Skip to content
Democratic Renewal Movement
Interviews/

غورباتشيوف لـ"النهار": لبنان نموذج وأميركا تحتاج الى بيريسترويكا خاصة بها

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

معجب بديموقراطية لبنان المرتكزة على سلطة الغالبية مع حقوق الاقلية
غورباتشيوف لـ"النهار": مفاوضات السلام ملحة وتغير أجواء المنطقة
لا تغير في السياسة الاميركية ولكن أمام أوباما فرصة للتغيير


مرة جديدة، يصر آخر الزعماء السوفيات ميخائيل غورباتشيوف على ألا يكون البطل المنسي للتاريخ. باصرار، يدافع مهندس"البيريسترويكا " و"الغلاسنوست" عن تجربته الفريدة، وإن تكن أنهت عملياً مستقبله السياسي. بجرأة، يقر بمسؤولية له في تفكك امبراطوريته، غير نادم على تخليه عن المفاهيم الستالينية للجوء الى القوة. وبفخر، يتباهى بجسور بناها مع غرب كان أول من هلل للسقوط المدوي لاتحاده.
فوقت تبدو بصمة زعماء معاصرين له مثل الزعيم الافريقي الجنوبي السابق نلسون مانديلا والمرأة الحديد مارغريت تاتشر أكثر وضوحاً في أحداث القرن العشرين، يكاد الدور الرئيسي الذي اضطلع به "غوربي" يصير من الماضي، ربما لان تجربته التاريخية انتهت بانقلاب فاشل وتفكك الاتحاد السوفياتي واستقالته التي أنهت عملياً مسيرته السياسية. أو ربما لأن البعض حكم عليه بأنه قلل شأنه بمشاركته باعلانات "لوي فويتون" و"بيتزا هات" ومشاركته في احتفالات المشاهير، واضطلاعه بدور في فيلم للمخرج الالماني الشهير فيم فاندرز. لكن أياً من هذه الاسباب لا ينفي كون هذا الرجل ساهم بقوة حيناً وبامتناعه عن استخدام القوة العسكرية أحياناً في اسقاط جدار برلين وتغيير شكل العالم ، وإن يكن كان يتمنى عالماً جديداً أكثر أماناً.
ليست المرة الاولى يزور غورباتشيوف لبنان، إذ سبق له أن حل ضيفاً على "الاسكوا" في نيسان 2003، عندما كانت الحرب الاميركية - البريطانية في العراق من أولها، وألقى محاضرة اقترح فيها حلا يبدأ بتنحي صدام حسين وينتهي تحت مظلة الامم المتحدة ، محذراً من أن الحسم الاميركي لن يكون النهاية بل بداية سيناريوات كارثية.
بعد سبع سنوات تقريباً، يعود الزعيم السوفياتي الى بيروت، لا للوقوف على نتائج ذلك الحسم وسيناريواته، وانما تلبية لدعوة من مهرجان "جوائز مينا كريستال" (MENA CRISTAL AWARDS ) ليتحدث عن تجربته التاريخية في سقوط جدار برلين، بعد 20 سنة على انهيار احد رموز الحرب الباردة.ومع أن غورباتشيوف الذي صار في التاسعة والسبعين، بات مقلاً في السفر أخيراً، فقد لبى الدعوة التي وجهت اليه الى لبنان "لان هذا البلد أثر فيّ خلال زيارتي الاولى"، ولأنه مهتم بالاستماع الى تجربة المسؤولين اللبنانيين مع الازمة المالية العالمية، وطريقة تمكن هذا البلد الصغير من تجنب تداعياتها الخطيرة. وبدا معجباً بمحاولة لبنان "بناء ديموقراطية خاصة به ترتكز لا على سلطة الغالبية فحسب وانما أيضاَ على حقوق الاقليات". وبين الزيارتين، يسجل الرئيس المؤسس لمنظمة "غرين كروس انترناشونال" ، وهي منظمة غير حكومية تعنى بالبيئة، ورئيس مؤسسة "غورباتشيوف" حدثاً بارزاً في حياته، وهو "ولادة حفيدته".


