إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

قبل الانهيار المبكر! - نبيل بو منصف (النهار)

 لم يكن غريبا ان تشكل مرحلة ما بعد تشكيل الحكومة الاولى في العهد الجديد عنوانا لفتح كل ملفات الداخل على نحو دائري عقب جفاف طويل في الحكم وتناسل الأزمات في كل اتجاه. بل ان حتمية اطلاق مثل هذه الورشة لإنقاذ البلاد من مهاوي الانهيارات شكلت المبرر الاساسي لتجربة جمع الأضداد التي حملت الرئيس عون الى بعبدا والرئيس الحريري الى السرايا. لكن المفارقة الغريبة فعلا ان يبدأ انكشاف عميق لهذه التسوية يتجاوز تقديرات أشد الذين رفضوها وتخوفوا منها بسرعة قياسية. لا يحتمل التراجع الحاصل منذ اسبوعين في صلب هذه التسوية أي تجاهل او تخفيف من وطأتها لئلا تغدو التداعيات أشد خطورة. ثمة إخلال حاصل كان يمكن حصر مفاعيله لو حصر في الواقع الداخلي، ولكن اتساعه المباغت الى فتح جبهات خارجية يشكل جرس إنذار اكثر من مبكّر. لن تفيد بطبيعة الحال إستعادة التساؤلات عما اذا كانت التسوية السياسية التي فتحت الأفق اللبناني على ملء الشغور الرئاسي وإطلاق دورة المؤسسات لحظت في حينه اقامة معادلة الأمان الكافية حيال المعضلات الكبيرة التي ينشطر حولها البلد والتي جاءت التطورات الاخيرة لتثبت انها الثغرة الكبرى التي شابت التسوية. نحن الآن أمام أمر واقع جديد شديد الخطورة على مسار البلاد يحاصر الجميع سواء اعترف من اعترف أم كابر من كابر. واذا كان من صورة تختزل العلل التي أصابت التسوية فهي لا تقف عند تداعيات الخشية الناشئة عن عودة تلبد العلاقات بين لبنان والدول الخليجية أو شبح المواجهة مع اسرائيل بل تبدأ من غرائب استيلاد قانون انتخابي مع إحلال أعراف خارج كل النظم والاصول الدستورية. يجري كل شيء خارج محراب السلطة التنفيذية التي تقبع في انتظار المشاريع التجريبية المتناسلة والتي تستولدها قابلة سياسية بعينها. لا ندري كيف يثق اللبنانيون بان زواجا سلطويا جمع كل هذه التناقضات والمفارقات سيكون قادرا على الاستمرار وعدم الانفراط المبكر امام مجموع سياسات متفردة داخلية وخارجية في هذا الشكل المذهل بتسارعه. كيف يمكن تصور جدية مفترضة في ايجاد حل لأزمة الفراغ المجلسي الماثلة بقوة ما دام ملف قانون الانتخاب لا يزال حتى اللحظة خارج مجلس الوزراء؟ وكيف لا تثار المخاوف الكبرى على العلاقات مع الدول الخليجية ما دام رموز التسوية عاجزين عن ضمان الحد الادنى من معالجات بالكاد اقلعت ثم سرعان ما سقطت بالضربة القاضية؟ وكيف لا تتصاعد الخشية الاكبر من ان يعود لبنان الى عين العاصفة والتهديدات الإسرائيلية ما دامت معادلة الحد الادنى من الحماية التي لحظها البيان الوزاري خرقت بأسرع من لمح البصر؟ اذا كان "للمعنيين" ان يدركوا الوقائع بلا تجميل وبلا مواربة فهي تتلخص بانطباع شديد القتامة عن زواج مصالح ظرفي يترنح بقوة منتظرا من يستدرك انهياره قبل فوات الاوان.

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

← العودة إلى مختارات