراقية بلا حاضن... بهذا المعنى، كذلك "الفيديرالية" اللبنانية غير المعلنة الا بصيغة الحرب الاهلية.

← Back to Selected Articles