مشكلة السدود ليست في أضرارها فقط - حبيب معلوف (السفير)
زاد السجال عن حدوده حول موضوع سد جنة وخرج عن إطاره الحقيقي والطبيعي. فالمشكلة حول سد جنة ليست فنية كما تذهب النقاشات ولا هي سياسية كما تذهب المماحكات. وهي ليست في الموقع وحسن اختياره كما يذهب بعض السماسرة. كما ليست مشكلة السدود محصورة بسد جنة والأضرار الأكيدة التي يتسبب بها على كل المستويات. فحجم الأضرار في موقع سد بقعاته الذي ينفّذ حاليا بالتزامن مع سد جنة، لا يقل فداحة! واد من أجمل الوديان في لبنان يدمر. تنوع بيولوجي فريد تم القضاء عليه من دون أية ضجة تذكر. تراث بكامله يرتبط بتشغيل أهم المطاحن القديمة التي كانت تعمل على قوة تدفق المياه تم القضاء عليه. وقد دمر حجم الردميات الضخم الذي نقل الى مكان آخر (على عجل) أحراجا جديدة تدميرا عشوائيا من دون أن يسأل أحد لا في وزارة البيئة لا في وزارة الزراعة، وقد تم اقتلاع وردم عشرات آلاف الأشجار والنباتات! وهذا ما يدل على أن كل السجالات التي تحصل حول سد جنة تحديدا ليست طبيعية ولا في مكانها الصحيح ومتأخرة فعلا عن مسارها الطبيعي ومقصرة في طرح أضرار السدود الأخرى وخطط المياه عامة. فأين كان المعترضون طوال تلك السنوات الماضية وقد كتبنا في صفحة «بيئة» في «السفير» العشرات من المقالات والتحقيقات والدراسات حول مخاطر مشاريع السدود في «الخطط العشرية» منها وفي تلك الموصوفة بغير استحقاق بـ «الاستراتيجية»؟! أين كان معظم ما يسمى «البيئيين» السطحيين والذين كان بعضهم يعتقد ان تجميع المياه السطحية خلف سدود يجدد في خضرة الطبيعة؟! صحيح أن مقولة «ان نأتي متأخرين خير من أن لا نأتي ابدا»، تنطبق اليوم على الحركة الاعتراضية ضد سد جنة، إلا أن مطلب ان تكون أكثر عمقا وشمولا لا يزال أمامها.
ثم لماذا هذا الإصرار المجنون والمحموم على السدود من قبل المؤيدين وأخذ الموضوع الى صراعات طائفية ومناطقية بغيضة واستباحة كل شيء من أجل التنفيذ؟! لماذا هذا التعالي والتجاهل التاريخي لكل الاعتراضات واستبعاد المعارضين الذين لديهم أفكار ايكولوجية جديدة وبديلة ومجردة عن الاستثمارات من النقاشات؟ لماذا هذه الاستباحة للعلوم ونتائج الدراسات والتلاعب بالمعطيات والأرقام والدراسات والتغاضي عن الآراء المخالفة واستغلال ثقافة الناس القديمة وعواطفهم وخوفهم من شح المياه لتمرير هذه المشاريع والصفقات المكلفة وغير الضرورية؟
لماذا الاستمرار في هذا التغاضي المزمن والتاريخي عن الأسباب الحقيقية لمشكلة المياه في لبنان والتي ملخصها السرقة وسوء الإدارة والتوزيع والهدر في الشبكات والتلوث، والتأخر في وضع الاستراتيجيات وسياسات الترشيد وضبط الاستهلاك في القطاعات المختلفة كافة ... والتي لو تم الأخذ بها وتطبيقها، لما كنا بحاجة الى الحديث عن السدود السطحية والمكشوفة في أي مكان؟ وبما أن السجال أخذ كل هذه المناحي العنيفة حتى تم التهديد بنسف الحكومة وشل كل شيء، ألا يفترض العودة الى الاستراتيجية الوطنية ومناقشتها، بعدما استسهل واضعوها في وزارة الطاقة والمياه تمريرها في مجلس الوزراء العام 2012 بعدما أبعدوا بعض من يخالفهم الرأي بعمق واستغلوا جهل البعض الآخر وتحاصصوا مع البعض الباقي؟
