من يتحمل مسؤولية غياب الحياة السياسية (صحيفة النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
عندما يلتقي أهل الحكم مع المعارضة ولو... في الشكوى
من يتحمل مسؤولية غياب الحياة السياسية؟
صحيفة النهار - سمير منصور
كان من غرائب المصادفات ان التقى مرجعان، حالي وسابق، على الشكوى من غياب الحياة السياسية في لبنان، كل على طريقته وانطلاقا من موقعه ووجهة نظره. الاول في موقع المسؤولية والآخر في المعارضة، وندر ان التقيا على موقف سياسي واحد، واذا حصل كما هي الحال في موضوع 'الشكوى' فإنهما يختلفان في التشخيص. الاول صائم عن الكلام الا في العموميات والمناسبات الاجتماعية لاعتبارات شخصية وحسابات خاصة وتجنبا لـ'مشكل' من موقع الحرص على استمرار اجواء الهدنة السياسية بين اهل الحكم وفي مجلس الوزراء، والآخر يرى ان غياب الديموقراطية يؤدي حكما الى غياب الحياة السياسية. واذا سئل عن المعارضة التي 'غيّبت' نفسها وساهمت في غياب الحياة السياسية يجيب على الفور: ان غياب المعارضة هو اكبر دليل على غياب الديموقراطية، متسائلا عن معنى الديموقراطية ومجيبا في الوقت نفسه: انها سجال مستمر بين الحكم والمعارضة سعيا الى واقع افضل في كل المجالات.
هكذا تبدو الحياة السياسية في حلقة مفرغة والكل يشكو من غيابها. بيد ان المعارضة التي تبدو غائبة تماما، بمعنى المعارضة الوطنية التي يجمعها برنامج عمل واحد سياسي واجتماعي واقتصادي، تتحمل مسؤولية تغييب نفسها على الاقل، وتساهم من حيث تدري او لا تدري في غياب الحياة السياسية وبعض تجليات آلية الديموقراطية في العمل السياسي بين معارضة وحكومة. اما بعض المعارضة، فهو في الواقع مجموعة معارضات تطل بين فترة واخرى عبر بيان او تصريح سياسي يتناول مسألة محددة او قضية عامة وينتهي مفعوله في اليوم التالي عند صدور الطبعة الجديدة من الصحف... وتبقى المعارضة الفعلية غائبة تماما، فمن يتحمل مسؤولية هذا الغياب؟
'كلنا مسؤولون'، يجيب معارض بارز، مفندا واقع المعارضة بين طائفية او مستجدة او خجولة او غائبة تماما. اما المعارضة الطائفية فهي تلك التي تنسب الى هذه الطائفة او تلك، كأن يقال 'المعارضة المسيحية'، في اشارة الى 'لقاء قرنة شهوان' او 'المعارضة المسلمة' في اشارة الى اي حزب او لقاء اعضاؤه فقط من المسلمين كما كان واقع 'شبيه' القرنة، 'لقاء خلية حمد' الذي غاب بسرعة قياسية بعدما لعب دورا كان مطلوبا، واثبت حضورا محدودا جدا، كان بمثابة رسالة الى من يهمه الامر مفادها ان لقاء اعضاؤه فقط من المسيحيين سيؤدي الى آخر مماثل اعضاؤه فقط من المسلمين. وتصنف في خانة التجمعات الطائفية كل الاحزاب واللقاءات والجمعيات والحركات التي تعتمد الطائفية واحيانا المذهبية معيارا في تكوينها! اما المعارضة المستجدة، فهي التي تظهر وتغيب موسميا وبشكل مفاجئ كما حصل مع 'قرنة' خلية حمد، او كما حصل مع محاولة اخرى كانت اشد ذكاء، وهي 'اللقاء التشاوري' الذي ضم غالبية النواب المسيحيين من كل المذاهب، وقد استطاع بالفعل الحد من اندفاع 'قرنة شهوان'. هذا اللقاء اثبت حضورا لأنه لم يأت من 'الطرف الآخر' بل انه من اهل البيت، من هنا كانت فاعليته. غاب 'التشاوري' وانحسر نسبيا لقاء 'القرنة' واستمرت ولو بخجل معارضات 'بالمفرق' في صدارتها النائب نسيب لحود الذي حافظ على زملاء له مثل بطرس حرب ونائلة معوض وربما آخرين في 'قرنة شهوان' على هامش شخصي في المعارضة، شكل ما يشبه الاستقلالية عن 'القرنة' في مواقف كثيرة، فلحود يترأس حركة علمانية هي 'التجدد الديموقراطي' ولحرب ومعوض 'امتدادات' تصل الى مشروع جبهة معارضة مع الرئيسين حسين الحسيني وعمر كرامي، الحديث عنها يطول... اما معارضة الحسيني وكرامي ومعهما الرئيس سليم الحص، فتتخذ منحى خاصا، بتركيزها على الرئيس الحريري شخصيا في معظم الحالات، مع تحييد حكومته احيانا، وتجنب اي موقف معارض قد يصيب الرئيس لحود. الحص لا ينكر هذا الواقع لافتا الى ان رئيس الحكومة هو المسؤول دستوريا، من هنا التركيز عليه في المعارضة. واذا قيل له ان رئيس الجمهورية يلعب دورا اساسيا في صنع القرار ويواظب على حضور جلسات مجلس الوزراء، يذكّر بأن الحريري عندما شن عليه حربا لا هوادة فيها، كان يستهدفه محيّدا رئيس الجمهورية. اما عن الدستور والتزام احكامه، فحديث آخر، يطول ايضا.
