"حركة التجدد" في اختبار المناقشة والديموقراطية، نخبويـة سياسيـة وحـوار لـم يكتمـل، انطلاقـة متجـددة والعبـرة في التوقيـت (صحيفة النهار
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
هيام القصيفي - صحيفة النهار
لا يمكن اي لبناني الا ان يعترف للمعارضة بأنها، في وقت من الاوقات وفي فترة حرجة من حياة لبنان، اشعلت الساحة السياسية حياة وضخت فيها حيوية لافتة، انعكست على مجمل الاتجاهات السياسية. صحيح ان بعض الحركات التي ولدت لمناكفة المعارضة انطفأت ويبدو الى غير رجعة، الا ان الحركات والتجمعات المعارضة التي اطلت بقوة على المشهد العام، تراجعت الى الوراء، قليلاً بحسب البعض وكثيراً بحسب البعض الآخر.
'حركة التجدد الديموقراطي' واحدة من القوى السياسية التي دخلت المعترك بقوة، مثلها مثل 'المنبر الديموقراطي' ولو باختلاف التجربتين. خاضت معارك ونقاشات سياسية واقتصادية، وخاصمت الحكم والحكومة. لكن بقدر ماكانت انطلاقتها قوية كان الجمود المسيطر على حركتها في الآونة الاخيرة لافتاً. لا يخرج انكفاء الحركة سياسياً واعلامياً بطبيعة الحال عن مسار تعيشه البلاد في شكل عام وخصوصاً قوى المعارضة، التي تعاني كلها الغياب الفاعل والمؤثر. لكن ثمة خصوصيات تتميز بها كل قوة سياسية. من هنا كانت الاطلالة على واقع الحركة.
ثمة مفارقات عدة تسجل في خانة الحركة، يتحدث عنها بعض من كان فيها، ومشاركون في التأسيس، ومنهم من لا يزال فيها، مفضلين الابتعاد عن الكلام العلني، (وهذه مفارقة في ذاتها، اذ يتحاشى البعض حتى من الذين تركوا نهائياً تسمية الاشياء بأسمائها) فالمناقشات بحسب اعضاء في الحركة جارية على قدم وساق، وتتناول كل الموضوعات والانتقادات التي تشمل عمل الحركة.
يسجل لها بداية وبحسب هؤلاء انها جمعت وجوهاً مشهوداً لها بالكف النظيف وبأخلاق سياسية عالية وبسمعة جيدة في الاوساط الشعبية التي تنتمي اليها. وكذلك تمكنت من ايجاد نواة فاعلة من الآتين من مشارب سياسية مختلفة. فقد دخلها يمينيون ويساريون ومحايدون ومسلمون ومسيحيون ليس من الباب الطائفي انما بحكم انتماءاتهم السياسية والنقابية والثقافية والاكاديمية.
ولم تكن ملتقى الطامحين الى مواقع معينة. فكل فرد فيها آت من موقعه الخاص المعروف والمتمكن منه، وليس في حاجة الى الحركة ككيان لتثبيت موقعه.
من الشكل الى الجوهر. فالحركة عززت بحسب هؤلاء، مبدأ الحوار الداخلي، وتمكن افرادها ولو انهم لم يأتوا بصفتهم مسلمين او مسيحيين، من تعميق فكرة هذا الحوار وعلى مفترقات مهمة من احداث سياسية محلية واقليمية ودولية. وقد تمكنت بفترة وجيزة نسبياً من اثبات وجودها كقوة حوار في مفاصل مهمة داخلية، ومن باب المعارضة، اضافة الى ان اهم انجازاتها يبقى في العمل التشريعي الذي انجزه نائبا الحركة نسيب لحود ومصباح الاحدب بالتعاون مع حقوقيي الحركة، وكوادرها الاساسية.