ليست المشكلة في طريقة اختيار موقع سد جنة من النواحي الهندسية والفنية والتقنية، وما كان الموضوع يحتاج الى الندوة التي نظمتها وزارة الطاقة الاسبوع الماضي للدفاع عن خيار السد وموقعه وضمانات سلامته. المشكلة الاساسية التي طالما تناولناها، هي في غياب الاستراتيجية الوطنية لإدارة المياه في لبنان والتي يفترض ان تأتي من ضمن استراتيجية بيئية شاملة أو استراتيجية ما يسمى «التنمية المستدامة». فلو تم وضع هذه الاستراتيجية بحسب أسس علم الايكولوجيا وفلسفتها، لما كنا وصلنا الى خيار السدود المكشوفة، على الاقل كأولوية في البحث والمحاججة والتنفيذ، كما يحصل الآن. فهناك الكثير من الإجراءات التي يفترض تنفيذها لتأمين المياه كأولوية قبل اللجوء الى خيار إنشاء السدود السطحية. فهل تم درس كل الخيارات الممكنة؟ هل تم الاجابة على الأسئلة الاستراتيجية التي تساهم في تشخيص المشكلة وإيجاد الحلول قبل الشروع في وضع خطط السدود؟ هل تم استكمال دراسة «المعطى» من مياه من الطبيعة اللبنانية وقياس المياه السطحية والجارية بشكل ممكنن وممنهج؟
أين المعطيات الأولية؟
لوضع استراتيجية ما عن أي موضوع، لا بد من توافر المعطيات الأولية عنه.
وهنا نستغرب كيف تم وضع «الخطة العشرية» منذ سنوات، و «الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه» (قرار رقم 2 تاريخ 9/3/2012)، من دون أن يكون لدى وزارة الطاقة المعطيات الكافية عن وضع هذه الثروة المائية في لبنان، كما يجزم معظم الخبراء داخل وزارة الطاقة وخارجها!
وهنا نسارع إلى القول، إن وضع استراتيجية لإدارة المياه في لبنان، لا يمكن أن يكون منفصلا عن استراتيجية أعم عن البيئة أو عمّا بات يسمى «التنمية المستدامة»، بمعنى ان تشمل هذه الإستراتيجية كل القطاعات التي هي على ارتباط وثيق مع قطاع المياه، كقطاعات السكان وعددهم وتوزعهم ومعتقداتهم والعمران والسكن والإسكان والسياحة والزارعة والصناعة والطاقة... والتنمية بكل أبعادها. فالمياه مرتبطة باستعمالاتها، كما تتأثر كميتها ونوعيتها بمحيطها البيئي والسكني والعمراني.
كما على الاستراتيجية ان تحدد الأولويات والمعايير التي على أساسها تم اختيار تلك الأولويات. وعلى كل استراتيجية ان تنطلق من فلسفة محددة تبرر الخيارات.
فإذا كانت المياه موردا متجددا ومادة غذائية أساسية للحياة وهي ملكية عامة لا يفترض أن يتملكها أحد ولا أن يتحكم بها أحد، وهي حق من حقوق الإنسان الحالي والآتي، فعلى أية استراتيجية منظمة ان تأخذ بالاعتبار هذه المعطيات، وان تحفظ حقوق الأجيال الآتية، ولا سيما لناحية حماية النوعية.