ولئن كانت معارضة الحسيني - كرامي - الحص، تصنف ضمن المعارضات الخجولة ايضا، يسجل للثلاثة معا، رفضهم اعلان اي لقاء سياسي معارض اعضاؤه من لون طائفي واحد، وكانت لهم جميعا محاولات كثيرة لتشكيل لقاء طابعه وطني لا طائفي، كانت تصطدم بعقبات غالبا ما اتخذت الطابع الشخصي. وآخر هذه المحاولات كان عبر مسعى لا يزال مستمرا لقيام لقاء يضمهم الى النواب حرب ومعوض وبيار حلو وقد اكد الحص تكرارا انه لن يكون في عداد اعضائه لأنهم جميعا من النواب 'وانا بهذا المعنى غير معني باللقاء'. لا يبدو هذا السبب وحده مقنعا، بل ان ثمة اعتبارات اخرى للحص يورد بعضها اذا دخل في التفاصيل. فحرب ومعوض عضوان في 'لقاء قرنة شهوان'، وماذا اذا اتخذ اللقاء 'الموعود' موقفا مناقضا لآخر ورد في بيان لـ'القرنة' افلا يبدوان في موقع حرج؟ يشعر الحص، ومعه الحسيني وكرامي، انهم خسروا كثيرين من 'الرفاق' الذين اصبحوا في 'قرنة شهوان' واولهم نسيب لحود...
وحتى اللقاءات العابرة التي تهدف الى اعلان موقف من قضية محددة، تصطدم بعقبات غالبا ما يكون طابعها شخصيا واحيانا مبدئيا. ذات يوم اعترض نجاح واكيم، الحاضر دائما في كل مشروع لقاء وطني لكرامي او الحص، والمعارض الشرس للحريري بشكل خاص، اعترض على 'مشروع' لقاء دعا اليه الحص يكون فيه 'المنبر الديموقراطي' لأسباب لم يُكشف عنها. وذات يوم اعترض نسيب لحود على عدم دعوة 'قرنة شهوان' الى لقاء آخر يضم ممثلين عن بعض التجمعات واللقاءات السياسية، وامتنع عن تلبية الدعوة احتجاجا. ثمة وجه آخر لغياب المعارضة، بل لغياب الحياة السياسية، ويتمثل بضعف الحياة الحزبية، ومن الاحزاب العريقة العقائدية اللاطائفية من دخل 'جنة' الحكم ولم يعد معنيا بالمعارضة انسجاما مع نفسه، فقد اصبح جزءا من السلطة وطبيعي ان لا يعارضها، ومثل هذا الضعف لا يُحل ببيان من حين الى آخر يرضي طموحات 'الجماهير'. في الانظمة الديموقراطية حقا، حزبان رئيسيان، حاكم ومعارض، وكل حزب منهما يشكل ائتلافا يضم احزابا اخرى يجمعها برنامج عمل وتوجهات متقاربة. اين الائتلافات الطائفية والمذهبية من ائتلاف يضم كل الطوائف والمذاهب، ولكن ضمن برنامج لا تدخل فيه نوعية الصلوات وعلاقة الانسان بربه!
وسط هذه الاجواء ومع التلاقي في الشكوى من 'غياب الحياة السياسية' ستبقى المعارضة 'بالمفرق' محدودة التأثير والفاعلية، وستستمر الشكوى في الحكم والمعارضة على حد سواء، وكل ذلك في موازاة مبادرات من شأنها ملء بعض الفراغ واغناء النقاش حول الاستحقاقات المقبلة وقانون الانتخاب جزء لا يتجزأ منها. آخر المبادرات، بعد نواب 'التكتل الطرابلسي' محمد الصفدي وموريس فاضل ومحمد كبارة، مشروع 'ندوة العمل الوطني' لقانون جديد للانتخاب يعلن عنه رئيسها الحص في مؤتمر صحافي قبل ظهر الجمعة، اساسه المحافظة مع اعتماد النسبية.