بتواضع الكبار، تحدث آخر الزعماء السوفيات الى "النهار" عن الملفات الساخنة في العالم، من النزاع العربي-الاسرائيلي، الى ايران وأفغانستان، معتبراً أن ثمة حاجة ملحة الى معاودة مفاوضات السلام، أو ما يفضل تسميته عملية مدريد. وحدد العناوين العريضة للنظام العالمي الجديد مع بروز قوى جديدة تنافس اميركا على زعامة العالم ، من اوروبا الى الصين وروسيا.
بدا متفائلاً بالادارة الاميركية الجديدة، وإن يكن لم ير تغيراً كبيراً في السنة الاولى لحكم باراك اوباما.وفي روسيا، لم ير في ثنائية بوتين - ميدفيديف خطراً على البلاد، مع ان الاعلام يسعى جاهداً الى البحث عن خلافات بينهما. يرى بين موسكو وواشنطن حواراً جدياً، ويأمل في أن يستمر بدل الضغط الذي كان سائداً في السابق. وهنا نص الحوار:


• بينما أحيت اوروبا والعالم الذكرى العشرين لسقوط جدار برلين، تستمر الجدران بالارتفاع في الشرق الاوسط مشكِّلة سدا أمام السلام المنشود.ما هي في رأيك احتمالات مفاوضات السلام في المنطقة؟
- ثمة حاجة ملحة الى معاودة مفاوضات السلام، أو عملية مدريد. وأعتقد أن هناك آمالاً في معاودة هذه المفاوضات.كنت أحد رئيسي مؤتمر مدريد ولا أزال أتابع هذه العملية.قد يقول البعض إنني ساذج، لكنني لست كذلك. قال البعض ان المسألة صعبة ومعقدة، وإنه لا يمكن حلها.كون العملية صعبة، هو بالتحديد سبب اضافي لاعادة اطلاق مفاوضات السلام الكفيلة بتغيير الاجواء في هذه المنطقة. وأعتقد أن هذا البلد يشكل نموذجاً بعد كل المشاكل التي كان يواجهها.ولئن كان من السابق لاوانه تهنئة لبنان، ليس باكراً التنويه بعملية الوحدة التي تشهدها البلاد.
على رغم كل المشاكل التي واجهها لبنان وتعقيدات التركيبة اللبنانية، مع طوائف مختلفة وآراء مختلفة،ثمة أمور يستطيع جميع اللبنانيين العمل عليها معاً. وأعتقد أن زعماء هذه البلاد هم على الدرب الصحيح لايجاد الطريق الصحيح لمثل هذا التعاون. وأعتقد أن هذا الامر يجب أن يستمر، وأنه يشكل مثالا جيداً للاخرين. أعتقد أن بعض السياسيين يريدون أن يتزعموا بطريقة منفردة، وهذه ليست الطريقة الصحيحة. لا يستطيع شخص واحد حل كل المشاكل التي يعانيها مجتمع معقد كهذا.
أعتقد انه اذا نجحت عملية التوافق الجارية في لبنان، سيشكل هذا الامر نموذجا عظيماً للآخرين في شأن سبل حل المشاكل.
طبعاً، يعتبر الشرق الاوسط كياناً أكثر تعقيداً من لبنان، ولكن المقاربة يمكن أن تكون نفسها. وبالتأكيد على دول مثل ايران وسوريا المشاركة في العملية.


• منذ سنوات، نشهد ما يشبه سباقاً على امتلاك السلاح النووي. وحالياً، تقرع في المنطقة طبول الحرب على خلفية البرنامج النووي الايراني.هل تعتقد ان ايران تسعى الى امتلاك السلاح النووي؟ وهل ترى ان الادارة الاميركية مستعدة لحرب جديدة في المنطقة؟
- أعتقد أنه يجب عدم السماح بشن حرب على ايران. وهذا الامر يجب ان يكون نقطة انطلاق لاية محادثات.علينا التوصل الى نقاط تواصل مع ايران، ولاحقاً البحث عن مجالات للتعاون معها.ليس اللجوء الى القوة العسكرية هو الحل. نرى ما يحصل في أفغانستان، والحرب هناك تعتبر الحجة الرئيسية ضد أي حل عسكري مع ايران. اذا أجروا حواراً حقيقيا وجدياً ومسؤولاً، أعتقد أنه يمكن العثور على نقاط حوار ومجالات للتعاون مع هذا البلد. أما أولئك الذين يميلون الى الحل العسكري، لن يكون لهم مكان لهم في هذه العملية.