أسئلة البداية البدائية
فإذا كان هناك إجماع أن 70 في المئة من المياه في لبنان تذهب لاستخدامات الري والزراعة وان بالإمكان توفير 50 في المئة من الكميات المستخدمة في هذا القطاع اذا تم اعتماد اساليب الري الحديثة كالتنقيط والرش وتشجيع الزراعات البعلية... ألا يصبح البحث في هذا الموضوع أولوية على البحث بالسدود المكشوفة، خصوصا ان تجربة إنشاء برك صغيرة للري يمكن أن يكون أوفر وأضمن وأقل ضررا من السدود؟
واذا كان هناك إجماع على ان نسبة الهدر في شبكات التوزيع تقارب 50 في المئة أيضا وبإصلاح الشبكات يمكن توفير نصف المياه الموزعة. وان تركيب عدادات بدل العيارات يمكن ان يوفر اكثر من 30 في المئة من المياه في المنازل وأكثر من 50 في المئة في السياحة. بالاضافة الى تحسين الجباية التي تدنت نسبتها الى ما دون 53 في المئة في ظل كلفة الانتاج المرتفعة أو نسبة الشواغر في الوزارة والمؤسسات العامة للمياه التي بلغت 70 في المئة... ألا تصبح هذه الإجراءات أولوية على إنشاء السدود؟
واذا علمنا أن تنظيم عمل حفر الآبار الارتوازية وإقفال غير المرخص وتركيب عدادات على المرخص يمكن أن يوفر ما يقارب 50 في المئة من المياه الجوفية في لبنان ويساهم في الحفاظ على سلامتها ويؤمن مداخيل مهمة للخزينة... وان استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها يمكن ان يوفر 50 في المئة من المياه المستخدمة في الري والسياحة ويخفف بنسبة 70 في المئة من مصادر تلوث المياه العذبة في لبنان... وان إعادة تنظيم المياه المعبأة وشراء الدولة للحقوق المكتسبة وإعادة الاعتبار للمياه كملكية عامة يمكن ان يوفر مداخيل مهمة للخزينة ويؤمن الحد الادنى من حقوق اللبنانيين لتصلهم مياه الشرب الطبيعية مجانا... فلماذا لم يتم اعتماد هذه السياسات الموفرة بدل وضع الخطط وطلب الاعتمادات لإنشاء سدود مكلفة وخطرة؟
كيف يتم اختيار الأولويات؟
ان القيام بإجراءات موفرة وغير مكلفة كهذه يفترض ان تكون لها الافضلية والاولوية على تخزين مياه جديدة وراء سدود مكشوفة واعادة توزيعها ليضيع نصفها تبخرا، ونصفها الباقي هدرا في شبكات التوزيع! كما ان اعتماد السدود المكشوفة لزيادة تخزين المياه تحت عنوان زيادة ساعات التغذية يفترض ان يتسبب بزيادة حجم مياه الصرف الصحي وزيادة في مشكلتها وفي كلفة معالجتها.
فإذا كنا لا نعرف تماما ما هي الإمكانيات الحقيقية التي لدينا، وكنا نتوقع تغيرا مناخياً وشحاً في المياه وزيادة في الطلب، فعلينا ان نبدأ اولا بالاجراءات الاكثر تحفظا والاقل كلفة.
فتحت دراسة «حزب البيئة اللبناني» بداية العام 2010 ملف المياه في لبنان على اوسع نطاق وحذرت من الاستمرار في سياسات السدود التي تجاوزها الزمن وتناولت الموضوع من محاوره المختلفة، ان لناحية مراجعة المعطيات المتوفرة حول المتساقطات من أمطار وثلوج والمياه السطحية الجارية، الينابيع والأنهار والأحواض الجوفية وشبكات الرصد والقياس القائمة حالياً والخطط المطلوبة لتوسيع وتطوير الرصد، أو لناحية مراجعة استخدامات المياه في السياحة والزراعة والثروة الحيوانية والاستخدامات المنزلية والتجارة (السيترنات والغالونات والقناني...) والصناعة والبيئة، وقطاعي التعليم والاستشفاء (المدارس والجامعات والمستشفيات) والترفيه (النوادي وملاعب الغولف) ومحطات المحروقات (غسيل السيارات). كما فتحت ملف كيفية التوفير والترشيد وإدارة الطلب وهدر الشبكات ومشكلة الآبار الارتوازية وسوء التوزيع وغياب العدالة واستخدام العدادات بدل العيارات والإرشاد الزراعي والتوفير في الاستخدامات السياحية وإعادة الاستعمال في الصناعة ... بالإضافة الى دراسة إمكانية الاستفادة من مقولة «المياه الافتراضية»، لناحية التوفير في التصدير والاستيراد للمواد التي تستهلك القليل من المياه في عمليات تصنيعها.
كما فتحت ملف نوعية المياه: كيفية الرصد وحجم ونوع التلوث ومصادر التلوث وكيفية الحماية والمعالجة. بالإضافة الى ارتباط قضية المياه بطرق ترتيب الأراضي وتشجيع الزراعات البعلية والتقليدية، وطرق حماية الغابات والأحراج وإعادة التشجير ووقف انجراف التربة... التي تعتبر بمثابة البنية التحتية لتخزين المياه.
