إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

الكتاب الذي أنهى عقدة نفوري من قراءة خُطَب السياسيين - جهاد الزين (النهار)

 كانت لديَّ مشكلة من نوع خاص مع السيد دونالد ترامب. فمنذ نجاحه في الانتخابات الرئاسية الأميركية، نجاحِ هذا النمطِ غير المسبوق أميركيا وغربيا، لا أعرف ماذا أختار من كتب سياسية للقراءة والمتابعة المهنية والثقافية. لقد أربك نجاحُه طريقتي، ونسبياً "مزاجي"، في اختيار الكتب السياسية الراهنة أو التاريخية أو الفكرية سواء العربية أو الغربية.

من حسن الحظ أن هناك كتبا أدبية في الشعر والرواية لكي يهرب إليها ويرتاح معها القارئ الحائر في رصد التحولات. لكنْ على مستوى المتابعة المتعلقة بالسياسات وبتاريخ السياسات فإن أولى النتائج المفيدة لي في هذا الارتباك المستمر حتى الآن هي تصالحي مع فئة من الكتب لم أكن أطيقها وهي فئة الكتب التي تقتصر على إعادة نشر خطابات السياسيين. ومع أني مِنْ شَغوفي قراءةِ كتبِ السِيَر الذاتية أو السِيَر التي يكتبها آخرون عن هذا السياسي أو ذاك، فقد كنتُ أنفر من مجرد رؤيتي لعنوان كتاب عن خطابات مجمّعة في مناسبات عامة لهذا السياسي الغربي أو العالمثالثي. ربما بسبب فكرة مسبقة، ولا سيما في العالم الثالث، وهي أن الخطاب من هذا النوع هو مجرد ترويج تعبوي لا تنفع بشيءٍ استعادتُه.
... حتى جاءنا السيد ترامب! ووقعتُ، كما يُقال بالمصطلح التقليدي العربي، وأنا أبحث عن مذكرات ونستون تشرشل التي لم أقرأها بعد في مكتبة شكسبير المتخصصة بنتاجات اللغة الانكليزية في باريس وإحدى المكتبات التجارية المفضلة لديّ،... وَقَعْتُ على كتاب يجمع خطابات رجل الدولة البريطاني الشهير هذا.
أمسكتُ بنسخة الكتاب وفتحتها بضجرٍ مسبق وبدأت بقراءة مقدمة - دراسة كتَبها المحقق الذي جمع خطابات تشرشل.
ويا لروعة المقدمة التي تحولت إلى مصيدة لي كقارئ. سرد وتحليل دقيق وتاريخي لظروف حياة تشرشل السياسية وأجواء إلقاء خطبه ودورها في التعبير عن مساره وظاهرته. اشتريتُ الكتاب بعدما صرفتُ وقتا في القراءة داخل المكتبة وبدأت لاحقا قراءة هذه الخطب بكل تشوّق بل بكل شغف، فإضافةً للمقدمة الطويلة وضع الباحثُ مقدمةً لكل خطاب لتشرشل.
كانت المرة الأولى التي استمتع بها وأستفيد في قراءة خطاب لسياسي أرشيفي. كنت أطّلع طبعا على بعض الخطابات الأخرى لسياسيين كثر لبنانيين وعرب وأجانب، كتابةً من خلال المذكرات، أو شفاهةً من خلال الاستماع، سياسيّين حسني السمعة أو سيِّئيها لا فرق. بل حتى أن إحدى عاداتي المهنية، لكنْ كواجب، هي أن "أفكِّك" نصِّيّا خطب بعض الزعماء العرب والأجانب لحظة إلقائها في أزمة كبيرة تعنينا بالعودة إلى نصها مكتوبا كمتابعة لحدث راهن يستوجب البحث عن "خفايا" ودلالات لغته. لكن هذه هي المرة الأولى التي أقرأ الخطاب كتابةً بكونه من الماضي وكخطاب من الأرشيف قائم بذاته في كتاب تجميعي للخطب فقط. وهذا نوع من الكتب كنت فعلا أنفر منه سابقا.
