Skip to content
Democratic Renewal Movement
Interviews/

شادي بو حبيب للأخبار:الإصلاحات الآن للوصول إلى مجتمع مختلف كلياً

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

لا تحتاج العملية إلّا إلى قليلٍ من الإرادة وكثيرٍ من الإيثار لمصلحة الشعب والأجيال المقبلة. على صنّاع السياسة في هذا البلد أن يتنازلوا عن مصالحهم الآنية لأنّ مقوّمات لبنان قوية فعلاً، وإذا استُغلت على النحو الصحيح في إطار إصلاحي متكامل، يُمكن أن تنقل المجتمع إلى مستوى آخر كلياً من الرفاهية خلال 15 عاماً. هذا كلام البنك الدولي. كلامٌ تبدو الحكومة أمامه مخلوقاً مشوّهاً، بل بشعاً جداً

 


لم تعد الإصلاحات المطلوبة لاستغلال قدرات الاقتصاد اللبناني غريبة على أحد؛ ابدأ بالبنى التحتية لتصل إلى ترشيد الإنفاق العام وزيادة فعاليته. لكن هناك قضية لا يتنبّه لها كثيرون: كلما طالت فترة التمنع عن تطبيق الإصلاحات زادت الأوضاع سوءاً وصعُب تصحيحها. وهذا يعني أنّه بغياب القرار الرشيد سيبقى الاقتصاد عالقاً في نموذج غير مستدام لا يؤمّن طموحات أبنائه، أي في دوامة من تراجع الإنتاجية ومعرّضاً دوماً للتأزم؛ وبالتالي لا يُمكن أن يؤمن مدخلاً صوب مجتمع أكثر رفاهية.
هذا تحديداً ما يُحذّر منه تقرير البنك الدولي، «لبنان: استخدام التدفقات الرأسمالية الكبيرة لتحفيز النمو المستدام الطويل المدى». فهو يقوم على تشريح الاقتصاد في مختلف قطاعاته، يُحدّد نقاط ضعفه وقوّته، ويدمج جميع الإصلاحات المطلوبة ليُقدّم صورة عما يُمكن أن يكون الوضع عليه بعد 15 إلى 20 عاماً إذا ما طُبّقت تلك الإصلاحات، وفي حال عدم تطبيقها.
صراحةً، يقول التقرير إنّ الإصلاحات ممكنة، وتحقيق نقلة نوعية في هذا البلد ليس عملية مستحيلة، وتبدأ انعكاساتها الكلية بالظهور بعد 5 أعوام. بيد أنّ هذا التحوّل يحتاج إلى قرار سياسي واضح، وهو ما يعيه تماماً الفريق الذي أعدّ التقرير، إذ يدعو النخبة السياسية إلى عدم التخوّف من خسارة بعض الريوع حالياً، وأن تسعى إلى تحقيق إصلاحات في خمسة ميادين رئيسية هي: الاستثمارات العامّة في البنى التحتية تحديداً، فعالية الإنفاق العام في التعليم والبنى التحتية، حماية الملكية الفكرية، خفض اختلال التوازن اقتصادي وتحسين المنافسة.
«ليس دقيقاً الحديث عن لعنة وعدم القدرة على النهوض لأنّ القضية هي قضية خيارات؛ الخيار حالياً هو عدم الاستفادة من النعم الموجودة، مع العلم بأنّ اللاخيار هو خيار أيضاً»، يُعلّق كبير الاقتصاديين في البنك الدولي في لبنان شادي بوحبيب، الذي يرأس الفريق الذي أعدّ التقرير، عشية إطلاق التقرير في ورشة عمل تُنظّم اليوم. ويقضي المنطق البديهي بأنّ «يكون واقع الحال معكوساً لضمان استمرارية هذا المجتمع وتطويره؛ وهذا يعني الاحتفاظ باليد العاملة الماهرة». ولكن في حال عدم تطبيق الإصلاحات، يُطرح سؤالان بديهيان: الأوّل، ما هي النتيجة الاقتصادية الاجتماعية لهذا التأخير؟ والثاني، ما هي معوقات عدم التطبيق، وكيف يتم تخطيها؟
في الإجابة عن السؤال الأوّل، يقول شادي بوحبيب إنّ التأثيرات الإيجابية لتدفّقات الرساميل ستبقى مكبوحة ولن تؤدّي إلى نموّ مستدام طويل الأجل، وبالتالي «سيبقى لبنان رهينة تهجير المتعلمين والتقلّبات الاقتصادية».