• كسياسي روسي شارك في صنع تاريخ بلاده وأحداث القرن الماضي، كيف تقوّم محور ميدفيديف - بوتين اليوم؟ وهل تعتقد أن روسيا هي في طريقها الى نوع جديد من النظام التوتاليتاري؟ وما هي مكانة المجتمع المدني والمعارضة الروسية ودورهما في بناء دولة ديموقراطية في روسيا؟
- إن هذا المحور هو وليد العملية الديموقراطية التي ينص عليها الدستور الروسي. وتسعى الصحف الى معرفة ما اذا كانت ثمة خلافات بين طرفي هذا المحور، ومن هو أكثر تأثيراً بين الرجلين. أعتقد أن هذا المحور تجاوز اختبار الازمة، وثمة ميزات لهذا النظام، فالرجلان يمكنهما مناقشة المسائل واختبار أفكار عدة، وهذا يسهل الامور، بدل التصرف على نحو منفرد.لذا، علينا الانتظار لنرى ما سيحصل.
يخيل الي أحياناً أن الاضواء تركز كثيراً على الرجلين، ولكن المهم ليس الاطلالات الاعلامية، وإنما الطريقة التي يتعاملان بها مع مشاكل الناس. تلقى على كل من الرجلين مسؤوليات، وأعتقد أنهما سيحظيان بالدعم اذا تمكنا من اقناع الناس بصواب مسيرتهما السياسية.
في الوضع الراهن في روسيا، تبدو المعارضة ضرورية جدا. وسبق لكل من بوتين وميدفيديف أن قال أن البلاد تحتاج الى معارضة، وأعتقد أنهما يحاولان ربما العثور على طرق لايجاد معارضة كهذه.والوقت سيظهر ما سيحصل. في الواقع، يكمن مفتاح النجاح في إيلاء هموم الناس والرأي العام اهتماماً أكبر.


• بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، صارت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة، ومع ظهور قوى جديدة اليوم مثل الصين والاتحاد الاوروبي وروسيا، كيف ترى النظام العالمي الجديد للقرن الحالي؟
- أعتقد انه اذا حاول أي من هذه القوى القيام بالاعيب ضد الاخر لابعاده أو ضمان سيطرته على العالم، سنواجه كارثة.فاذا حاول أي من هذه القوى لعب "الورقة الصينية"، سيكون الامر خطيراً.وسنواجه الامر نفسه اذا حاولت الصين تحريض قوة ضد أخرى.
ولبناء عالم موحد حقاً، يجب ان يكون ثمة احترام متبادل وتعاون بين القوى الرئيسية. أعتقد أن أوباما سيكون أكثر نجاحاً، إذا حاول بناء هذا النوع من التوافق بين القوى الكبرى. لذلك، تشكل هذه الفترة اختباراً لنضج الزعماء السياسيين ومسؤوليتهم. حتى الان، أرى بعض الانقسامات بين القوى الكبرى، لكنني لا أرى أي تهديد يشكل في رأيي خطراً كبيراً.


• منذ انتخابه، علقت آمال كبيرة على أوباما لتحسين علاقات بلاده مع روسيا والعالم.خطب ود روسيا والدول المسلمة وآخرين.كيف تقوم السنة الاولى من ولايته؟وكيف ترى مستقبل العلاقات الروسية-الاميركية؟
- زرت أخيراً الولايات المتحدة وألقيت محاضرة أمام 12 الف شخص اشتروا بطاقات للاستماع الي.وعندما سألني أحد الحاضرين، ماذا تقول لاميركا في ظل الوضع الصعب الذي تعيشه، أعتقدت أنه أمر خطر اسداء النصح الى أميركا التي تعودت تقديم النصائح للجميع، ولكنني أكدت أن أميركا في حاجة الى بيريسترويكا خاصة بها، فصفق لي 12 الف شخص وقوفاً.أعتقد أن انتخاب اوباما ليس مصادفة، وانما دليل على عملية تغيير بدأت في الولايات المتحدة. الحملة كانت صاخبة والمشاركة مرتفعة. التقيت أوباما مرتين وقلت له إنه قادر على حل المشاكل التي تواجه بلادكم اذا حافظ على الدعم الشعبي. صحيح ان شعبيته بدأت بالتراجع، لكن أعتقد أن علينا أن نتمنى له النجاح. السياسة الاميركية تتغير، ولكن العملية صعبة.
حتى الآن، لم نشهد تغيراً كبيراً مقارنة بسياسة سلفه جورج بوش، وهو ما يتناقض مع الوعود التي قطعها، ولكن لا أزال أعتقد أن أمامه فرصة لتحقيق تغيير، وإن يكن بدأ يواجه معارضة أكبر، وخصوصاً في مجلس الشيوخ بعد الانتخابات الاخيرة.
أما العلاقات بين واشنطن والقيادة الروسية، فتبدو جيدة حتى الان والجانبان مسروران بذلك، ونتمنى أن يستمر ذلك بدل الضغط.

