أوباما والمنجم الآسيوي - غسان شربل - الحياة
كانت إدارة جورج بوش متعبة للخصوم والحلفاء معا. قراءتها للعالم غداة هجمات 11 ايلول (سبتمبر) كانت حادة ومتسرعة وخطيرة. مغامرتها العراقية عمقت الشعور بأن اميركا مصرّة على نهج الرهان على القوة والافتقار الى القدرة على الاستماع والاقناع. ساهمت هذه الصورة في تعزيز الترحيب بالتغيير الذي مثله انتخاب باراك اوباما.
لم تبخل القارة القديمة على الرئيس الاميركي الجديد باستقبال حافل. عبرت بوضوح عن رغبتها في فتح صفحة جديدة. والتقط اوباما هذه الرغبة الاوروبية التي ضاعفتها القناعة بأن على الولايات المتحدة ان تقود عملية الخروج من الأزمة المالية العالمية.
يمكن القول إن اوباما نجح في ايصال الرسالة. ومفادها ان ادارته تملك مقاربات جديدة في التعامل مع الأزمات الحادة المطروحة على المسرح الدولي. وانها ستعطي العمل الديبلوماسي الأولوية. وستمد يدها الى من يظهر استعدادا لملاقاتها. وانها تبحث جدياً عن شركاء لا عن اتباع. وان الاستماع الى الاصدقاء سيكون جزءاً من اسلوبها. وعلى هذه القاعدة بدت العلاقات بين ضفتي الاطلسي مرشحة لمرحلة جديدة من التشاور والتعاون سواء تعلق الأمر بالأزمة المالية او مواجهة الارهاب او مكافحة الانتشار النووي.
من براغ استكمل اوباما هجومه الديبلوماسي. قال إن بلاده «ستتخذ خطوات ملموسة في اتجاه عالم خال من الاسلحة النووية». وحض قادة الاتحاد الاوروبي على قبول تركيا في صفوفه معتبراً ان انضمامها «سيرسل اشارة مهمة» الى العالم الاسلامي.
قبل ساعات فقط من خطاب اوباما في براغ كانت الهموم الآسيوية تفرض نفسها على برنامجه. لم يستجب الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ ايل للتحذيرات والمناشدات الدولية واطلقت بلاده الصاروخ الذي قالت إنه يحمل قمراً اصطناعياً. ولم يكن امام الرئيس الاميركي غير التنديد والتلويح بإجراءات خصوصا ان مجلس الامن سيناقش هذا الانتهاك الجديد.
واضح ان مشكلة أوباما لن تكون في اقناع الاوروبيين بل هي أولاً وأخيراً في الفخ الآسيوي. فالاستراتيجية الجديدة لأفغانستان التي اعلنتها الادارة الاميركية تقوم على تسريع تأهيل المؤسسات الافغانية ومد اليد الى القوى المعتدلة في طالبان والتعاون مع دول الجوار. وكل هذه المهمات ليست بسيطة او سهلة. لا يكفي اجراء انتخابات جديدة في افغانستان لتتغير صورة النظام الذي قام على انقاض نظام طالبان. ثم ان عملية فرز طالبان الى متشددين ومعتدلين تبدو صعبة كي لا نقول مستحيلة.
يبقى الشق الثالث المتعلق بدول الجوار. لا شك ان ايران يمكن ان تشكل عاملاً مساعداً اذا قررت لعب مثل هذا الدور خصوصا ان علاقاتها الافغانية ليست محصورة بالشيعة هناك بل تعدتهم الى الطاجيك وشخصيات من انتماءات اخرى. لكن السؤال هو عن الثمن الذي تطلبه طهران مقابل تعاون من هذا النوع وهل تستطيع ادارة اوباما تقديم مثل هذا الثمن؟ اما الدولة الاخرى فهي باكستان. ولا يحتاج المرء الى جهد لاستنتاج ان باكستان هي حاليا دولة مريضة تحتاج علاجات سريعة اكثر مما تستطيع المساهمة في علاج آخرين. ان المثلث الايراني - الافغاني - الباكستاني مثلث صعب يرخي بثقله على بدايات عهد اوباما من دون ان ننسى ملفات آسيوية اخرى في طليعتها الملف الكوري الشمالي.
لنترك جانبا نقاشات المستقبل البعيد قليلا والتي تتحدث عن صعود عملاقين آسيويين، هما الصين والهند، الى موقع الشريك الذي لا مفر منه في ادارة العالم. ان الملف الآسيوي الأكثر إلحاحاً هو الوضع الافغاني البالغ التعقيد الذي قد يدخل مرحلة اشد خطورة اذا تتابعت اشارات الانهيار في باكستان. ان معركة اوباما الحقيقية هي في النجاة من مفاجآت المنجم الآسيوي المليء بالألغام.