التخزين والنوعية
كما فتحت دراسة حزب البيئة العام 2010 ملف مصالح المياه ووضعها وحاجاتها ومقترحات إصلاحها ودعمها لمعرفة لماذا تربح مصالح مثل مصلحة مياه بيروت، بينما تخسر مصالح أخرى، بالإضافة الى تقييم تجربة الخصخصة في مدينة طرابلس حيث تؤمن المياه 24 على 24 كما يقال.
بالإضافة الى قضية التخزين والسدود السطحية والبدائل المقترحة انطلاقا من دراسة الوضع الحالي وتجربة سد القرعون (الذي يحكى ان تلوث مياهه أصبحت غير قابلة للمعالجة) وسد شبروح (بكلفته العالية ومخاطره ولا جدواه بالنسبة لبدائل أخرى) ودراسة مخاطر السدود السطحية والبدائل (التخزين الجوفي) وإعادة استعمال المياه المبتذلة المعالجة واقتراحات تحلية مياه البحر ومخاطرها.
كما يتم تناول الوضع القانوني للمياه (المياه كحق وليس كسلعة): المياه كحق من حقوق الإنسان، بالإضافة الى قضية «الحقوق المكتسبة» والخصخصة والإتجار بالمياه وإمكانيات الاسترداد والتعرفة وكيفية تحديدها.
بالإضافة الى قضية المياه المعبأة ووضعها القانوني والمواصفات والرسوم المحصلة والقوانين والمراسيم المقترحة للتنظيم في ظل الصراع بين الشركات المرخصة وتلك غير المرخصة.
كما تم مناقشة «الخطة العشرية» التي وضعت منذ سنوات ولم يتم الاهتمام إلا بالشق المتعلق بتنفيذ السدود فيها، وإلقاء الضوء على المعطيات الرئيسية حولها والبدائل. بالإضافة إلى قضايا مستجدة مثل تغير المناخ وأثره على الثروة المائية على ضوء الدراسات المتوفرة وكيفية وضع خطط المواجهة (التخزين والحفظ والإرشاد) والتعديلات المطلوبة في السياسات.
كما فتحت ملف كيفية معالجة مياه الصرف الصحي، انطلاقا من رصد القوانين الناظمة والإدارة المسؤولة والإستراتيجية المعتمدة وطرق عمل محطات المعالجة المقترحة وكيفية تحديد الأماكن والأحجام ودرجة المعالجة وكيفية معالجة الوحول الناجمة بعد المعالجة، بالإضافة الى الإطار التنظيمي والتشريعي والمواصفات، مع إمكانية درس تجارب في التنفيذ ومشكلة المحطات الصغيرة في المناطق وحول إمكانيات اعتماد المياه المعالجة كبديل.
فلماذا تم تجاهل كل هذه القضايا وغيرها وتم حصر النقاش في سد جنة دون غيره؟!
دفاع وزارة المياه عن نفسها
نظمت وزارة الطاقة والمياه ندوة خاصة الاسبوع الماضي للدفاع عن سد جنة، استعانت فيها بشركة خطيب وعلمي لشرح «الأسباب التي أدت من الناحية الهندسية والفنية والتقنية الى وجوب تحديد الموقع الأنسب للسد على مجرى وادي نهر إبراهيم، حيث تم ترك الموقع الذي كان ملحوظا في الخمسينيات نظرا للعديد من الشوائب الجيولوجية التي اعترت هذا الأخير وتم وضعه في موقع اتفق عليه كل الخبراء العالميين المستقلين والاستشاري الأجنبي ARTELIA، وقد تم اختيار الموقع الأنسب للسد بما يضمن السلامة العامة وسلامة السد».
كما استعانت بخبراء للتأكيد أن «السد صمم لمقاومة الزلازل الكبرى بدرجة 7.5 وأنه عند حدوث هذه الزلازل قد يبقى السد في الوقت الذي تدمر كل المنشآت في حال حدوث زلازل كهذه، ما يشير الى ثباته». بالاضافة الى الاستعانة بخبير جيوفيزيائي للقول بأنه ليس هناك فوالق متحركة في موقع السد وفي حوض التخزين، وقد جرى أخذ الفوالق التي تبين أن أي فوالق متحركة بعيدة عن موقع المشروع.
