كلمة رئيس حركة التجدد الديموقراطي النائب نسيب لحودفي جلسة مناقشة البيان الوزاري للحكومة
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
دولة الرئيس،
نأتي اليوم لمناقشة حكومة جديدة حائرة في امرها، حائرة في توصيف جديدها، حائرة في توصيف علة وجودها. حتى لو لم تجد هذه الحكومة توصيفا دقيقا لنفسها، وحتى لو عجزت عن قول كلام جديد للبنانيين، من داخل البيان الوزاري او من خارجه، فنحن سنصارحها ونقول لها ماذا تمثل بالفعل في نظر اللبنانيين.
اولا- هذه حكومة بدأت تأكل لحمها بيدها، ساعات بعد تشكيلها.
ثانيا- هذه حكومة غياب المشروع وغياب الرؤية، حكومة الفراغ وتعميق الازمة، في زمن التحولات والتحديات الكبرى.
ثالثا- وبكل اسف، هذه الحكومة هي عصارة عشر سنوات من معاناة اللبنانيين.
هذه الحكومة تلخص وتكرس عقدا كاملا من الفرص الضائعة نتيجة الاصرار على نهج اتسم، ويتسم، اولا باختطاف اتفاق الطائف، الاتفاق التاريخي الذي انهى الحرب بين اللبنانيين، وبافراغ هذا الاتفاق من مضمونه والتلطي بصورته فقط في محاولة اكتساب الشرعية.
انه نهج اتسم ويتسم ايضا باختزال المصالحة الوطنية الشاملة، الضرورية لطي صفحة الحرب وازالة خطوط التماس العقيمة من العقول والاذهان والنفوس، بعد الطرقات والمواقع المتاريس.
هذه حكومة تلخص وتكرس نهجا متواصلا اتسم ويتسم كذلك، بتهميش المواطنين وتغييبهم عن شؤونهم وقضاياهم، ومصادرة اراداتهم وحرياتهم وتحويلهم الى رعايا مغلوبة على امرها، ورهائن تستجدي حقوقها البديهية والخدمات.
هذه الحكومة وريثة نهج اهمل القطاعات الانتاجية ولم يكترث بالعدالة الضريبية ولم يتمكن من تحسين الاحوال المعيشية للبنانيين.
هذه الحكومة هي امتداد لتاريخ طويل من المحاصصة، وتقاسم الادارات والاجهزة والمغانم والمكاسب، والتصرف بمؤسسات الدولة واموالها كأنها ملك شخصي او ارث عائلي.
اخيرا وليس آخرا يا دولة الرئيس، هذه الحكومة هي وليدة نظرة ضيقة للعلاقات اللبنانية السورية ما زالت قليلة الثقة بالعديد من اللبنانيين.
ماذا كانت، ايها الزملاء، حصيلة هذا النهج خلال السنوات العشر الماضية؟
لولا توقف المدفع وعودة الامن نسبيا، ولولا عودة بعض الخدمات، ولولا علامات مضيئة نادرة كتحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي، لتساءل المرء عن جدوى هذا العقد الضائع من عمر اللبنانيين. فالنتيجة المخزية والمؤلمة للعشر سنوات الاخيرة، هي التالية:
اولا- تفويت فرصة بناء الدولة والادارة العامة، والاكتفاء بشبه دولة منخورة بالزبائنية والفساد والمحاصصة.
ثانيا- تقليص الديموقراطية وتشويه الانتخابات وتعطيل المساءلة للهروب من المحاسبة.
ثالثا- الاعتداء على الحريات العامة والشخصية، وتدجين وسائل الاعلام واقفالها، كما حصل مؤخرا مع ال'ام.تي.في'، ومطاردة المواطنين بسبب آرائهم وتلفيق التهم الكاذبة بحقهم.
رابعا- تقلص الاقتصاد وقطاعات الانتاج وتراجع النمو وتفاقم البطالة والهجرة.
خامسا- تقلص الطبقة الوسطى، واتساع الهوة بين قلة من الاغنياء وكثرة من الفقراء.
هذه حكومة تجسد كل ذلك دفعة واحدة، لانها وليدة نفس السياسة ونفس المنهج في حكم لبنان وادارته، في السنوات العشرة الاخيرة، الامر الذي يدفعنا اليوم الى التساؤل الصريح والصادق:
هل ادى هذا النهج المعتمد لادارة لبنان، منذ عشر سنوات، نفعا حقيقيا لسورية؟
الم يكن هناك من امكانية لنهج بديل اكثر مردودا للبلدين، واقل كلفة للبلدين، نهج يكفل المصالح الاستراتيجية لسورية في لبنان من دون وقف تطوره الديموقراطي؟
الم يكن ممكنا ارساء اخوة لبنانية-سورية صادقة يريدها اللبنانيون من اعماق قلوبهم وبناء شراكة بين البلدين لا تغرم ايا منهما؟
اليس لبنان المعافى المتصالح مع نفسه، لبنان، كل لبنان، المتحالف مع سورية، كل سورية، اليس هذا اللبنان، في الظروف الطبيعية كما في الملمات، اكثر فائدة لسورية من لبنان الحالي؟
دولة الرئيس،
اجتهد الكثيرون في توصيف هذه الحكومة واصلها وفصلها وحسبها ونسبها. البعض قال انها سورية المنشأ، والبعض الآخر لبنانية مئة في المئة، والبعض الثالث 'نصف نصف'. مهما يكن من اصل هذه الحكومة ايها الزملاء -- وكلنا يعلم كيف تشكل الحكومات في لبنان منذ انتهاء الحرب-- في نظرنا ثمة حقيقة لا يمكن اخفاؤها هذه المرة، هي ان الضرر من هذا النهج السياسي المتبع لحكم لبنان وادارته لم يعد يقتصر على لبنان وحده، بل اصبح يطال سورية. عندما نقول ذلك، نكون نكرر قناعتنا الراسخة ان هذا النهج لم يكن مفيدا في العمق لا للبنان ولا لسورية. من هنا دعوتنا الصادقة ومنذ سنوات الى الاصلاح الداخلي الشامل والى تصحيح العلاقات اللبنانية السورية بما يكفل التوفيق الدائم بين استقلال وسيادة لبنان من جهة والشراكة الاستراتيجية بين البلدين من جهة ثانية.