اخترت بعض الخطابات من الكتاب. لفتني في مقدمة الباحث تعبيرٌ مميزٌ استخدمه في وصف تشرشل كخطيب:
يقول دايفيد كنّادين، الباحث وكاتب التقديم، أن تشرشل "كان الأكثر بلاغة وتعبيرية بين كل رجال الدولة في عصره، حقا هو السيد على اللغة الانكليزيّة ولكنه أحيانا كان أيضا عبْداً لها"
لتحيا العبودية، عبودية اللغة حين يكون العبد سيدا والسيد عبدا. هذا مديح ينطبق على الكبار في الأدب أو السياسة أو كل ما له علاقة باللغة.
في خطبة طويلة أمام جمهوره في دائرته الانتخابية "داندي" عام 1915 قال تشرشل في لهجة اعتذارية إن "الخطب الطويلة لم تعد تلائم الزمن الذي نعيشه... مع ذلك سأحتجزكم بضع دقائق إضافية" معتبرا ذلك جزءا من حقوق الدولة على رعاياها... هذه النقطة تعني تاريخ منطقتنا كثيرا جدا. إنها حرب مضائق الدردنيل عام 1915 بين الجيش العثماني مدعوما بالمستشارين الألمان والأسطول الإنكليزي المتألِّف من مقاتلين أستراليين ونيوزيلانديين وضباط البحرية الإنكليزية وعناصر فرنسية. هذه المعركة التي استمرت طويلا ولم تأخذ نتيجتها حقها في التاريخ. فهي حرب ربحها الأتراك والمقاتلون العثمانيون بمن فيهم العرب بما يعرف بمعركة شبه جزيرة غاليبولي حيث تمركز الأتراك بريا بقيادة الضابط مصطفى كمال (الذي سيُعرف بعد سنوات بمصطفى كمال أتاتورك). ربح الإنكليز الحرب ولكنهم خسروا معركة غاليبولي واضطروا للانسحاب عام 1916 ليعودوا لاحقا إلى تلك المنطقة بعد انهيار الجيوش العثمانية على الجبهات الأخرى. كان سقوط غاليبولي يعني سقوط العاصمة اسطنبول ونهاية الامبراطورية. تأخر ذلك أربع سنوات بفضل المقاومة العثمانية التي تمركزت على قلاع الشاطئ.
كان تشرشل الذي يتكلم هنا عام 1915 قد عاد إلى الحكومة وزيراً متولِّياً مسؤوليات جديدة بعد إرغامه على الاستقالة في الأشهر الأولى من الحرب. كان هَمُّ تشرشل منصبّا على الدفاع عن الحكومة بسبب انتقادات الصحافة البريطانية الشديدة لخسائر البحرية البريطانية في حرب غاليبولي. في خطابه ذاك، ركّز تشرشل على ثلاث نقاط لتبرير الخسائر البريطانية:
الأولى هي ادعاؤه أن السفن المقاتلة في تلك الجبهة كانت من الفائض الاحتياطي للبحرية البريطانية وليست الأساسية المخصصة للدفاع عن الشواطئ البريطانية وجبهات مختلفة. كان يقصد بذلك أنها سفن ليست أقوى ما يملك سلاح البحرية وباتت من الدرجة الثانية. هل كان هذا الادعاء صحيحاً؟ ربما نعم وربما لا. لكن المهم فيه أن تشرشل كان مضطرا في خطبة طويلة لتبرير العجز البريطاني عن التقدم العسكري أمام الشواطئ الفاصلة بين بحر إيجه وبين بحر مرمره الداخلي، والتي كان يحميها الجيش العثماني.
النقطة الثانية هي الوعد بالنصر أمام حجم المكسب الآتي وهو القضاء على امبراطورية كبيرة هي الامبراطورية العثمانية (في الواقع ستنتهي هذه الحرب العالمية الأولى بزوال ثلاث امبراطوريات: الألمانية والنمساوية والعثمانية).
