ظهور خريطة أوباما للشرق الأوسط - باتريك سيل (الحياة)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لم يعد إصرار باراك أوباما المطلق على إحلال السلام في الشرق الأوسط موضع شك. فأسلوب الرئيس الأميركي لطيف، إذ يسعى إلى الإقناع أكثر منه إلى الإكراه. يعطي الأولوية للجزرة لا للعصا، بيد أنّ الإرادة الصلبة موجودة. ويتهوّر العرب أو الإسرائيليون إذا حاولوا إحباطه.
أصبحت هذه الرسالة مفهومةً في أنحاء المنطقة كافة. وبدأنا نشهد ما قد يعرف بـ «أثر أوباما».
أهداف أوباما واضحة. إنّه مقتنع تماماً أن المصالح الأميركية القومية تستلزم وضع حدّ لنزاعات اسرائيل مع الدول المجاورة لها، وحدٍّ لصراع أميركا مع إيران الذي يدوم منذ ثلاثين عاماً. يريد أوباما أن يجتذب إيران مجدداً إلى دائرة الدول الصديقة، ويعيد اسرائيل إلى الشرعية الدولية عن طريق إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية. فاسرائيل وإيران هما الجناحان المترابطان لسياسة الشرق الأوسط.
وفي حين تشكل اسرائيل حليفاً مقرّباً من الولايات المتحدة الأميركية، وإيران الجهة المعارضة، ثمة شبه لافت في مقاربة أوباما للدولتين، ويمكن اختصاره على الشكل التالي: «لا نرغب على الإطلاق في التدخّل في شؤونكما الداخلية أو إملاء كيف يجب أن تتصرّفا - أنتما دولتان تتمتّعان بالسيادة ويجب أن تتخذا قراراتكما بنفسيكما - لكننا على يقين من أن اتباع نصيحتنا يصبّ في مصلحتكما».
أما الرسالة الضمنية الواضحة في الحالتين فهي أنّهما يجب أن يتوقعا عقوبات في حال لم يلتزما بالنصيحة - عقوبات يتم الإفصاح عنها بحزم في حالة إيران، في الوقت الذي تم التلميح إليها بتحفّظ أكبر في حالة إسرائيل، بيد أن المعنى هو ذاته. فإذا أرادت إيران وإسرائيل علاقات جيدة مع أوباما، يستحسن عدم عرقلة أهدافه.
تفيد المصادر المطلعة في واشنطن أن الحرب على العراق كانت بمثابة نقطة تحّول مهمة في تفكير أوباما. لقد غضب من الدور الذي اضطلع به المحافظون الجدد في واشنطن والمؤيدون لإسرائيل عندما دفعوا بالولايات المتحدة لشن الحرب - وهي حرب عارضها أوباما وقد تبيّن أنّها كانت باهظة الثمن بالنسبة إلى الولايات المتحدة لا سيما على الجيش والخزينة والسمعة. وشعر أوباما أن الولايات المتحدة خسرت نفوذها على صعيد السياسة الخارجية لإرضاء مجموعات لها مصالح خاصة، وبالتالي، هو مصمم على ألا يسمح بحصول ذلك مجدداً. من هنا ينبع عزمه على وضع حدٍّ للمغامرة العراقية الكارثية، ومقاومة ضغط إسرائيل للهجوم على إيران، أو للسماح لإسرائيل بالقيام بذلك.
يريد رئيس الولايات المتحدة سلاماً شاملاً في الشرق الأوسط، وليس مجرّد سلامٍ جزئي- أي سلام بين إسرائيل والفلسطينيّين، وبين إسرائيل وسورية، وبين إسرائيل ولبنان، وتطبيع علاقات إسرائيل مع العالم العربي أجمع. وأصبح هذا الهدف الطموح أولويّة أوباما الشخصية.
هذه هي الرسالة التي حملها «الفريق المتميز» الأميركي الأسبوع الماضي إلى المنطقة، وهو يتألف من المبعوث الخاص للسلام جورج ميتشل، ومستشار الأمن القومي الجنرال جايمس جونز، ووزير الدفاع روبرت غيتس. وفي الوقت الذي طمأن الجنرال جونز إسرائيل حول استمرار التزام أميركا بأمنها، وفي الوقت الذي حث وزير الدفاع غيتس إيران على الإمساك بيد أوباما الممدودة أو مواجهة عقوبات قاسية، قال ميتشل لرئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتانياهو إن السلام هو الضمانة الحقيقية الوحيدة للحفاظ على أمن إسرائيل على المدى البعيد، ما يعني اتخاذ «قرارات صعبة»، وبوجه خاص في ما يتعلق بالمستوطنات في الأراضي الفلسطينية.
