إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

قراءة في القرّاء - جهاد الزين (النهار)

 بدون أي تواضع مفتَعل كانت تعليقات العديد من القراء والقارئات على "تويتر" و"فايسبوك" وبعضها بشكل "خاص" عبر "الإيمايل" على مقالي أول من أمس، الذي يقترح على الرئيس ميشال عون تأسيس جهاز أمني لمكافحة الفساد برئاسة قاض محترم، كانت أكثر أهمية بأشواط من مقالي نفسه إذا أخذناها كمجموع وجزئياً بالمفرّق وبعضها غالباً لا يتجاوز السطرين!

لماذا؟
لأن "الجو" الذي قدّمته هذه التعليقات مدهش من حيث عدم ثقتها المطلقة، ليس فقط بإمكانية نجاح هكذا اقتراح، وإنما ما هو أخطر:
جاءتني أسئلة عديدة، ومن أسماء معروفة أو أعرف بعضها، من نوع: أين هو القاضي المحترم لكي يُعيَّن في مهمة لا ينحاز أو يَفْسُد ويُفسِد فيها؟ ورغم أن أحداً في الردود لم يشكك بنجاح الأجهزة الأمنية في مجال مكافحة الإرهاب، إلا أن أياً منها لم يُزكِّ هذا الدور في مجال مكافحة الفساد.
هذا الفصل في قناعات وبسيكولوجيا المواطن اللبناني بين الكفاءة والنزاهة، أي من حيث أن الكفاءة لا تحصِّن ضد الفساد، هو أحد معالم البسيكولوجيا السياسية اللبنانية حيال الدولة.
هناك طبعاً الشيزوفرانيا الأكبر والأكثر كلاسيكية في السلوكية السياسية اللبنانية، وهي باتت من حقائق حياتنا العامة الأكثر مدعاةً لليأس والتيئيس.
إنها ظاهرة عدم الاحترام الأخلاقي الكامل التي يبديها الشعب اللبناني حيال طبقته السياسية، أو "طبقاته" السياسية، وفي الوقت نفسه ولاء الأكثرية الضخمة منه لهذه الطبقة وتبنيها داخل كل طائفية لعصبياتها.
مرة أخرى كيف يمكن لنظام سياسي هو بهذه القوة الراسخة شعبياً والمتمكنة داخل الدولة وعلى الدولة أن يكون محتَقراً بهذا الشكل الساحق من شعبه أفراداً وجماعات؟
بسبب هذا الواقع ربما الطاغي فإن السياسيين الذين "يديرون البلد" باتوا يقلقون على سمعاتهم أكثر مما يقلقون على مواقعهم عندما "يواجهون" موجةَ مكافحة فساد!
المشكلة بالنسبة لي هنا هي أنني أتلقى ردوداً من أشخاص معنيين بالشأن العام ولكني أكثر يأساً منهم! وفي الأوساط الشبابية المتعلمة والناشطة في الشأن العام فقط ألتقي بأشخاص لم يفقدوا ثقتهم بإمكانية الإصلاح وهم مستعدون لأن يربطوا بين عدم تأييدهم لسياسيي طائفياتهم، وبالتالي عدم تصويتهم لهم، وبين عدم يأسهم هذا...
حصيلة انطباعاتي من التجارب السجالية التي دفعنا الحراك المدني العام المنصرم لخوضها جميعاً، وخصوصاً عندما اعتبرتُ هذا الحراك "حركةً على طريق المطار"، أي على طريق الهجرة الشبابية الجامعيّة، وهي نخبة النخب اللبنانية، أن عديدين لا زالوا متحمسين لعمل شيء يعتقدون أنه مُجْدٍ. ردود أمس على مقالي، إذا كانت صالحةً كعيِّنة، توحي لي أن عدد المتفائلين تراجع. وهم أصلا قلة قليلة.
الأمر يحتاج طبعاً إلى استطلاعات علمية ولكن هذا العهد الجديد، أيا تكن ظروف وصوله، يأتي بعد أكبر حركة شبابية غير عنفية (عكس كل التشدُّقات الرسمية) شهدها لبنان وأدت إلى ارتباك معنوي غير مسبوق أصاب جميع القوى السياسية بما فيها الحزب الذي كان يرأسه العماد الذي سيصبح رئيساً.
في النهاية لا بد من القول: هناك طبعاً قضاة محترمون وضباط محترمون كثيرون ولكن ليس هناك قضاة قادرين سياسياً.
الجميع عاجز. فماذا سيفعل العهد الجديد، لزيادة عدد المتفائلين؟ هل من قاضٍ "إيطالي" يمكن البحث عنه لإطلاقه من الرماد؟
على أن ألطف وأقسى رد مكتوب تلقَّيتُه كان من قارئ يقول: يجب أن يبدأ جهاز مكافحة الفساد من القضاة والضباط والصحافيين.

 

← العودة إلى مختارات