العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني: التداعيات اللبنانية والمهمات الراهنة
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
عقدت اللجنة التنفيذية لحركة التجدد الديموقراطي اجتماعا برئاسة النائب نسيب لحود خصص للبحث في العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني والاوضاع الطارئة في جنوب لبنان، وصدر عن الاجتماع ورقة عمل في ما يلي نصها:
شهدت المواجهة الدائرة فوق ارض فلسطين تصعيدا خطيرا في الايام الاخيرة بعد ان شنت اسرائيل حرب ابادة شاملة ضد الشعب الفلسطيني وقيادته في محاولة لخنق الانتفاضة الرامية الى الحرية والاستقلال الوطني واقامة الدولة ذات السيادة وعاصمتها القدس، الامر الذي حتم على اللبنانيين التحرك السريع واستنهاض قواهم الحية دعما لصمود اشقائهم الفلسطينيين.
فما كادت تمضي ساعات قلائل على تصعيد العدوان الاسرائيلي مع اقتحام رام الله ومحاصرة الرئيس ياسر عرفات، حتى كانت التحركات الشعبية والوطنية والسياسية من كافة الاشكال والمستويات تعم بيروت وكافة المدن والبلدات اللبنانية. ان سرعة هذه التحركات وشموليتها وتواصلها، وان كانت تنبع اساسا من مشاعر التضامن القومي والانساني ضد الظلم والعدوان والعنصرية، فهي تعكس كذلك قلق اللبنانيين من التداعيات المحتملة الخطيرة التي يمكن ان تنتج عن تمادي اسرائيل في تنفيذ مخططاتها التصفوية، ومنها احتمال توسيع رقعة المواجهة واحتمال التهجير الجماعي للفلسطينيين من الضفة الغربية المعروف بالترانسفير.
وتستمد هذه التحركات زخمها وقوتها من واقع الاجماع الوطني اللبناني حول المقاومة الذي تبلور بصلابة خلال السنوات العشر الماضية خلال معركة تحرير الجنوب والبقاع الغربي من الاحتلال الاسرائيلي.
بالتوازي مع التحركات الشعبية والسياسية الجامعة الرافضة للعدوان الاسرائيلي الاخير، نشأت مطالبة متفاوتة الحجم والمضمون بضرورة تقديم اشكال دعم نوعية للشعب الفلسطيني، ومنها الدعم العسكري. وقد وجدت هذه المطالبة تعبيرها الاقصى في شعار 'فتح الحدود مع العدو الصهيوني' ومنها الحدود اللبنانية.
ان المطلوب اليوم عدم الاكتفاء بهذه التعبيرات العفوية الصحية وتوظيف الغضب الشعبي العارم وتعبئته من ضمن سلسلة مطالب واضحة وآليات فعالة لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني وتقديم الدعم الحقيقي له في المواقع التي يحتاجها.
* * * * * * *
وفي ظل هذا الوضع الاستراتيجي المستجد وهذه المطالبات، حصل تصعيد للوضع الميداني في جنوب لبنان وعند الحدود اللبنانية-الاسرائيلية. وقد اتسم هذا التصعيد بالمعالم الآتية التي ينبغي التمييز بدقة في ما بينها:
اولا- تكثيف المقاومة عملياتها في قطاع مزارع شبعا ومواصلتها بشكل يومي، مع اعلان المقاومة انها ما زالت تلتزم حتى الآن سقف العمليات السابق للعدوان الاسرائيلي الاخير وعدم توسيع مسرح العمليات. وقد عبرت قيادة المقاومة مؤخرا عن هذه المعادلة وعن الاهداف السياسية المتوخاة من تكثيف عملياتها.
ثانيا- وقوع عمليات قصف صاروخي وغيرها خارج نطاق مزارع شبعا ودخول قوى جديدة على خط المواجهة لا تحظى بشرعية قانونية او سياسية، منها مجهولة الهوية ومنها اعلنت عن نفسها مثل الجبهة الشعبية - القيادة العامة.