العجز وزيادة الطلب
يتحدث وزير الطاقة ارتور نظريان دائما عن «العجز الحاصل في الميزان المائي منذ عشرات السنين»، وذاك الذي «جاء نتيجة للتغير المناخي» بالإضافة الى مقولة «الطلب المتزايد على المياه، الناجم عن تطور عدد السكان ونمو القطاعات كافة...» وقد أضيفت في السنوات الأخيرة حجة «مشكلة النازحين التي أرخت بثقلها على كل القطاعات الخدماتية وبخاصة المائية منها...الخ.» وهو يذكّر بالأرقام عن «تخطي حجم الطلب الحجم المستثمر من المصادر المائية الحالية كافة، بما فيها الينابيع والآبار والسدود، بحوالي 500 مليون متر مكعب من المياه سنويا، ما دفع الجهات الرسمية والمواطنين الى الاعتماد أساسا على المياه الجوفية لسد حاجاتهم». ليستنتج «ان اللجوء الى المياه الجوفية سد بعض العجز المائي ولكنه لم يشكل حلا مستداما وصحيا له لأن المبدأ العلمي الأساسي يقول بعدم اللجوء الى المياه الجوفية إلا بعد استغلال ما أمكن من المياه السطحية»، مؤكدا انه يجري استغلال المياه الجوفية استغلالا عشوائيا واستنزافيا...الخ
الهدر وسوء التوزيع
إلا أن التدقيق في هذه الحجج، يظهر انها ليست واقعية على الإطلاق، فكيف تم سد «العجز في الميزان المائي منذ سنوات»؟ أليس بواسطة السيترنات؟ وهل كان هناك سمة شح مر بها لبنان أكثر من سنة 2014؟ كيف تم تجاوز الازمة مع ان سد جنة لم ينجز بعد وسد شبروح بقي فارغا... أليس بواسطة السيترنات؟ وهل السيترنات من مياه لبنان أم من خارجه؟ هي من لبنان بالتأكيد. اذاً المشكلة ليست في قلة المياه، بل في سوء توزيعها. وهذه المشكلة التي أُغفلت طوال كل تلك السنوات والهروب نحو الاستمرار في سياسة السدود! ثم مسؤولية من الترخيص للآبار الجوفية (التي تخطى عددها الـ70000 بئر!)؟ ومن المسؤول عن كل تلك الفوضى في السحب من باطن الارض المياه التي تعتبر فعلا استراتيجية ويفترض عدم المس بها إلا في سنوات الشحائح؟ ثم عندما يقال انه يجب الاستفادة اولا من المياه السطحية، وهو مبدأ صحيح، ما المقصود بالسطحية غير المياه المتفجرة في ينابيع وليس تلك المجمعة خلف سدود اصطناعية وسطحية. وهل بحثنا في إمكانيات تعزيز التخزين الجوفي بدل اللجوء الى السدود السطحية؟ ومن الذي أوحى طوال السنوات الماضية بلا جدوى ولا كفاية التخزين الجوفي (غير المكلفة) وأصر على صفقات السدود السطحية المكلفة؟
ثم أين الخطط المتكاملة لإدارة المياه؟ وهل نريد أن نروي بيروت من سد جنة (70 مليون متر مكعب) ام من سد بسري أم من الليطاني؟ وهل حسبنا كلفة معالجة مياه السدود المكشوفة والملوثة حتما بالمقارنة مع استخدام مياه التخزين الجوفي؟ ثم أين ينابيع قضاء جبيل حتى نلجأ لسدود مكلفة لتوفير 25 مليون متر مكعب من السد؟
أما حول حجة توليد 100 ميغاوات من الطاقة الكهرمائية باستحداث معمل جديد وحوالي 40 ميغاوات من خلال تأهيل المعامل الثلاثة القائمة، فإننا نسأل هل تم دراسة كل الإمكانيات لتوليد الطاقة الكهرمائية من كل المجاري الطبيعية وتطوير المعامل الموجودة، قبل أن نعتمد على المعامل الحرارية، مع العلم أن إنتاج الطاقة من المعامل المائية كان يشكل 79 في المئة من مجمل الطاقة الكهربائية في لبنان سنة 1969 ثم انخفض الى 15 في المئة العام 1994 لينحدر الى ما بين 4 و6 في المئة في الوقت الحالي.