وقد يظهر «أثر أوباما» في قيام إسرائيل أخيراً بنزع بعض من نقاط التفتيش الـ600 في الضفة الغربية، التي تعرقل نمو الاقتصاد الفلسطيني وتجعل الحياة مأساة يومية. وقد يظهر أيضاً في نية إسرائيل المعلنة لتشكيل وحدة خاصة مهمّتها تفكيك العديد من النقاط العسكرية غير الشرعية بضربة واحدة فظيعة. كما قد يظهر في تركيز نتانياهو على القدس الشرقية العربية وعلى حق إسرائيل المزعوم للبناء فيها، ولا شك في أنّها مكيدة لصرف الانتباه الأميركي عن السؤال المهم حول التجميد الكامل للاستيطان، والذي يصرّ عليه أوباما.
ويشكّل التحسّن السريع لعلاقات الولايات المتحدة مع دمشق، بما في ذلك التعهد برفع العقوبات التجارية، دليلاً آخر على سعي أوباما لإرساء سلام شامل. وفي الوقت ذاته، أعربت تركيا، التي ظهرت كلاعب مهم في الشرق الأوسط، عن استعدادها لاستئناف دورها كوسيط بين سورية وإسرائيل. وعقد رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان اجتماعاً مع الرئيس بشار الأسد في حلب في مطلع الشهر الجاري.
وقد يظهر «أثر أوباما» كذلك الأمر في بضع مقالات نشرت حديثاً في صحيفة «نيويورك تايمز» بقلم مراسلها الإسرائيلي إيثان برونر. وفي أحد المقالات، نقل أن حركة حماس علّقت استخدام الصواريخ وهي تصب تركيزها حالياً على «المقاومة الثقافية»، أكثر منها «المقاومة المسلّحة». وفي مقال آخر، قام باكتشاف عظيم ومفاده أن سكان مستوطنة مودين إيليت وهم من اليهود المتزمتين، ويبلغ عددهم 45.000 مقيم و60 مولودا في الأسبوع، وهي مدينة بنيت في أرض الضفة الغربية واستولي عليها في 1967، «لا يعتبرون أنفسهم مستوطنين أو صهاينة ولا يعربون عن أي التـزام يتعلّق بوجودهم في الضفة الغربية». ويشمل الاقتراح استعدادهم للعودة مجدداً إلى إسرائيل.
وفيما يضغط أوباما على إسرائيل للتخلي عن طموحاتها التوسعية، يحث الدول العربية على القيام بمبادرات مصالحة مع إسرائيل، لكسب الرأي العام الإسرائيلي لمصلحة السلام. ولا شك في أنّه تم تكليف مصر والأردن، وهما الدولتان المرتبطتان بسلام مسبق مع اسرائيل، القيام بهذه المهمة.
وفسّر بعض المعلّقين موافقة مصر على مرور السفن الحربية الإسرائيلية عبر قناة السويس على أنها تحذير لإيران، ويمكن اعتبار هذا الموقف أيضاً بمثابة تذكير لاسرائيل بأن العداء العربي ليس أزليّاً، وأنّ الأوضاع يمكن ان تتحسن ما إن تنهي اسرائيل قمعها للفلسطينيّين.
ببطء ولكن بثبات، وبفضل الدفع المتكرر واللطيف من قبل الرئيس الأميركي، نشهد اليوم على ظهور محتمل لخريطة الشرق الأوسط الجديدة. ولكن الوقت لا يزال مبكراً. يبدو أن واشنطن لم تقرّر بعد ما إذا كانت تريد الإعلان عن خطتها المفصلة للسلام، أو تفضل الاستمرار ببساطة بالضغط الصارم واللطيف في آن على الأطراف المعنية.
على أية حال، من غير المرجّح أن يحلّ السلام من دون صراع. سيسبّب المستوطنون المتشددون بصراع. وسيتردد نتانياهو في مواجهتهم بقوة خوفاً من اندلاع حرب أهلية أو على الأقل انهيار ائتلافه. ومن المتوقع حدوث استفزازات من قبل المتطرفين من الجانبين.
ولكن، وأخذاً بعين الاعتبار كل هذه المسائل، بدأ «أثر أوباما» يصبح فعالاً. وهذا المستقبل هو الأكثر وعداً الذي شهدته المنطقة منذ سنين.
* كاتب بريطاني خبير بشؤون الشرق الأوسط.