حكومة "خطوط التماس" أم تسيير البلد ? - رفيق خوري (الانوار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
المسافة واسعة بين الوقائع والتوقعات بالنسبة الى حكومة ما بعد الانتخابات النيابية المحكومة بما هو أكثر من نتائجها وأبعد. وليس غريباً أن تنصب الصراعات كلها في مجرى التأليف، بحيث تبدو معركة الانتخابات وحسابات الأرباح والخسائر مجرد جولة في حرب الحكومة. فلا أحد يريد البقاء خارج النادي الحكومي الذي تطغى جاذبيته على المسؤوليات فيه. ولا شيء يوحي، مهما علت أصوات التفاهم والتهدئة وكبرت التحديات في الداخل والخارج، ان عملية التأليف مرشحة لأن تكون سريعة وسهلة أو أن الطبخة مقتصرة على المواد التي قدمتها الانتخابات ومحصورة في أيدي الطباخين الظاهرين.
ذلك أن الحوافز التي تقود الجميع الى باب النادي الحكومي أكبر من الجوائز في أية صيغة حكومية. والرهان على مداواة الجروح التي تركتها الانتخابات بالأعشاب الوزارية هو رهان رومنطيقي. فالاصطفاف الطائفي والمذهبي الذي أديرت به الانتخابات ليس مجرد وسيلة لضمان الربح بمقدار ما هو تعبير عن واقع مأزوم وخطير يتخطى الانتخابات ويصعب أن تبدله أية نتائج. وما يقال حالياً عن مراجعة المواقف هو لدراسة نقاط القوة والضعف من أجل تعزيز المواقع في المعارك المقبلة أكثر مما هو لاستخلاص العبر من أجل الخروج من الواقع المأزوم.
ولا أحد يصدق أن اللعبة لم تبدأ بعد، عبر تغطيتها بحجة شكلية يرددها الجميع هي انتظار الموعد الدستوري لبدء ولاية المجلس الجديد وانتخاب الرئيس ومكتب المجلس ثم تحديد مواعيد الاستشارات الملزمة لتسمية المرشح لرئاسة الحكومة. فما نراه ونسمعه هو أكثر من تحضير الأوراق عشية الجلوس حول الطاولة. وما يصعب اعتباره كل اللعبة هو السجال بين الأطراف حول حكومة بالثلث المعطل أو من دون الثلث المعطل.
والمسألة في البداية والنهاية تتوقف على جواب عن سؤالين متلازمين: هل نريد حكومة لادارة شؤون الناس أم لادارة اللعبة بين الزعامات? وهل المطلوب حكومة للبنان وقضاياه أم حكومة للصراعات الإقليمية والدولية? اذا كنا نتجه نحو حكومة للبنان وادارة شؤون الناس، فإن التفاهم على تركيبة حكومية ليس صعباً. واذا كنا نتجه نحو حكومة على (خطوط التماس) بين الطوائف والمذاهب و(خطوط التماس) بين الدول المؤثرة في المنطقة والعالم، فإن المشكلة ليست فقط صعوبة التفاهم على تركيبة حكومية بل أيضاً الحكم المؤبد على لبنان بالخطر والصراعات والتشنج والافلاس والهجرة.
ومن هنا يبدأ الخيار. فالخطر كبير في أن تكون الصورة، كما رسمتها صحيفة (بوسطن غلوب)، هي أن (لبنان هو الكنار ذو الريش الأصفر والصوت الجميل في منجم فحم الجيوبولتيك الشرق الأوسطي). والخطر أكبر في أن يفقد لبنان صوته ولونه ويصبح بلون الفحم في المنجم.