 

مؤتمر صحافي


وكان غورباتشيوف عقد مؤتمراً صحافياً في فندق "مزار انتركونتيننتال" –كفرذبيان تحدث فيه عن انهيار الاتحاد السوفياتي والادارة الاميركية الجديدة والعلاقات بين واشنطن وموسكو وحرية الاعلام في روسيا وصولاً الى الوضع في لبنان.
سئل ما سبب مشاركته في اعلانات دعائية، فلم يتردد في التباهي بما فعل، مؤكداً أنه سعيد بتلك التجربة ونتائجها، وموضحاً أنه عندما صور اعلان "بيتزا هات" "كنا في حاجة الى المال لتشييد مبنى لمؤسسة غورباتشيوف بعدما طردنا يلتسين من المكان الذي كنا نعمل فيه... أعتقد أن الجانبين أفادا من الحملة... نحن وبيتزا هات". وأفاد أنه شارك في ثلاثة اعلانات تجارية، قبل أن تؤثر الازمة المالية على السوق الاعلاني، ممازحاً: "حتى في موسكو، بات في الامكان رؤية المباني بعدما حجبتها طويلاً اللوحات الضخمة".
وأضاف: "أنفقت كل المال الذي حصلت عليه في الاعلانات والكتب التي نشرتها، الى أموال جائزة نوبل على ذلك المبنى وبناء مستشفى لمعالجة الذين أصيبوا بسرطان الدم بسبب مفاعل تشرنوبيل، فضلا عن بعض المشاريع الخيرية.
وعن حرية التعبير في روسيا ، تمسك مهندس "الغلاسنوست" بموقفه من أنه من دون صحافة حرة وحرية التعبير، لا يمكن التقدم نحو عالم أفضل. وشدد على أن التحديث في حاجة الى ابتكار واعلام حر. وفي هذا المجال، رأى أن "روسيا لا تزال في منتصف الطريق"، وأن ثمة عملية تدريجية لبناء علاقة بين الاعلام والسلطة والمجتمع"، لافتا الى أن ثمة أشخاصاً يدعمون حرية الصحافة ويتظاهرون ويحيون ذكرى صحافيين يقتلون. وأكد ان الاعلام المكتوب يتمتع بحرية كبيرة "وإن تكن ليست كافية"، بينما لا تزال التلفزيونات خاضعة لرقابة الدولة. وروى أنه سمع من طالب في منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس اخيراً ببيريسترويكا عالمية، وقال: "لنعمل على ايجاد غلاسنوست عالمية... لندافع عن حرية الاعلام والتعبير".

 

مسؤولية اخلاقية


وعندما سئل هل يشعر بمسؤولية أخلاقية عن تفكك الاتحاد السوفياتي، أجاب: "كنت أحد الذين ناضلوا حتى اللحظة الاخيرة للحفاظ على الاتحاد، وعملنا لتحضير اتحاد جديد لجمهورياتنا. أعددنا معاهدة في هذا الشأن، لكن الانقلاب الذي حصل منعنا من اكمال ذلك". ولم يتهرب من القول إن "ما حصل لاتحادنا هو طبعاً من مسؤوليتنا"، وإن يكن ذكر بضحكة أن "أولئك الذين قالوا في الغرب إنهم مع تغيير سلمي في الاتحاد السوفياتي، كانوا أول من صفقوا للانهيار". وبمرارة أضاف بالفرنسية: "c’est la vie".
وقلل شأن حنين الروس الى أيام الاتحاد السوفياتي، قائلا إنه في استطلاع للرأي أجري أخيراً أبدت غالبية من الروس"أسفها" لتفكك الاتحاد، الا أن تسعة في المئة فحسب قالوا إنهم يريدون العودة الى تلك الايام.
وختم بالاشادة بالتجربة اللبنانية. وقال إنه عقد لقاءات جيدة مع المسؤولين اللبنانيين و"تحدثت كشخص مستقل لا أمثل حكومتي، وهو ما مكنني من قول ما أفكر فيه"، معتبراً أن لبنان يشكل "معجزة" لتجازوه كل المشاكل والمحن التي مرت عليه. كذلك، نوه بتجاوز لبنان الازمة المالية.

موناليزا فريحة

← Back to Interviews