كلمة النائب نسيب لحود في جلسة مناقشة موازنة 2002
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
دولة الرئيس، ايها الزملاء،
اما الآن، وقد تمت القسمة بالتمام والكمال، واضاف كل الى حصته قطعة جديدة من جسم الدولة، وخرجت الترويكا من الامتحان العسير راضية حتى اشعار آخر، اما الآن وقد تمت محاصصة آخر وظيفة في آخر ركن من اركان الجمهورية، اما الآن وقد عادت مياه الود الى مجاري اهل السلطة، وبانتظار خلاف جديد، ومن ثم صفقة جديدة، بات بامكاننا مخاطبتهم كأنهم جسم واحد، شركاء كاملون، بالتكافل والتضامن، ليس في المحاصصة فحسب، بل في الرؤية والقرار والتصميم والتنفيذ والمسؤولية، شركاء كاملون في قيادة عربة البلاد. فالى اين يقودون تلك العربة؟ وما هو مصيرها؟ واي طرقات متعرجة يسلكون؟
دولة الرئيس، ايها الزملاء، العام الماضي، اعلن بصورة احتفالية عن تخفيض الرسوم الجمركية، وقيل لا زيادة في الضرائب بعد اليوم لأن ذلك يحد من النمو الاقتصادي، وان الرهان هو على النمو لتوسيع قاعدة الجباية. كانت الموضة حينها للنمو وتشجيع الاستهلاك. اما اليوم، فأمامنا رسوم جديدة وضريبة جديدة، حصيلتها اضعاف ما الغي من رسوم قديمة، فيما خفت الحديث عن النمو، وغاب تماما عن الآثار الانكماشية للزيادة الضريبية.
لا نطرح الموضوع على المستوى التقني ايها الزملاء، اذ لا شك ان الضريبة على القيمة المضافة هي اكثر تطورا وحداثة من الرسوم الجمركية، وكان لا بد من اقرارها عاجلا ام آجلا. لكن كان لا بد من اقرارها كبديل كامل عن الرسوم الجمركية وليس بالتراكم فوقها. ايها الزملاء، ليس هنا الموضوع، بل على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. فخلال سنة واحدة، اي بين 2001 و2002، سيشهد لبنان قفزة في زيادة الضرائب لم يشهدها في تاريخه. سترتفع العائدات الضريبية، دفعة واحدة، من 2960 مليار الى 4098 مليار ليرة، اي بنسبة تزيد عن ال 38 % في سنة واحدة. هذا يعني ايها الزملاء، ان العبء الضريبي على الاقتصاد والمجتمع سيرتفع دفعة واحدة من اقل من 12% من الناتج المحلي الاجمالي الى 16 % من هذا الناتج. قد لا يكون مبدأ زيادة الضرائب بحد ذاته امرا سيئا اذا تم ذلك من ضمن خطة متدرجة تحمل معايير اقتصادية واجتماعية متوازنة، ونحن ندعو منذ سنوات الى اصلاح النظام الضريبي في لبنان. لكن، في ظل هذه القفزة الضريبية الكبيرة، ثمة اسئلة تفرض نفسها وهي:
اولا- ما هي الآثار الاقتصادية لهذه الزيادة الضريبية الهائلة؟ ولماذا يغيب فجأة، وفي اقل من سنة، الحديث عن العلاقة السلبية بين الضرائب والنمو، ناهيك عن الآثار الانكماشية للضريبة؟ لماذا يئن التجار من الضريبة على القيمة المضافة ويطالبون بتأجيلها؟ على الرغم من انه في المحصلة ليس هم من يدفعونها، بل هم مجرد وسيط في تحصيلها؟ كم هي المؤسسات الصناعية والتجارية التي اقفلت خلال العام الماضي او توقفت عن الدفع او صرفت عمالها او قلصت عددهم؟
ثانيا- ما هي الآثار الاجتماعية لهذه القفزة الضريبية الكبيرة؟ من سيتحمل هذه الضرائب الجديدة؟ وعلى كاهل اي فئات اجتماعية سيقع عبؤها الاكبر؟ كيف ستؤثر على توزيع الدخل، المختل اصلا، بين الفئات والطبقات؟
ايها الزملاء، بين زيادة الرسوم على البنزين والمحروقات، والضريبة على القيمة المضافة، وضرائب اخرى يحفل بها الجدول رقم 9، ستجبي الخزينة هذا العام، 1138 مليار ليرة اضافية عن العام الذي مضى، اي بمعدل 400 الف ليرة اضافية من كل مواطن لبناني، ليصبح متوسط ما يدفعه كل مواطن لبناني من ضرائب للدولة سنويا حوالى مليون و900 الف ليرة. انا اتحدث هنا عن الضرائب فقط، وليس عن الرسوم، اي مليون و900 الف ليرة ما عدا رسوم التلفون والماء والكهرباء وغيرها. نعم ايها الزملاء، 1138 مليار ليرة اضافية ستخرج غالبيتها العظمى من جيوب الطبقة الوسطى والفئات الشعبية التي تئن اصلا تحت وطأة الفقر والافقار والبطالة وتقلص الخدمات وتراجع مستواها.
