إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

دلالات مهمة في برنامج "حزب الله" لتضمنه مبادئ مطمئنة - روزانا بومنصف - النهار

البرامج الانتخابية شكل ديموقراطي يفتقد الالتزام والمحاسبة


يمثل تقديم الاحزاب الكبيرة التي تقود الخيارات السياسية في البلاد برنامجاً انتخابياً باعتبار انها تستند الى مرتكزات ديموقراطية للخوض في انتخابات اشتراعية امراً ايجابياً في رأي مراقبين متابعين، اقله في المبدأ بصرف النظر عما اذا كان اللبنانيون يصوتون الى جانب هذا الفريق او ذاك بالاستناد الى البرنامج الذي اعلن، في حال استمع الناخبون الى هذه البرامج او قرأوها او انهم سيتذكرون اي امر منها. فعلى الاقل يسعى لبنان في هذا المجال الى وضع نفسه في مصاف الدول الديموقراطية التي يتنافس فيها الاشخاص والبرامج وفق عناوين مبدئية مدروسة من اجل ايصال هذا الفريق او ذاك الى الحكم باعتبار انه معيب التوجه الى انتخابات على قاعدة شعارات فضفاضة او طنانة او استتباع طائفي او سياسي ليس الا.
لكن هذه الخطوة، على اهميتها ودلالاتها على احترام هذه الاحزاب عقول الناس، لا تتسم في الواقع بكثير من الجدية لاعتبارين على الاقل، اولهما ان القائمين بها لا ينظرون اليها على انها جدية، كما لا يظهرون لاحقاً من انهم يفعلون، وثانيهما ان الناخبين يأخذونها على محمل الجد، ولو صح ذلك لكان على الناس ان يحاسبوا الاحزاب او الشخصيات التي انتخبوها، في حين ان ذلك لا يحصل في لبنان. لا بل ان بعض هؤلاء يذهب الى نقيض ما يكون قد وعد به على نحو جذري مخالفاً مبادئه وثوابته التي سبق ان اعلنها في برنامجه الانتخابي على نحو مثالي، ولا يقبل المحاسبة او حتى الانتقاد. فالبرامج الانتخابية هي عادة كلام انتخابي لا معنى له ولن يذكره احد بعد شهرين من الانتخابات، في حين ان التناقض القائم في الداخل كفيل نقض او تعطيل اي برنامج اذا كان جاداً بالفعل ويحظى بالصدقية اكثر من غيره لاعتبارات مختلفة.
على ان ذلك لا يعني عدم متابعة هذه البرامج وايلائها اهمية. اذ ان بعضها يتضمن اموراً تتخطى السطحية في تناول النقاط الحساسة ومعالجتها. والملاحظ بالنسبة الى المراقبين، في ضوء ما أعلن ان لا اختلافات جوهرية في ضوء البرامج. فما اطلقه "حزب الله" في برنامجه قبل يومين ينطوي على مبادئ تماثل تلك التي اعلنتها قوى 14 آذار اذا اتيح للمتابعين قراءة هذه البرامج، خصوصاً ان الحزب تحدث عن عناوين عامة سعى من خلالها الى عدم اثارة "نقزة" لا عند المسيحيين ولا عند الآخرين، وخصوصاً من خارج  الذين يتابعون الانتخابات باهتمام، لكن هذه المتابعة لا تتعلق بالبرنامج الاقتصادي او الاصلاحي او الاداري بل بنقطة الاختلاف الجوهري القائمة بين القوى التي يقودها "حزب الله" والقوى الموجودة في المقلب الآخر. اذ ان المشاريع الاقتصادية لا تخيف اياً تكن باعتبار ان لبنان ليست فيه احزاب مثل الاحزاب الموجودة في الدول الاوروبية اكانت اشتراكية ام شيوعية سابقاً وصاحبة رؤية اقتصادية واضحة، وتالياً لا يمكن احداً اجراء تغييرات او انقلابات جذرية بل يتعلق الأمر بالخلاف السياسي ودور لبنان في الصراع الاقليمي والاقليمي – الدولي ايضاً، باعتباره ساحة يستخدم اما لاستدراج العروض الدولية واما لمحاربتها كما كان في العامين الماضيين. وحين ينظر الغرب الى "حزب الله" او احتمالات فوزه مع القوى المتحالفة في الانتخابات المقبلة فان هذا الغرب، كما القسم الاكبر من اللبنانيين، لا يرى هاجساً فكرياً او عقائدياً، بل يهتم بالسلاح الذي يملكه الحزب واحتمالات توظيف هذا السلاح او عدم توظيفه في الصراع الاقليمي، اي بمعنى هل يبقى لبنان ساحة للصراعات الاقليمية اقله بالاستناد الى آخر تصريحات الرئيس السوري بشار الاسد قبل يومين انه يدعم المقاومة سعياً الى السلام مع اسرائيل (ويقصد بها "حزب الله" وحركة "حماس" لأن لا مقاومة في سوريا)، ام يمكن لبنان ان ينصرف الى بناء نفسه كجيرانه العرب الاقربين بعيداً من توريطه في حروب يفترض ان يكون هو وحده ساحتهـــا دون سائر الآخرين؟ ولفتت هؤلاء المراقبين اشارة الحزب في البرنامج الذي اعلنه الى ان "الانتخابات هي اعلان التزام لبنان الوطن لا الساحة"، الأمر الذي ينادي به بقوة الفريق الآخر الذي يخاصمه وهـــــو مبدأ من مبادئه ايضاً، فـــهل يقود ذلك الى الاطمئنان بالنسبة الى الاتفاق على موضوع السلاح الذي يملكه الحزب ام لا.
فهذا الموضوع لا يتضمنه البرنامج الذي اعلنه الحزب وبقي في العناوين السياسية التي لا تثير اي رد فعل سلبي او تجر الى اي مناقشة، علماً انه يفترض ان تخضع البرامج التي تعلنها الاحزاب، كما في الدول الديموقراطية، الى مناقشة جدية وعلنية والتنافس على أساسها بحيث يصار الى وضع الناخبين امام صورة واضحة للخيارات السياسية وغير السياسية التي يمكن ان يفرز بينها. لكن البرامج في لبنان تطلق ولا تثير غالباً اي تعليق من الخصم في الموقع الانتخابي، في حين يفترض ان يكون هذا الأمر الشغل الشاغل لهذا الأخير، اللهم الا الاعلان انه في موضع العداء او النقيض ليس الا معظم الاحيان. ولا حتى تحظى هذه البرامج بتذكية من مطلقيها أيضاً.

← العودة إلى مختارات