مساهمة المحامي زياد بارود في مؤتمر 'مشاركة المرأة في العمل السياسي'
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
"المرأة وقانون الانتخاب"، مسألة قد تنطوي على تمييز بحق المرأة! فالأزمة في القانون، وفي قانون الانتخاب تحديدا، معمّمة على الفئات المجتمعية كافة. وقد حاولت جاهدا أن أدرك أحدهم ممن رضي عن قانون الانتخاب وسكن إليه، فلم أجد إلاّ مرآة تعكس قانونا لا يشبه إلا ذاته، ولا مرأة فيه، ولا شباب، ولا معوّقين، ولا لائحة طويلة من أبناء الوطن. هؤلاء جميعا مغيّبون عن الخيارات الوطنية وعن المسرح السياسي حيث الممثلون هم أنفسهم يحبكون حكاية متكررة وكلام معسول حول مساواة ساقطة وتكافؤ فرص معدوم. أما كواليس المسرح، فتعجّ بالفئات الأخرى التي تحظى، في أفضل الأحوال، بالأدوار الثانوية، أو يطلب منها عند انتهاء كل عرض بأن تقدّم باقة من الزهور للفرقة وسط التصفيق.
فرغم انتزاع المرأة اللبنانية بعضا من حقوقها السياسية عام 1952، وعلى رأسها حث الاقتراع، ورغم إبرام لبنان إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، فإن المشهد السياسي اللبناني لا يزال يتميّز اليوم:
- بتمثيل محدود للمرأة في المجلس النيابي، (3 نساء من أصل 128، ولا نجادل هنا في النوعية!) حيث لبنان في المرتبة 105 عالميا،
- وبغياب تام في مجلس الوزراء وفي السلطة التنفيذية، حيث التعيين يحتاج فقط إلى قرار سياسي،
- وبتهميش ملحوظ في الأحزاب السياسية، حيث وجدت،
- وبدور هو دون مؤهلات بعض النساء المميزات في إدارات الدولة.
والغريب في الأمر أن السبب في ذلك ليس فقط غرق لبنان في وحول عالمه النامي، إذ ثمة دول نامية خرجت فيها المرأة من مستنقعات الأفكار الموروثة ودخلت حلقة السياسة من بابها الواسع، فانتخبت وعينت في الوزارات وترأّستها أحيانا، كما في الهند وباكستان وتركيا. وفي دول أخرى استلمت المرأة دفة الحكم، كما في الفلبين وفنلندا وإيسلندا...
وفي حين أن المعدّل العالمي (وهو لا ينم بالضرورة عن عافية) يراوح بين 14 و15 في المئة، فقد قاربته تونس في انتخاباتها التشريعية الأخيرة حيث سجل تمثيل المرأة حوالي 12%. أما الدول السكاندينافية، فتتقدم العالم في تمثيل النساء حيث حوالي 40% من نوابهم من النساء، حتى أن بعض الأحزاب في الدانمارك قد اضطرت إلى إدخال الكوتا تعزيزا لمشاركة... الرجل أو حماية له!
هذه المعدّلات يحكمها كلّها قانون الإنتخاب!
وإذا كان ارتقاء أي نظام سياسي في اتجاه "ثقافة" المساواة المبنية على تكافؤ الفرص والمشاركة، يقوم أولا على وعي مجتمعي، إلاّ أنه يبقى أيضا رهنا باتجاهات التشريع وآليات تلك المشاركة. فإعلان النوايا، على أهميته وصدقه جدلا، إنما يبقى مجردا من أي معنى في غياب قرار سياسي يعتمد آليات محفّزة. وهذا ما يجعلني أقرّ، ولو على مضض، بضرورة الكوتا في مرحلة إنتقالية، رغم التحفظات الكثيرة حيالها ديموقراطيا ومبدئيا...
فقانون الانتخاب في لبنان يتميّز بجمود واضح في الآليات التي يلحظها، وهو قانون تقليدي للغاية ولا يساعد في إنتاج حالة إنتخابية (أو حتى ترشيحية) متطورة. وإن دعوة المرأة والشباب إلى المشاركة في الانتخابات، ترشيحا، تبقى مجرّد "رفع عتب" إن لم تقترن بآليات تشجّع على المشاركة. هذه بعضها:
1- قانون إنتخاب ثابت لا يتغير عشية الانتخابات، ودوائر انتخابية واضحة المعالم وغير "مفصلة" على القياس.
2- إستبعاد النظام الأكثري والميل إلى النظام النسبي الذي من شأنه تأمين تمثيل أصحّ.
3- تنظيم الإعلام والإعلان الانتخابيين ومسألة الإنفاق الانتخابي.
4- خفض سن الاقتراع إلى 18 سنة لاستقطاب الناخبين الشباب الذين قد يختارون وفقا لمعايير لا تغيّب المرأة.
أما موضوع الكوتا في قانون الانتخاب، فيتنازعه تياران، يلتقيان في الواقع عند هدفية الدعوة إلى فرضها، وإنما يختلفان حول الوسيلة، إذا يعتبر البعض أن الكوتا شر لا بد منه في مرحلة إنتقالية وأن المرأة لن تتمكن من دخول المجالس التمثيلية إلا من هذا الباب، فيما يعتبر رأي آخر أن في اعتماد الكوتا إقرار بقصور المرأة، إضافة إلى عدم ديموقراطية هذه الآلية وصعوبة التوفيق في لبنان بين الكوتا النسائية والكوتا الطائفية. في هذا السياق، يبرز خيار ثالث اعتمده الفرنسيون مؤخرا ويقضي باعتماد ما يمكن ترجمته بـ "المناصفة" أو parite على مستوى الترشيح. هذا التعديل الدستوري الذي استحدث في فرنسا عام 2000 ينص على عدم قبول أي لائحة مرشحين إذا كان الفرق بين عدد المرشحين من كل جنس يزيد عن واحد. مثلا: لا يمكن للائحة من 20 مرشحا أن تضم أكثر من 11 رجلا أو 11 إمرأة. لكن المشكلة في نظام "المناصفة" أنه غير قابل للتطبيق إلا في الانتخابات المبنية على اللوائح كما هو الحال في الانتخابات البلدية والمناطقية والأوروبية ومجلس الشيوخ. والطريف في الموضوع أن تكون بعض النساء الفرنسيات غير راضيات عن هذا النظام، حيث رأت فيه الرئيسة السابقة للتجمع من أجل الجمهورية ميشال -إليوت ماري، "نصا خبيثا وغير صالح".
إنها في لبنان مسألة خيارات تشريعية لا نراها آتية. والحق في ذلك على النساء أنفسهنّ، في تربية السياسيين الصغار وأصحاب القرار! وقد حان الوقت لكي ترتقي المرأة من هذا الدور إلى دور اتخاذ القرار.
عام 1950، كتب ميشال شيحا فقال: "إن مكان المرأة هو عادة في المنزل. ولكن مكانها هو أيضا حيث تتخذ القرارات كلها كلما كان مستقبل العائلة والأمة على المحك". وبعد خمسين عاما، وفي ذروة المحكّ، لا تزال كلمات شيحا معلّقة على حبل أفكار موروثة حان وقت غسلها...