أمّا في الأسباب التي تعوق الإصلاحات، فتُرصد هنا للمرّة الأولى مقاربة صريحة من جانب البنك الدولي يعترف فيها بوجود مجموعات نافذة ومتراصة ترفض الإصلاح ويدعو إلى طمأنتها لأنّ عملية الإصلاح تُفيد الجميع؛ ويقول: «إنّ سمة الاقتصاد السياسي في لبنان هي الطائفية ووجود مجموعات قوية تتمتّع بمصالح في القطاعات الاقتصادية الأساسية». ويضيف: «إنّ هذا المزيج يؤدّي إلى صراعات بين القادة السياسيين من المجموعات الطائفية المختلفة في إطار السعي إلى الاستحواذ على القرار في مجال تحديد السياسات الاقتصادية والاجتماعية». ويُشير إلى أنّ «المجموعات الأكثر نفوذاً هي في قطاعي المصارف والعقارات» وأنّ «النظام الانتخابي يلعب دوراً كبيراً في استمرار السيطرة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية». وهكذا «يكون توزيع الريوع في القطاع العام عبارة عن توازن سياسي حساس»، يتابع التقرير، وبنتيجة هذا الوضع فإنّ «الإصلاح في أي قطاع سيكون فاشلاً في حال خفض الريع الذي يتمتع به أحد القادة الطائفيين مع الحفاظ على حصّة القادة الباقين في القطاعات الأخرى».
وفي هذا الإطار «قد يكون من الصعب على لبنان أن يُطبّق الإصلاحات في المجموعات الخمس المقترحة، ولذا قد تلعب المنظمات الدولية دوراً مهماً في تسهيل التنسيق والتأكيد أنّ الإصلاح ليس معادلة نتيجتها صفر» لمعارضي الإصلاحات.
ويُطلق التقرير جرس إنذاره انطلاقاً مما يحدث في المنطقة، فهو يقول إنّ «التطوّرات الأخيرة في المنطقة العربية وفي مناطق انتشار الاغتراب اللبناني أوضحت أن (التغيير) المطلوب من صنّاع السياسات ملحّ جداً، ويفترض بناء اقتصاد أكثر صلابة تجاه الصدمات الخارجية في إطار تحكمه استراتيجية نمو تُعزّز التوظيف». ويوضح أنّ «إشراك شرائح إضافية من الشباب في النشاطات الإنتاجية والابتكارية سيكون بطيئاً، غير أنّه بالتأكيد سينقل النظام باتجاه توازن جديد».
ويُعلّق شادي بوحبيب على هذه الخلاصة بالقول: هناك مجموعات ترى نفسها متضرّرة من التغيير. وواقع الحال هو أنّ قدرة الشباب المتعلّمين والعمال المهرة على التعبير عن مصالحهم تبقى ضعيفة لسبب أو لآخر، في مقابل أقلية منظّمة لمصالح أوضح وأكثر مباشرة وآنية.
ولكن «يجب التشديد على أنّه بهدف تحقيق النقلة المطلوبة، ليس بالضرورة كسر مصالح في مقابل مصالح أخرى». كذلك «فإنّ من يعتقد نفسه خاسراً الآن من الإصلاحات، عليه التنبّه إلى أنّ هذه الخسارة الآنية تعني أرباحاً مهمّة للوطن وللأجيال المقبلة».
ويُعيدنا شادي بوحبيب إلى تجربة كوريا الجنوبية، وتحديداً إلى عام 1962، فحينها كان هذا البلد أفقر من لبنان وحتّى أفقر من الشمال الذي لم تكن حرب الانفصال عنه قد انتهت.
في ذلك العام، اتضح للنخبة في سيول أنّ الجبهة الداخلية متجّهة إلى التفتّت في ظلّ الصراع القائم مع الدولة الشيوعية. فكان أن قرّرت النخب أنه حان وقت التغيير، فتقرّر إصلاح المالية العامّة والمؤسسات، مع إبقاء الحرس القديم، لكن تحت عنوان: فلنتعاون لننتج عقداً اجتماعياً جديداً.
اليوم، أضحت كوريا لاعباً أساسياً في الاقتصاد العالمي تتمتع بأحد أفضل مؤشرات الرفاه كونياً.
هناك الكثير من أوجه الشبه بين لبنان وكوريا: الصراع _ بصفته محفزاً للازدهار والمقاومة الاقتصادية _ موجود (هل ذكر أحد إسرائيل؟)، مقومات اليد العاملة الماهرة موجودة، النظام التعليمي المقبول موجود ... بل إن لبنان يتمتع بأفضلية على البلد الشرق آسيوي وبلدان أخرى مثل تايوان وقبرص، وهي التدفقات الرأسمالية.
تُؤمّن هذه المقارنة مدخلاً ممتازاً لتأكيد فكرة أساسية: التغيير في لبنان ممكن، وخصوصاً في ظلّ المقومات الموجودة.
ويُظهر التحليل مجموعة من الخلاصات التي تدفع صوب هذا التغيير، تم التوصل إليها بعد معالجة البيانات المدروسة في نموذج محاكاة وضعه الأستاذ في «جامعة مانشستر»، المستشار الأوّل للمصرف المركزي البرازيلي، بيار ريشار أجينور.