النقطة الثالثة هي كيفية نقده للصحافة. فهو يدعو علنا إلى ضرورة انضواء الصحف في حرب كبيرة كالتي كانت تحدث إلى سياق الإجماع الوطني على دعم الجيوش البريطانية وعدم المس بمعنوياتها ومعنويات قادتها وضباطها وجنودها. معتبِرا أن للدولة الحق على مواطنيها في ذلك ومنع الصحف من عرض معلومات تفيد العدو.
نموذج آخر من الربط التشرشلي بين البلاغة الدقيقة وبين الرؤية السياسية بل الاستراتيجية هو الفصل السابع الذي يرِدُ فيه خطاب التحذير من الخطر البلشفي وكان البلاشفة في منتصف سنتهم الثانية من السيطرة على السلطة في موسكو وأجزاء كبيرة من روسيا وقد انسحبوا من الحرب العالمية التي كانت قد انتهت قبل أشهر.
في 11 نيسان 1919 أي بعد أشهر قليلة على عودته وزيرا للحرب والجو في الحكومة الجديدة المنبثقة من الانتخابات العامة يلقي خطابا في لندن "في وقت كان مردود (الانتصار البريطاني) في الحرب يبدو فيه أقل مدعاة للثقة ... سواء للمنتصرين أو للمهزومين" كما كتب الباحث دايفيد كنّادين في مقدمته.
يصف تشرشل حجم الآلة الحربية العائدة إلى الحياة العادية بأنها "مليونان ونصف مليون رجل" ويضيف أن مليون شخص كانوا منخرطين في الصناعة الحربية لم يعودوا في خدمة جهاز الدولة. ينتقل من ذلك ليشن هجوما "آبوكالِبْتيكِيّاً" على البلاشفة بقيادة لينين وتروتسكي. ويقول إن الشناعات المرتكبة من الإثنين بحق الروس تجاوزت ما فعله القيصر . ويقارن العنف الألماني بالعنف البلشفي بأن الأول خدع واستغل حلفاءه ولكنه لم يخنهم بينما العنف الروسي خان شعبه وحطمه. كانت في الحالة الأولى علاقة شرف بين لصوص أما العنف الروسي فكان علاقة بلا شرف بين قتَلَة". حتى أنه في خطابه يحمِّل مسؤولية موت كل جندي فرنسي وبريطاني إلى لينين وتروتسكي بسبب الانسحاب الروسي البلشفي من الحرب بعد تغيير النظام القيصري.
يدعو تشرشل في نهاية خطابه إلى إقامة السلام مع الألمان وفي الوقت نفسه مقاومة التقدم العسكري لـ"الطغيان البلشفي" في كل مكان في العالم. (بعد 26 عاما سيشيد بالتعاون الذي أبداه معه خلال الحرب جوزف ستالين! حتى في سياق التحذير الحاد من الخطر السوفياتي).
من خطاب بعد نهاية الحرب العالمية الأولى إلى خطاب بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تغيَّر الكثير لكن ونستون تشرشل سيصبح أكثر تركيزا استراتيجيا على "الخطَر السوفياتي" وسيطلق في خطاب في معهد وستمنستر في الولايات المتحدة في الخامس من آذار عام 1946 خلال محاضرة سيقدمه فيها الرئيس الأميركي هاري ترومن الجديد يومها في خلافة سلفه الرئيس فرنكلين روزفلت وكان هذا التقديم سابقة تكريم يقوم بها رئيس أميركي لـ"زائر خاص" لأن تشرشل كان قد فشل في الانتخابات البرلمانية التي تلت الحرب واحتفظ فقط بمقعده النيابي... سيُطلِق تشرشل وَصْفَ "الستار الحديدي" عن الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول التابعة له. خطاب هو "الأكثر أهمية والأكثر نفوذا من بين كل خطب تشرشل بعد الحرب الثانية". كان له صدى على المسرح الدولي... هاجمه ستالين (أو كما سمّاه تشرشل "المارشال الرفيق ستالين") وهاجمته معظم الصحف الأميركية والعديد من نواب منافسيه في حزب العمال وجريدة "التايمز" اللندنية كما كتب مقدِّم الكتاب...