دولة الرئيس،
ان الحرب التي جرت على ابوابنا في الاسابيع الاخيرة، والتي ادخلت المنطقة العربية كلها، ومن ضمنها لبنان وسورية، في حقبة جديدة، كانت تلوح مخاطرها وتحدياتها في بذورها ومقدماتها، اي قبل وقوعها باشهر عدة.
لذلك وقفنا، ومنذ اكثر من سنة، ضد هذه الحرب، ولاسباب عدة. وقفنا ضد الحرب الاميركية على العراق لأنها خرق للشرعية الدولية وخرق لسيادة دولة عربية شقيقة ومستقلة. فمن يطالب بالسيادة لنفسه ولبلاده لا يسعه ان يتغاضى عن خرق سيادة الآخرين ولا استقلالهم.
وقفنا ضد هذه الحرب نعم، لكن هذا لا يعني اننا كنا نؤيد الحكم الاستبدادي المروع الذي كان قائما في العراق. فمن يطالب بالحرية وبالديموقراطية لشعبه ولبلاده، لا يسعه ان يتغاضى عن الدكتاتورية اينما وجدت ولا عن سلب الحرية والكرامة لأي شعب كان. لكن، وبمقدار تعلقنا بالديموقراطية واصرارنا على تعزيزها وتطويرها في بلادنا، نؤكد ان الديموقراطية ليست سلعة للتصدير او للاستيراد، فالديموقراطية لا تنبت الا في ارض تنعم بالسيادة. كذلك، السيادة لا تتعزز ولا تستديم الا في بلاد اهلها احرار ومتساوون ومتضامنون وممسكون بزمام مصيرهم.
ايها الزملاء،
بدأت الحرب بالسيطرة على العراق. بعد العراق، تتواصل الحرب في مواقع اخرى انما باشكال اخرى، ديبلوماسية واقل ديبلوماسية. ومن هذه الاشكال التهديدات والضغوط على سورية، صعودا وهبوطا، وبوتيرة شبه يومية، وليس في الملف العراقي فحسب، بل لحمل سورية على تقديم التنازلات في ملف الصراع العربي-الاسرائيلي.
اننا في حركة التجدد الديموقراطي نؤكد من جديد تضامننا مع سورية في وجه هذه التهديدات،
ونؤكد كذلك تمسكنا بالخيارات العربية القائمة على الحل العادل والشامل للصراع مع اسرائيل، الذي يتضمن الانسحاب من كامل الاراضي العربية المحتلة واقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس. ان هذه الخيارات العربية المتعلقة بادارة الصراع مع اسرائيل هي ايها الزملاء حجر الزاوية لأي علاقة تشاركية بين لبنان وسورية.
وتترافق هذه الضغوط الاميركية مع احياء مشروع قانون محاسبة سورية وسحبه مجددا من ادراج الكونغرس مع التشديد على ابعاده اللبنانية. اننا في حركة التجدد الديموقراطي نكرر رفضنا لهذا المشروع ولكل محاولات استخدام المطالب اللبنانية العادلة بالاستقلال والسيادة، من قبل بعض الاوساط الاميركية، كورقة ابتزاز او مبادلة بين الولايات المتحدة وسورية.
لا شك لدينا ولا تردد ان تصحيح العلاقات اللبنانية-السورية هو شأن ملح لا يجب اهماله، انما لا شك لدينا كذلك ان هذا شأن يجب معالجته وفق اتفاق الطائف، نصا وروحا.
باختصار يا دولة الرئيس، نحن نريد كل السيادة وكل الاستقلال لبلدنا لبنان، ونريد كل التضامن وكل الشراكة مع شقيقتنا سورية. نريد تصحيحا للعلاقات يقيم نمطا جديدا بين الدولتين اكثر وثوقا واكثر ثقة واكثر استدامة واكثر قدرة على مواجهة التحديات والتحولات. ونريد نمطا جديدا للادارة السياسية للبنان اكثر استقلالا واكثر ديموقراطية. وكل تقدم تحرزه الحكومة على هذه الدرب، سنقابله بتقدم في درجة ثقتنا بها. بانتظار ذلك، لا يسعنا سوى حجب الثقة عن هذه الحكومة.
وشكرا.