لفشل ليس قدراَ - غسان العياش)
كان يمكن لفشل النظام اللبناني والأداء السياسي الرديء أن يتسبّبا في انتشار اليأس بين اللبنانيين، وأن يرسّخا في أذهانهم أن بلادهم لا حاضر لها ولا مستقبل. لكن الأنباء التي ترد، بين حين وآخر، عن التفوّق الباهر الذي يحرزه لبنانيون على المستوى الدولي ترسّخ الاقتناع بأن الفشل يقتصر على الإدارة السياسية والنظام السياسي، وليست قدراً محتوماً للبنان واللبنانيين.
في ذروة التخبّط حول انتخابات رئاسة الجمهورية، وتعطّل القرارات والخيارات والمؤسّسات، نشرت مجلة «فوربس» العالمية الذائعة الصيت أن لورا ماريا باز، ابنة الستة وعشرين عاماً، حققت، من مقرّ عملها في لندن، نجاحاً باهراً في أكثر مجالات التمويل الدولي تقدّماً وتعقيداً. فقد احتلت موقعها بين أوّل ثلاثين مدير استثمار في أوروبا من خلال عملها في مجموعة Vitol العملاقة، التي بلغ حجم أعمالها سنة 2014 ما يقارب 270 مليار دولار. في المجموعة تدير لورا بنجاح، مع فريق عمل صغير، مليارات الدولارات في صندوق استثمار متخصّص في قطاع النفط.
هذه الصبيّة الواعدة، بنت دير القمر وكريمة المصرفي والاقتصادي البارز فريدي باز، لا تضطرب لكونها، على صغر سنّها، تدير هذا النوع من الاستثمارات الخطرة في ظل التراجع الدراماتيكي لأسعار النفط. بل هي تحاول، تواضعاً، إخفاء شجاعتها وميلها إلى المغامرة المحسوبة، فتقنع نفسها وتقنعنا بأنها تدير، ساعة بساعة، مليارات الدولارات في فروع للصناعة النفطية لا تتأثر مباشرة بأسعار النفط.
من يقارن نبوغ لبنانيين، مسيحيين على وجه الخصوص، مع مسار الحياة السياسية اللبنانية، وضمنها التنافس بين القادة المسيحيين، سرعان ما يكتشف أن هناك بَوناً شاسعاً بين ألق هؤلاء المتفوّقين وبين تردّي وانحطاط الممارسة السياسية. فبينما يلمع لبنانيون بالمعايير الدولية وفي أهمّ مؤسّسات العالم، تتصف إدارة بعض المعارك السياسية في لبنان بالتخلف والأنانية والشخصانية المجردة وقصر النظر.
قيادات الصف الأوّل المسيحية، المارونية خصوصاً، يجب أن تحاسب قبل سواها عن هذا السلوك، لأنها تنبثق من مجتمع متنوّر، حظي في وقت مبكّر بفرص التعليم والثروة.
منذ الاتصال الأوّل بموارنة لبنان، قبل ألف عام، أبدت الكنيسة الكاثوليكية الأمّ اهتماماً خاصاً بالموارنة وكنيستهم، وبذلت مجهوداً كبيراً لتطويرهم من ضمن اهتمامها بنشر النسق اللاتيني في كل المشرق. كلفت الآباء الفرنسيسكان ثم الرهبان اليسوعيين برعاية الطائفة ففتحوا أمامها أبواب المدارس والتعليم، إلى جانب مدرسة روما، صاحبة الدور البارز في تعليم روّاد المجتمع الماروني.
تأسيس الرهبنة اللبنانية أواخر القرن السابع عشر نشر المدارس والأديار في الجبل اللبناني مثل الفطر، وقد تلاه، بل نتج عنه، الإصلاح الكنسي والاجتماعي في مجمع اللويزة سنة 1736، الذي فرض التعليم واجباً على العائلات المارونية، وتدخّل في أساليبه ومناهجه.
من جهة أخرى، أمسك المسيحيون بمنابع الثروة منذ بداية القرن العشرين، حتى قبل الانتداب الفرنسي على لبنان. وقتها، كانت بيروت تصدّر 90% من الحرير المنتج في برّ الشام، وكان سبعة تجار فقط يستأثرون بأكثر من 70% من صادرات الحرير اللبناني. التجار السبعة هم أربعة مسيحيين وثلاث شركات فرنسية. نصف صادرات الحرير للبناني كانت بيد ثلاث مؤسّسات تجارية هي بسّول وفرعون اللبنانيتان وشركة إينار الفرنسية. ولما جاء الانتداب الفرنسي أرسى مصالح وشركات اقتصادية كبرى، كان لمسيحيي لبنان إسهام رئيسي فيها.
العلم والثروة هما قاعدة التطوّر والتفوّق والنبوغ. فأين سمات هذا المجتمع المتفوّق في الممارسة السياسية الراهنة؟ إن رئاسة الجمهورية لا تبرّر التردّي الراهن في مستوى الصراع، ولا في الأداء الذي شلّ البلد ودفع شعبه إلى مزيد من الفقر. كل رئيس يأتي نتيجة هذا الصراع هو أقلّ أهمّية، بما لا يقاس، من المسيحيين الذين برزوا وجلّوا في ميادين التجارة والمال والتكنولوجيا والعلوم والطبّ والموسيقى والآدب.
مجلة «فوربس»، بتسليطها الضوء، في هذا الوقت بالذات، على تفوّق صبيّة لبنانية بعمر لورا ماريا باز، كأنها تنهر «شيوخ» السياسة عندنا، لعلهم «يتعظون».