وفي المقابل، يسجل اعضاء في الحركة عليها انها بقيت نخبوية، لم تحقق الانتشار الذي كان يمكن ان يعمم التجربة التي يفتخر بها مؤسسو الحركة كالاحدب الذي يحدد الفكرة الاساسية للحركة 'بإقامة حوار غير طائفي في بلد ممزق طائفياً'. فعلى ما يقول اصحاب الملاحظات، ليس مطلوباً ان تكون الحركة جماهيرية، ولكن اهمية فكرة الحوار هي ان تدخل الى فئة اوسع على الاقل على مستوى بعض النقابات والاوساط الجامعية. واذا كانت الحركة لم تستثمر هذا الحوار الذي اقامته في فترة من الفترات بين فئات لبنانية ذات اتجاهات مختلفة، فإنه يسجل عليها انها انكفأت في فترة سياسية، كما غيرها من القوى المعارضة. ويسجل عليها ايضاً ان كوادرها لم تستثمر حيثيتها، كل في محيطه السياسي والشعبي، فبقيت الحركة في اطار بيروتي، لم يخرج الى كل المناطق.
يقول الاحدب: 'الفكرة الاساسية للحركة انها اطار مرن للحوار في بلد ممزق طائفياً ومساحة حوار مشتركة، للتواصل واتخاذ مواف موحدة وقرارات بعيدة كل البعد عن الطائفية. ورغم ان لكل من اعضائها خلفيته السياسية، الا انهم تمكنوا من اقامة تواصل مستمر وانجاز مساحة من الحوار والاعتدال عبر مواقف وسطية، لا تشكل تحدياً ضد احد، بل هي مواقف محددة من اجل خلاص البلد سياسياً واقتصادياً'.
لا شك في ان ثمة 'يساريين - تجدديين' اعترضوا في اثناء انتخابات المتن على تحالف الحركة مع الرئيس امين الجميل، رغم ان الحركة ككل افادت من انتخابات المتن وما تبعها من لقاءات على مستوى القوى السياسية كالنائب وليد جنبلاط و'المنبر' وغيرهما. واعترضوا كذلك مع غيرهم من الشخصيات الاسلامية على تمثيل الحركة في 'قرنة شهوان'. اما الرد من جانب الحركة فهو ان رئيسها اقام التحالف الانتخابي مع الجميل، كونه نائباً متنياً، ولم يخض الانتخابات باسم الحركة. اما عن القرنة فالحركة اوضحت مراراً ان اعضاء التجدد يشاركون فيها بصفتهم الشخصية وليس كممثلين للحركة.
في المقابل، فإن ابتعاد جو باحوط عنها اخيراً (احد مؤسسيها، حتى ان ثمة من ينسب اليه انه صاحب فكرتها) ترك اسئلة عما هو ابعد من السبب المدلى به، والذي يقول الاحدب انه 'سوء تفاهم اداري لم يحل في حينه، وان باحوط صاحب افكار سياسية وثقافية جيدة وعلاقته مع لحود ومع الجميع قديمة ومستمرة، وكان ناشطاً جداً'.
لا شك في ان صورة الحركة تميل نحو الايجابية في اذهان الناس، رغم نخبويتها، لكن السؤال البديهي: ما نفع الحوار اذا ظل مقتصراً على فئة مختصرة من الذين يؤمنون اصلاً بمبدأه؟ وكيف يمكن اي حركة سياسية ان تستمر فاعلة من دون نقاش حقيقي والاهم ديموقراطي حول تجربتها؟
التوقيت المناسب
يدافع الاحدب بقوة عن كل ما تتعرض له الحركة، رافضاً تكبير المشكلة. وبالنسبة اليه، 'لا اخطاء كبيرة انما انتقادات توجه اليها، من باب المحبة والغيرة عليها والرغبة الدائمة في القيام بعمل مثالي. لكن الحياة السياسية تتطلب باعاً طويلاً. نحن نقوم دورياً باعادة النظر داخل الحركة، وهم يظلمونها اذا تعاملوا معها على ان لها تاريخاً طويلاً. في النتيجة عمرها يقارب العامين، وما تحقق حتى الآن من فرض صدقية معينة، هو مقدمة جيدة للوصول الى النتائج المرجوة'.