ولا تجدي محاولات التسويق التي تركز على ان السلع الغذائية والطبية وسلع وخدمات اخرى معفية من الضريبة على القيمة المضافة كي نقتنع ان هذه ضريبة ذات وقع اجتماعي عادل. ففي المحصلة هذه ضريبة غير مباشرة، والمعروف من كل التجارب العالمية ان الضرائب غير المباشرة تفاقم التفاوت الاجتماعي. ان ادعاء العكس يجب ان يستند الى دراسات علمية منهجية لقياس الوقع الاجتماعي لهذه الضريبة واثرها على توزع الدخل. اين هي تلك الدراسات ونتائجها؟
ايها الزملاء، ان دل هذا الامر على شيء، فعلى غياب الشفافية في الاستراتيجية الضريبية، وذلك تجنبا لتقديم الحساب حول المفاعيل الاقتصادية لهذه الضرائب، ووقعها على المؤسسات وحركة الاستثمار، من ناحية، وآثارها الاجتماعية على واقع حياة الناس، وموازنة الاسرة اللبنانية وعدالة توزع الدخل بين اللبنانيين، من ناحية ثانية. انها تجارب ضريبية وقفزات في الهواء لا يأبهون بوقعها الاقتصادي ولا بوقعها الاجتماعي، وهمها الوحيد الجباية وزيادة الايرادات.
في المقابل، اين تذهب ايرادات الخزينة ومن ضمنها هذه الزيادات التي لا تنتهي؟ فمن حق المواطن ان يعرف كيف تنفق الاموال التي جبيت منه وحرم منها هو واطفاله، سواء تلك التي تمول الدولة او تلك التي تمول خدمة الدين. من حق المواطن ان يسأل عن طبيعة الدولة ونوعية الادارة، وتقاعس المؤسسات وتجاوزات الاجهزة، الممولة كلها من جيبه وعرق جبينه. من حقه ان يطالبها بافضل خدمة مقابل اقل كلفة ممكنة. من بديهيات حقه ان يحصل، ومن دون تمنين، على الماء والكهرباء التي دفع من جيبه ثمن تأهيلها مرات مضاعفة، والتي ما زالت اليوم اسيرة الفساد والفوضى. من حقه ان يرفض ان تتحول الدولة والادارة الى حقل لتقاسم النفوذ بين المسؤولين، باهظ الكلفة وعديم الجدوى. وعبثا يلبسون تعييناتهم اقنعة الكفاءة والشهادات العلمية، والبعض القليل ممن عين مؤخرا لا شك انه كفؤ ونزيه، انما المعيار الاول في صفقة التعيينات الاخيرة فهو مدى ارتفاع درجة المحسوبية والطاعة والاستزلام، او حتى درجة القربى، وذلك مهما تدنت درجة الوقار والجدية والسلوك المسؤول. والقاعدة الاهم تبقى الطاعة والولاء للشخص وليس للدولة. اما السؤال الاهم فهو: كم هي الكلفة الاقتصادية لهذا العبث بشؤون الدولة، المستمر منذ سنوات، والمتفاقم اليوم؟ وعلى عاتق من تقع هذه الكلفة؟
ايها الزملاء، من حق المواطن ان يطالب الاجهزة بالامن والحماية. من حق المواطن ان يرفض استخدام امواله لقمع الحريات، وتصفية الحسابات مع المعارضة، وضرب المتظاهرين وكم الافواه، والتضييق على الاعلام والصحافة، ومداهمة المراكز التجارية ومصادرة موجوداتها بحجج واهية لم تعد تقنع احدا. من حق المواطن ان يعرف مصير الدين العام الهائل الذي يرزح فوق صدره والمقيد عليه الى حين تسديده والممول كله من جيبه ومن عرق جبينه. من حقه ان يعرف كم بعد ستطول محنة الدين