الخلاصات

أوّلاً، هناك علاقة قوية وثابتة بين التدفقات المالية الأجنبية والمحدّدات المختلفة لها، إذ إن الترابط واضح بين أسعار النفط والاحتياطات الأجنبية من جهة، والودائع من جهة أخرى.
ثانياً، أفادت التدفقات المالية الأجنبية لبنان على نحو كبير، غير أنّها أنتجت أكلافاً عبارة عن تذبذب وزيادة في الهشاشة. ولكن في ظلّ الاستقطاب السياسي وغياب صناعة القرار، سمحت هذه التدفّقات بتمويل العجز المالي الهائل والعجز في ميزان المدفوعات، ما أخّر الإصلاحات الهيكلية المهمّة لخفض التشوهات.
ثالثاً، هناك مجموعة من العوائق التي تُخفض قدرة لبنان على الاستفادة من التدفقات المالية لتطبيق استراتيجية تقوم على الابتكار والنمو الطويل الأجل، إذ تبقى البنى التحتية الأساسية _ الكهرباء، الطرقات، الإمدادات الصحية _ تعاني نقصاً في مجالات كثيرة. كذلك فإنّ الحصول على خدمات البنى التحتية الرخيصة يبقى عائقاً في وجه النشاط الاقتصادي ...
رابعاً، تُظهر المحاكاة في النموذج الرياضي أنّ ثمار الإصلاحات الهيكلية والماكرو اقتصادية كثيرة فعلاً. وإذا أُخذ كل ميدان مطلوب الإصلاح فيه على حدة يتضح الآتي: تؤدّي الزيادة بنسبة 50% في الاستثمارات العامّة (أي تلك التي تقوم بها الدولة) إلى زيادة 0.6 نقطة مئوية على معدّل النمو المعياري المحدد عند 4%؛ يولّد تحسين بنسبة 25% في مؤشر فعالية الإنفاق العام في قطاعي التعليم والبنى التحتية زيادة 0.5 نقطة مئوية على معدّل النمو؛ يؤدّي خفض اختلال التوازن الماكرو اقتصادي (والذي يُقاس بمؤشر تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة) إلى زيادة 0.08 نقطة مئوية على النموّ الطويل الأجل؛ يُحفّز تحسين تطبيق قوانين حماية الملكية الفكرية الاستثمارات الأجنبية المباشرة ويولّد نمواً إضافياً بقدر 0.8 نقطة مئوية؛ يعمل تحسين المنافسة في سوق السلع الثانوية على رفع الناتج المحلي الإجمالي بواقع 0.1 نقطة مئوية. وبجمع الإصلاحات في هذه الميادين المذكورة، يتضح أنّ الزيادة على متوسط النمو الطويل الأجل تبلغ 1.3%. «ويُمكن أن تبدأ نتائج الإصلاحات بالظهور منذ العام الأوّل لبدء تطبيقها، غير أن الانعكاس الكلي على النمو لن يتحقق قبل تحقيق جميع الإصلاحات، وهو ما قد يستغرق 5 أعوام».