أي معنى للأثر البيئي؟
من جهة اخرى، لا يحق لوزير الطاقة السابق جبران باسيل أن يقول «ان النقاش الوطني حول السدود استنفد»! واذ يعترف بأن هذا الموضوع استراتيجي، فإن النقاش حول هذا الموضوع لا يمكن أن يقفل. كما ان النقاش الحقيقي حول الاستراتيجية التي أشرنا اليها لم يفتح اصلا. وقد تم استبعاد كل الآراء الاستراتيجية غير المؤيدة لخطط السدود من النقاشات، وتم الاكتفاء باستشارة المؤيدين، في مرحلة مناقشة «الاستراتيجية» التي أعدتها الوزارة نهاية العام 2010، قبل ان تعرض على مجلس الوزراء العام 2012 ويتم إقرارها.
كما ان مشكلة السدود المكشوفة لا تختصر في كونها موجودة على فوالق زلزالية، بل بكون الطبيعة الجيولوجية في لبنان، متكونة طبيعيا من طبقات أرضية متشققة تسمح بتخزين المياه تحت الارض. وكان على الخطط ان تكمل هذه الآليات الطبيعية في التخزين بدل ان تتحداها بسد مجاري الانهر.
أما حول دور وزارة البيئة وصلاحياتها في وقف أعمال السد ام لا. فلطالما حرّضنا وزارة البيئة على أن تقوم بدورها الطبيعي الذي لا يقتصر على دراسة الاثر البيئي للسدود، بل لإجراء الدراسات الاستراتيجية للبيئة وللتنمية المستدامة والتي يفترض ان تبين طبيعة النظم الايكولوجية اللبنانية التي تولد المياه وتحفظها والتي تعتبر المياه جزءا منها، بالإضافة الى دراسة الاستخدامات كافة وطرق الترشيد والتوفير فيها. وبالتالي القوانين تسمح للوزارة باقتراح وقف خطط السدود أو عدم وضعها في اولويات الاستراتيجيات والضغط لاتخاذ الاجراءات الموفرة اولا والبدائل الممكنة... وهذا الموقف المتشدد كان يجب ان يسبق طبعا صرف مبلغ 100 مليون دولار على مشروع سد جنة، التي أعلن عنها الوزير باسيل!
التقييم البيئي الاستراتيجي
يمكن الرد على باسيل ان السجال حول السدود لم يتوقف، وان الاعتراضات على سد جنة وغيره من السدود لم تتوقف، وان مرسوم دراسة التقييم البيئي الاستراتيجي صدر العام 2012 بعد استراتيجية المياه وقبل البدء بالتنفيذ وان وزارة البيئة كانت تعمل على دراسة التقييم البيئي الاستراتيجي لاستراتيجية وزارة الطاقة والمياه بين العامين 2013- 2014 والتي نشرها وزير البيئة (بتحفظ وزارة الطاقة والمياه) في العام 2015، علماً أن إعداد هذه الدراسة كان منصوصاً عليه في الاستراتيجية نفسها وهو أتى ايضاً تطبيقاً للمرسوم، وقد تم تجاهل وتجاوز كتب وزير البيئة لناحية وقف العمل بالسد لحين إنجاز الدراسة...الخ إلا أن كل هذا السجال لا ينفع اليوم ولا يقدم دليلا إضافيا على تخبط الحكومة وضعف الانسجام والتنسيق بين الوزارات، مع الإشارة الى ان الاكثرية الساحقة من أعضاء الحكومة ومجلس النواب لا يذهبون باتجاه نقد سياسات السدود السطحية. كما ان المعترضين منهم على سد جنة تحديدا، لا يبالون بباقي «الارتكابات» في مناطق اخرى بحق الطبيعة والثروة المائية نفسها (كسد القيسماني وسد بقعاته على سبيل المثال) ولا يذهبون بعيدا في نقد الخطط التي تعتمد اعتمادا رئيسيا على السدود، وتهمل إجراءات الترشيد ووقف السرقة والهدر والتلوث وحسن وعدالة التوزيع.
التخزين الجوفي أفضل من السدود السطحية
تعتبر طريقة التخزين الجوفي أفضل بما لا يقاس من إنشاء السدود فوق سطح الأرض:
- ان طبيعة لبنان لا تشجع على التخزين السطحي كون غالبية الوديان في لبنان تعتبر ضيقة وتحتاج الى إنتاج سدود عالية وبكلفة عالية أيضا.