العام. من حق المواطن ان يعرف ان لا الحكومة ولا ايا من اطراف السلطة يعرف متى سيبدأ الدين العام بالانخفاض. نعم ايها الزملاء، من حق المواطن ان يعرف ان هذا الدين سيزيد على الاقل ثلاثة مليارات دولار اضافية خلال العام الحالي، ليناهز ال30 مليار دولار، حتى ولو بيع بعض مرافق الدولة الى القطاع الخاص، ليس لأننا ضد الخصخصة، ونحن بالمناسبة لسنا لا مع ولا ضد الخصخصة في المطلق، بل لأن ظروف الاسواق الدولية هي الاسوأ اليوم، ولن نحصل من الخصخصة اليوم سوى على ابخس الاثمان. نعم ايها الزملاء، من حق المواطن ان يعرف ان الدين العام سيناهز ال 30 مليار دولار هذا العام، او اقل قليلا او اكثر قليلا، لا فرق، سواء بيعت مرافق الدولة ام لم تبع، سواء استخدمت عائداتها كواردات عادية للخزينة ام لاطفاء اصول الدين.
من حق المواطن ان يعرف ان البنك المركزي قد باع خلال السنة الماضية اربعة مليارات دولار لمواجهة الضغوط على سوق القطع، وان الاستدانة بالعملات الاجنبية لا تهدف الى اعادة هيكلة الدين كما يدعون بل الى تعزيز احتياطي مصرف لبنان بالعملات الاجنبية، بعدما بات متعذرا فعل ذلك عن طريق سوق القطع وحدها، وان مصرف لبنان بات يواجه منذ نهاية الصيف الماضي صعوبات كبيرة في تسويق سندات اليوروبوند لدى المصارف رغم الفوائد العالية التي يعرضها، وانه اضطر الى فرض احتياطي الزامي على الودائع بالعملات الاجنبية لتعزيز موجوداته بالدولار. هذا هو بصراحة المشهد الراهن للأوضاع النقدية والمالية.
البراعة والشجاعة، ايها الزملاء، ليست في اطالة هذا المشهد، فاطالته ممكنة، اذ ما زال في النظام المصرفي من الحيوية ما يكفي لمد مصرف لبنان بالسيولة اللازمة. لكن الى متى؟ ومن اجل ماذا؟ وباي كلفة للخزينة؟ بعدما باتت خدمة الدين تشكل 48 % من الموازنة و17،5 % من الناتج المحلي الاجمالي. وبأي درجة مخاطرة للمصارف؟ فالمصارف تمسك ب 66 % من سندات الدين بالليرة اللبنانية وب85 % من سندات الدين بالعملات الاجنبية، وهذا يعادل اكثر من نصف تسليفاتها، واكثر من نصف موجوداتها.
البراعة، ايها الزملاء، هي في وقف هذا السباق المرهق بين زيادة الضرائب وتزايد خدمة الدين. والشجاعة هي في الجلوس في اقرب فرصة مع المصارف، وهم القوامون على الجزء الاكبر من الدين العام، والتباحث معهم في مستقبل هذا الدين، وصولا الى برنامج زمني لاعادة هيكلته، واعادة النظر في فوائده، بما يوفق بين المصالح الحيوية للقطاع المصرفي من ناحية وقدرات الخزينة وامكاناتها من ناحية ثانية. في المقابل، على السلطة ان تعي ان اعادة الهيكلة لا يمكن ان تقتصر على الدين العام وحده. فالهامش الكبير الذي يدفعه لبنان في معدل الفائدة هو هامش سياسي واقتصادي. وطلب تخفيض هذا الهامش من المصارف يجب ان يقابله تحسن حقيقي في عناصر الثقة السياسية والاقتصادية والادارية بالبلاد.
للحصول على النص الكامل سحب الملف PDF