لنقرأ بعض أبرز آرائه في ذلك الخطاب والتي سَيَثْبُت أنها ستتحول إلى سياسات غربية رئيسية في العقود اللاحقة.
- عدم ائتمان منظمة الأمم المتحدة على سر القنبلة النووية، المنظمة التي كانت في أشهر تأسيسها الأولى لأن خطر تجدد الحرب قائم. وهذا نوع من عدم ائتمان مبكر للمنظمة الدولية في المجال النووي يمكن فهم أسبابه بأن تلك الحقبة لم تكن شهدت بعد امتلاك الاتحاد السوفياتي للسر النووي العسكري مما كان يستوجب الحذر الصارم.
- مواجهة ما يسميه الطغيان الشيوعي أو النيوفاشي.
كان هذان الخطران الخطرين الرئيسيين بنظره. وسيستدرك تشرشل أنه لم يذكر خطر الفقر والحرمان اللذين هما مبعث قلق وسيقول إنه "إذا أمكن إنهاء خطري الحرب والطغيان فلا شك أن (تقدم) العلم والتعاون يمكنهما تحقيق وفرة في العيش على المستوى العالمي لا سابق لها في التجربة الإنسانية في السنوات الآتية وبالتأكيد في العقود الآتية".
بعد أن يدعو إلى بناء "معبد السلام"، قاصدا منظمة الأمم المتحدة، يُجري جولة عرض لمواقع نفوذ الشيوعية في العالم وأخطارها. في أوروبا، الحزب الشيوعي الإيطالي، فرنسا، الماريشال تيتو في يوغوسلافيا والأدرياتيكي محذراً من "الطابور الخامس الشيوعي" وفي الشرق الأقصى في منشوريا وهو يعترف أن اتفاق يالطا حين عُقِد (روزفلت، ستالين، تشرشل) كان لصالح الاتحاد السوفياتي والسبب أن الحرب مع اليابان كانت متواصلة وكان التقدير أنها قد تستمر طويلاً، مما استدعى حسب منطق اعتراف تشرشل تقديم المفاوِضَيْن الأميركي والبريطاني تنازلاتٍ له.
إحدى النقاط الجديرة بالذكر في هذا الخطاب هي اعتقاد تشرشل أنه كان بالإمكان تلافي مأساة وصول هتلر للحكم عام 1933 لو انتُهِجَت سياساتٌ غربية أخرى.
الخبرة الرئيسية من هذا الكتاب أن خطاب رجل السياسة المعد أصلا لخدمة أهداف تعبوية ووجهات نظر شخصية مهما كان وزن رجل الدولة كبيرا، هذا الخطاب بإمكانه أن يكون مفيدا لفهم التاريخ عندما يتوفّر عرضُهُ على يد باحث جدّي يشرح ظروفه، التي أملت إلقاءه في حينه، بموضوعية.
لقد فكّ هذا الكتاب عقدة نفوري من قراءة كتب تجميع خطابات السياسيين في أي بلد كانوا، أقول ذلك ولكن دون التخلّي طبعا عن الحق البديهي في التفضيل بين أنواع مختلفة من السياسيين. في هذه الحالة ليس علينا البحث عن تشرشل آخر أي عن سياسيٍّ بوزنه بل عن باحث من وزن دايفيد كنّادين.

¶ Winston Churchill- Blood, Toil, Tears and Sweat: The Great Speeches -Edited by David Cannadine- Penguin Classics- 2007

jihad.elzein@annahar.com.lb

← العودة إلى مختارات