ابرز هذه الانتقادات وعلى لسان اعضاء فيها ان الحركة 'لم تخرج من احادية النائب نسيب لحود، وارتباطها بشخصه، واذا خف هذا الارتباط، فإن ما يحل محله ثنائية مارونية متنية وطرابلسية سنية (الاحدب). لكن بقدر ما يمكن هذا الامر ان يعطي صورة فضلى للحركة فإن الطرفين لم يستطيعا ان يستثمرا موقعهما لتعميم التجربة. فهل يكفي وجود رموز في الحركة كي تكون ناجحة؟ ولماذا لم تتوسع الحركة في اتجاه فئات اخرى كالجامعات مثلاً كي يكون للحوار مغزى اكبر؟
يقول الاحدب: 'اولاً كل الاحزاب في العالم لم تخرج من اطار رموز محددة فيها. فإذا كان لنسيب لحود اطلالة سياسية واعلامية جيدة فهذا لا يمكن ان يزعل احداً، واذا كان لمصبح الاحدب دور بارز فهذا يغني الحركة. اما القول بتفرد ما فهذا امر خاطئ لاننا جميعاً متساوون، وكل مواقع الاعضاء مهمة، منهم من هو نائب اليوم ومنهم من سيكون نائباً او وزيراً غداً. ثانياً، لقد اتخذنا قراراً بإبقاء الوضع على ما هو لناحية توسيع الحركة. ليس المطلوب القيام بحملة تعبئة شعبية، ونحن نعرف وضع البلد امنياً والعمل الامني داخل المؤسسات السياسية، فلا نريد فتح الباب امام الجميع والدخول في مشاكل وعراقيل ونزاعات داخلية تلهينا عن عملنا الاساسي. في اي حال فإن انتقال العدد من خمسين الى مئة او من خمسين الى الف وخمسمئة، فالعملية مرحلية وتدريجية. الآن ليس التوقيت المناسب لمثل هذه العملية، والتوسيع ليس الاولوية حالياً. هدفنا لم يكن يوماً الجماهيرية، والا فإن كل واحد منا، نائباً حالياً او سابقاً او نقابياً، يستطع جذب المئات والآلاف. لكن فكرتنا هي المحافظة على فكرة الحوار ضمن كوادر قادرة على التواصل والمناقشة من اجل وضع حلول عملية. اما اذا كانت القصة عرض عضلات فنحن نعرف متى واين نفعل ذلك'.
الى اي مدى نجحت تجربة التجدد كحركة سياسية، والى اي مدى تمكنت من خرق المحظورات السياسية والطائفية في البلد؟ يجيب: 'بكل اقتناع اختبار الحركة ايجابي جداً لان طروحاتها ايجابية وتصب في مصلحة الوطن. وحين ينزل لحود الى تظاهرة تضامنية مع الشعب الفلسطيني، وحين اطالب بتصحيح العلاقة اللبنانية - السورية، فأعتقد اننا لا نزعج المسيحيين ولا المسلمين. من مصلحة المسيحيين والمسلمين الا تفرز الامور والقضايا على هذا النحو الحاد بين مسلمين ومسيحيين وهذا ما نحاول القيام به'.
جمود وانطلاقة متجددة
قد يكون اهم ما تستطيع الحركة ان تتباهى به هو تصدّيها للازمة الاقتصادية منادية باقتراحات محددة لها'، ولكن حينها واجهتنا معارضة حادة، واذ بنا نفاجأ بأن اهل الحكم صاروا يقولون خطابنا نفسه، ويعملون باقتراحاتنا، علماً اننا قدمناها لمصلحة البلد اولاً وآخر وليس من باب المزايدة'.
واذا كانت الحركة تمكنت من فتح باب المناقشة الاقتصادية على مستوى الخبراء، فإنها في المقابل تعيش حالاً من الجمود السياسي. وفي تقويم لأحد اعضائها ان 'سبب التعثر لا يعود اليها بل الى التوقيت الذي نشأت فيه والذي تزامن مع الانحدار الواسع على مستوى البلد ككل، والسيطرة السلطوية على قطاعات حيوية فيه كالاتحاد العمالي العام، والمحاولات المتكررة لالغاء الحياة السياسية. اما النقطة الثانية فهي ان خطابها المعتدل غير رابح على صعيد الجماعات الطائفية التي يتكون منها البلد، في حين ان الخطاب الغريزي والطائفي قادر على الاستقطاب اكثر'.
اما الاحدب فيعزو الامر الى ان 'الحركة غير معنية حالياً بما يدور في البلد من نزاع بين فريقين يظل رهناً بالاستحقاقات المقبلة، فنحن لسنا طرفاً مع فريق ضد آخر. لذلك نختار توقيت الكلام والتحرك، وحالياً نحضّر لتحرك جديد ومواقف مهمة تضع الامور في نصابها'.