ثالثا- تأكيد السلطة اللبنانية موقفها السابق حول حصر النزاع عند الحدود بمزارع شبعا ومنعها وقوع أي نشاط عسكري خارج هذه المنطقة، لكن دون تمكنها من الحؤول تماما دون هذه العمليات.
رابعا- اشتداد التناقض والافتراق بين موقف لبنان من ناحية وموقف الامم المتحدة ومن خلفها المجتمع الدولي من ناحية ثانية. فالامم المتحدة تصر على التعامل مع هذه المنطقة، التي احتلتها اسرائيل عام 1967، وفقا لمرجعية القرار 242، اي بربط الانسحاب منها بتسوية حول مرتفعات الجولان السورية، فيما لبنان، وتؤيده سورية في ذلك، يؤكد ملكيته للمزارع ويصر على ضرورة انسحاب اسرائيل منها وفقا للقرار 425، والا اعتبر هذا القرار غير مكتمل التنفيذ. وقد ساهم في اشتداد هذا التناقض مؤخرا تعرض عناصر قوات الامم المتحدة في المنطقة المقابلة لمزارع شبعا للاعتداء عليها بالضرب.
* * * * * * *
وعلى الرغم من اعلان السلطة اللبنانية والمقاومة التزامهما القواعد السابقة للصراع، فان هذا الوضع الجديد الناشىء في جنوب لبنان ينذر، في ظل المواجهة الكبرى في فلسطين، باحتمال توسيع رقعة المواجهة الميدانية بما لا يخدم بالضرورة المصلحة الوطنية اللبنانية، ولا يتناسب مع قدرات لبنان، ولا يحظى باجماع اللبنانيين، وهي معايير ثلاثة لا بد من تحكيمها في الامور والمسائل المصيرية.
استدراكا لذلك، وتفاديا لتطورات داهمة قد تضعف ما تبقى من استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي في البلاد، فان اللبنانيين مدعوون اليوم وفي اسرع وقت الى تدعيم توافقهم حول الخطوط العريضة المتصلة بادارة الصراع مع اسرائيل التي هي من التعقيد والخطورة بحيث لا مصلحة ولا قدرة لطرف واحد ان يتولاه. وترى حركة التجدد الديموقراطي ان يتمحور الوفاق بين اللبنانيين على الاسس الآتية:
اولا- دعوة الدول العربية الى تبني استراتيجية موحدة لادارة الصراع مع اسرائيل، تزاوج بين مبادرة السلام العربية التي اقرت في مؤتمر القمة في بيروت من جهة، وخيار للمواجهة تعبىء فيها كافة الطاقات والامكانات العربية على المستويات العسكرية والامنية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية والمالية من ضمن توزع عادل للاعباء والتكاليف والادوار. ومن الطبيعي في ظل هذه الاستراتيجية العربية الموحدة ان يضطلع لبنان كسائر الدول العربية بمسؤولياته الكاملة فيها.
ثانيا- دعوة الدول العربية، من ضمن هذه الرؤية، الى مغادرة مواقع الصمت والعجز التي تقبع فيها وتفعيل الاوراق التي تملكها ووضعها في ميزان المواجهة، وهي كثيرة وليس اقلها ورقة العلاقات الديبلوماسية وورقة النفط وورقة الودائع العربية في الدول الغربية وورقة صفقات شراء الاسلحة وورقة التسهيلات العسكرية والتنسيق الامني القائم باشكال عدة بين الولايات المتحدة والعديد من الدول العربية.
ثالثا- توافق جميع الاطراف اللبنانيين على انه، في ظل غياب استراتيجية عربية موحدة وفي حال استبعاد العرب للخيار العسكري، فان ساحة المواجهة الرئيسية هي ارض فلسطين، وان فتح جبهة جنوب لبنان قد تحرف الانظار عن الممارسات البربرية الاسرائيلية في فلسطين، وقد تؤدي الى اشكال من الحروب تملك فيها اسرائيل مقومات التفوق العسكري فضلا عن تذرعها بغطاء الشرعية الدولية الناجم عن ادعاء الدفاع عن النفس، وهو امر تفتقد اليه اليوم بشدة في عدوانها على الضفة الغربية.