النقلة النوعية ليست مستحيلة

لكن، ما هي 5 أعوام في حياة شعب ذاق الأمرّين من غياب الخدمات العامّة وارتفاع معدلات التهجير لدرجة أنّ ما بين 15 ألفاً و20 ألفاً يهاجرون سنوياً؟ الجواب البديهي عن هذا السؤال يُصبح أكثر إقناعاً عندما يعرض التقرير خلاصته الأساسية: تقديرات هذا النمو تعني أنّه بعد 15 عاماً من تطبيقها ستؤدّي الإصلاحات إلى ارتفاع حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 21% مقارنة بوضع لا تُطبق فيه إصلاحات.
بل أكثر من ذلك، يُشير التقرير إلى أنّ فرض قوانين حقوق الملكية الفكرية في مجال الأبحاث والمواءمة (R&A) يؤدّي إلى زيادة قدرها 2.9 نقطة مئوية في متوسط النمو الطويل الأجل للناتج، ما يعني أن حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ستكون بالحدّ الادنى أعلى بنسبة 50%.
وانطلاقاً من هذه النتيجة العلمية، يُشدّد التقرير على الآتي: «إن هكذا نقلة نوعية صوب مرحلة من الابتكار والإنتاج، بالتماهي مع النقلة النوعية في النمو الاقتصادي، سيكون لها انعكاسات مهمّة على مؤشرات التنمية في لبنان وعلى المستوى العام لرفاهية شعبه».
ويشرح شادي بوحبيب هذه الخلاصة بالآتي: هذه الأرقام تعني أنّنا نصبح في بلد آخر كلياً، حيث ترتفع معدّلات التشغيل وتنشأ علاقات عمل مختلفة وتتطور العلاقات المجتمعية وتنشأ فئات جديدة تنخرط في النشاط الاقتصادي بطموحات جديدة؛ نحن نتحدّث عن مجتمع مختلف كلياً.

--------------------------------------------------------------------------------

30 مليار دولار

زيادة ودائع القطاع المصرفي بين عامي 2008 و2010، بحسب تقرير البنك الدولي الذي يُشير إلى أنّ «الادّخار الأجنبي والتدفقات شهدت تسارعاً استثنائياً نتيجة ارتفاع أسعار النفط، تبعته أزمة ثقة حادّة في الأسواق المالية والرأسماليّة العالمية»

--------------------------------------------------------------------------------

نعم، نستطيع

«تتمتع الحكومة بهامش واسع لتوسيع الاستثمارات العامّة وزيادة فعالية الإنفاق العام»، يقول تقرير البنك الدولي. وفي الواقع «هناك ربحية كبيرة للاستثمار في البنى التحتية» يُعلّق كبير الاقتصاديين في البنك، شادي بو حبيب. وفي رأيه، يُمكن تصنيف الربحية إلى فئتين: أوّلاً، ربحية المشروع من حيث العائد المالي والجدوى الاقتصادية التي يتضح أنّها كبيرة جداً. ثانياً، المردود المجتمعي حيث تؤدّي الاستثمارات إلى خفض الأكلاف على المواطن وزيادة عرض الخدمات، ما يُتيح جزءاً كبيراً من الدخل للإنفاق المختلف، فيوسّع الاقتصاد ويحفّزه

 

← Back to Interviews