- ان كلفة التخزين الجوفي لا تقاس بالكلفة العالية جدا لبناء السدود السطحية. وكانت بعض الدراسات قد قدرت كلفة التخزين السطحي بأكثر من 25 دولارا اميركيا للمتر المكعب من دون احتساب زيادة الكلفة اليوم وقضية الاستملاكات.
- ان التخزين الجوفي لا يتطلب استملاكات للأراضي (وفتح مشاكل مع المالكين كما يحصل الآن) ولا تخريب المناطق (سواء أكانت حرجية ام زراعية ام حتى جردية) ولا لنظمها الايكولوجية أثناء الإنشاء. كما لا تتطلب بناء الجدران المفترض ان يكون مدعما جدا ومقاوما للزلازل.
- ان للسدود السطحية فترة حياة محددة. ان لناحية تشغيل أداوت ومعدات المشروع أو لناحية انخفاض سعة التخزين مع الوقت بسبب الترسبات في حوض السد، أو لناحية انهيار المواد التي يتم حقن الارض بها لعدم التسريب.
ـ ان طبقات الارض في لبنان، تسهل عمليات تسرب المياه من أجل التخزين الجوفي، ولا تتلاءم مع أسلوب التخزين السطحي، الذي يحتاج الى حقن تشققات الارض بالباطون أو بمواد اخرى بكميات كبيرة ومكلفة جدا لوقف التسرب الحتمي في اية منطقة من لبنان!
ـ في عملية التخزين الجوفي لا يحصل تبخر كما هي الحال مع التخزين السطحي.
ـ التخزين الجوفي يساهم في تصفية المياه، بينما يزيد التخزين السطحي من تلوثها، ما يحتم إيجاد محطات تكرير قريبة من السد لمعالجة المياه كما يحصل في شبروح... ما يتطلب كلفة إضافية عالية لإنشاء المحطات وتشغيلها وصيانتها... لترسل في النهاية المياه «المعالجة» للناس وليس الطبيعية!
ـ ان التخزين الجوفي المقلد لحركة الطبيعة يحمي المياه من التبخر والتلوث والتسرب ايضا ولا يحمل مخاطر مستقبلية، بينما نغامر كثيرا في بناء السدود الكبيرة في بلد مثل لبنان على خط الزلازل.
- ان إنشاء سدود مكشوفة في بلد مقاوم وغير مستقر كلبنان، ولديه أعداء طامعون بمياهه، ولديه تجارب ومعرفة أكيدة بعدائية عدوه وأذيته، وتجارب في ضرب بناه التحتية، لا يفترض أن يغامر ويقوم ببناء سدود مكشوفة ومكلفة ويجعلها أهدافا سهلة لعدوه.
ـ تعتبر طريقة التخزين الجوفية أكثر أمنا من إنشاء السدود السطحية التي تشكل خطرا على الطبيعة لناحية تغيير النظم الايكولوجية الذي لا تحمد عواقبه، أو لناحية مساهمة السدود في زيادة تغير المناخ، لا سيما عندما تكون في مناطق غنية بالتنوع البيولوجي.
- لا أحد في العالم يستطيع تقييم مخاطر وانعكاسات تغيير النظم الايكولوجية وتحويل المناطق، من مناطق جافة صيفا، الى مناطق رطبة بسبب السدود المكشوفة وتجميع المياه، ولا أحد يستطيع أن يقيم أو يتوقع حجم وأنواع الامراض التي يمكن أن يتسبب بها تغيير النظام الايكولوجي على الحيوان والنباتات والانسان ولا الكلفة الصحية التي ستنجم عن معالجة تلك الأمراض المستجدة.
قواعد الفلسفة الحفاظية
يفترض في استراتيجية عادلة لإدارة المياه ان تنطلق من الفلسفة الحفاظية (الحفاظ على الموارد) في مقاربتها لطرق ادارة قضية المياه وان تقدمها على فلسفة التنمية القائمة على الزيادة المطردة، الزيادة غير الطبيعية في الطلب والزيادة في المشاريع (غير الطبيعية ايضا) لتأمين الطلب! على قاعدة ان إعادة النظر بسياسات المياه وإدارتها وإدارة الطلب، وإعادة النظر بطرق التوزيع والحفظ والتخزين والترشيد... كافية لتأمين المياه للجميع، من دون الحاجة الى اللجوء للقيام بمشاريع كبرى كالسدود المكشوفة.