رابعا- دعوة الاخوة الفلسطينيين المقيمين في لبنان داخل المخيمات وخارجها الى الالتزام التزاما صارما بعدم القيام باي نشاط مسلح فوق الاراضي اللبنانية او انطلاقا منها، ودعوة السلطة اللبنانية الى تحمل مسؤولياتها السيادية في هذا المجال بروح من الحكمة والاخوة، ودعوة الطرفين الى العمل المشترك الدؤوب من اجل ضمان حق العودة، مع التنبه الى محاولات التحريض وافتعال انقسامات جديدة بين الشعبين اللبناني والفلسطيني.
خامسا- حماية المقاومة اللبنانية والحفاظ عليها وعلى طاقاتها كقوة توازن وردع استراتيجي في حال الهدنة، وكقوة احتياط استراتيجي في حال اي مواجهة مفروضة، وذلك الى حين التوصل الى تسوية عادلة وشاملة.
سادسا- دعوة السلطة اللبنانية الى تحصين الملف اللبناني في ما يتعلق بمزارع شبعا، فمن حق اي شعب النضال والمقاومة لاسترداد اراض له محتلة، لكن يجب اثبات هذا الحق. وهنا يجب العمل على حل الاشكال القائم حاليا مع الامم المتحدة التي لا تعترف بلبنانية هذه المزارع، كي نوفر للمقاومة الشرعية الدولية فضلا عن الشرعية الوطنية. بانتظار ذلك، يجب التعامل بحذر شديد مع هذا الملف وعدم الدفع به الى حدود المواجهة مع الامم المتحدة، لأن الموقف اللبناني لن يتمتع في تلك اللحظة بالحصانة الكافية من الشرعية الدولية.
ان الاصول الدولية تقضي بتزويد الامم المتحدة بوثيقة رسمية موقعة من سورية ولبنان تتضمن ترسيما للحدود بين البلدين في المنطقة المعنية اي مزارع شبعا. صحيح ان لبنان وسورية وحدهما المخولان وفقا للقانون الدولي تحديد اي ارض بينهما لبنانية واي ارض سورية، لكن في ظل نزاع دولي معقد تتداخل فيه اطراف اخرى غير لبنان وسورية، لا يؤخذ باي اتفاق لبناني-سوري الا بعد توثيقه لدى المراجع الدولية. ولا يكفي بالطبع تزويد الامم المتحدة برسائل او مذكرات احادية الجانب لا تتضمن ترسيما واضحا للحدود بين البلدين.
ان معالجة هذه الثغرة في الاستراتيجية اللبنانية، التي سبق ان حذرنا منها مرارا، باتت اليوم ضرورة ماسة بعد التطورات الدراماتيكية المتسارعة وحاجة لبنان والاطراف العربية كافة الى تحسين ظروف المواجهة مع اسرائيل في ظل العدوانية الشارونية. والخلاف او سؤ التفاهم مع الامم المتحدة لا يخدمان طبعا هذه الغاية.
* * * * * * *
اللحظات التي نعيش هي من الدقة، والتداعيات المحتملة هي من الخطورة، والمواضيع المطروحة هي من الاهمية، وتحقيق التوافق (لا بل الاجماع) اللبناني عليها هما من الضرورة، بحيث تستحق التداول العاجل بين الافرقاء اللبنانية في امكانية عقد مؤتمر وطني شامل يتدارس المشاركون فيه الاوضاع الاستثنائية هذه ويخرجون منه بمقررات تكفل للبنان تجاوز هذه المرحلة بما يعزز وحدته الوطنية اولا ويكفل مصالحه الاستراتيجية ثانيا ويبعد عنه مخاطر العدوان ثالثا ويؤمن الدعم الفاعل لشعب فلسطين وقضيته رابعا.