وقف «ترحيل» وزارة البيئة - حبيب معلوف (السفير)
لعدم إضاعة المزيد من الوقت، يجب وقف حفلة الجنون في ادارة ازمة النفايات والعودة الى العقل. وهذا يتطلب بداية وقف هذه المهزلة التي أطلق عليها اسم «الترحيل»، والبحث عن حلول في لبنان. كما تتطلب العقلنة اعادة الملف الى الوزارة المعنية، ووقف كل هذه الفوضى والعشوائية في اقتراح الحلول. فهل يعقل ان يصبح ملف إدارة النفايات الصلبة في وزارة الزراعة للترحيل وان يتطوع وزيرا التربية والسياحة (السابق) لإيجاد حلول جزئية في بعض المناطق واحتلال الشاشات لشرح التقنيات والخيارات والأسعار، وفتح بلديات على حسابها... في وقت يهتم وزير البيئة، المعني الأول في إدارة هذا الملف بالإعلان عن وضع المشاريع الدولية في وزارته؟!
مناسبة هذا الكلام تسريب البعض معلومات مسبقة عن فشل عمليات الترحيل وإعادة الرهان على المناقصات التي لم تكن مقبولة لحظة وضع مجلس الوزراء أسسها العوجاء ولحظة وضع دفاتر شروطها الخرقاء التي اسقطتها الحكومة الهوجاء بعد ان اسقطها الإعلام المتخصص والحراك المنزعج من رائحة النفايات وصفقات هذه المناقصات.
الدعوة للعودة الى العقل، لا تعني ان الذين يهتمون بهذا الملف بشكل او بآخر الآن، من دون عقل. فالسماسرة لديهم عقل وكذلك التجار والصناعيون وأصحاب المصالح وخبراء الشركات والمستثمرون والجمعيات... ولديهم الحق جميعا في ان يطرحوا ما أرادوا من حلول، ولكن اين عقل الدولة من كل هؤلاء؟ فاذا كانت الدولة هي عقل المجتمع، كما يفترض، فالوزارة المعنية يجب ان تشكل عقل الدولة وان تتقدم باستراتيجيات وخطط أقرب ما تكون الى الشمولية والعدالة البيئية أولا، وتأخذ بالاعتبار كل المعطيات الطبيعية وكل هذه المصالح. وهذا ما لم يحصل تاريخيا ولا مؤخرا.
ما يحصل الآن (وتاريخيا) في إدارة هذا الملف، ان النقاش دائما هو بمثابة صراع على آخر سلم الحلول، أي بمعنى الصراع على أي تقنية او صناعة يجب ان نعتمد في نهاية المطاف (وليس في أوله)، صناعة الحرق ام صناعة التخمير والطمر، ام صناعة إعادة التصنيع والتدوير...الخ في حين ان المطلوب، وضع استراتيجية للإدارة المتكاملة للنفايات، تقوم أولا على التصنيف ثم على التخفيف ومن ثم الفرز... وبعدها يمكن اعتماد أي من التقنيات والصناعات المقترحة والمذكورة وفق آليات ومواصفات وشروط عالية. ولا معنى بالتالي لكل الصراخ والتشبيح الذي نسمعه من أصحاب مصالح معينة (كاتهام شركة للترويج لشركة أخرى منافسة) عندما يتم تطبيق هذه الاستراتيجيات بشكل متكامل. فتصنيف النفايات ومعرفة مكوناتها يسهل عملية وطرق المعالجة، وهنا يتدخل مبدأ «التخفيف» القائم على وضع نظام ضرائبي على السلع التي تصعب معالجة نفاياتها او التي تتطلب معالجتها كلفة عالية. كما ان وضع مواصفات وشروط عالية لصناعات التدوير والحرق والطمر يمكن ان يحدد الاتجاهات من دون هذا الضجيج المدمر. وهنا يمكن القول ان كل كلام عن الكلفة والصراع حولها مع الكثير من الادعاءات والمزايدات والكذب، لا معنى له وفق المعايير البيئية. فالمبادئ البيئية تقول: قل لي «كيف» تعالج أقل لك ما هي «الكلفة» التي تشمل كلفة المعالجة مع كلفة الاثر البيئي على المدى المتوسط والبعيد. ولا معنى بالتالي للمفاضلة بين التقنيات بكل هذا التبسيط الذي نسمعه كل يوم، لا سيما لناحية الكلفة. فحتى داخل التقنية نفسها، هناك فروقات هائلة في كيفية المعالجة. فيمكن لكلفة الطمر ان تتراوح بين الـ20$ والـ200$ للطن. وكذلك الامر بالنسبة للحرق وإعادة التصنيع. فكلما تم تحسين الشروط لحماية البيئة باتجاه عدم ترك أي أثر سلبي، كلما زادت كلفة المعالجة. وعبثا نحاول اليوم ان نحل مشاكلنا من دون هذه الاستراتيجية المتكاملة التي على أساسها يتم وضع الخطط والسياسات ومن ثم المناقصات والتلزيم بشكل شفاف وعادل.
ومن العبث ايضا الاستمرار في هذا السجال حول آخر حلقة في السلسلة الطويلة من المعالجات والتفكير بحالة الطوارئ التي تنقلنا من كارثة الى أخرى... من دون إعادة الأمور الى نصابها. فليس من المنطق والعقل ان نعالج خطأ بخطأ أكبر! فاذا فشلت مناقصات وزير البيئة، هل نوزع صلاحياته على وزارات أخرى ونذهب الى الترحيل؟! فإما ان يغير الوزير او ان يتغير. وقد اثبتت التجارب ان لا معنى للحديث عن الحالة والحلول الطارئة اذ لم تكن مطعمة باتجاهات إستراتيجية يمكن المباشرة بها فورا كالتخفيف والفرز. فلو ذهبنا مباشرة بعد فشل المناقصات (التي كنا قد حذرنا من اسسها ونتائجها الفاشلة)، الى اعتماد استراتيجيات وخطط متكاملة مختلفة، لما كان هذا الخيار تطلب الوقت الذي تطلبته المفاوضات حول الترحيل (غير الأخلاقية وغير العقلانية وغير القانونية) الفاشلة. فهل نضيع الوقت والفرص من جديد، ام نعود الى العقل والاستراتيجيات الأكثر عدلا واستدامة والتي يمكن للحلول الطارئة ان تكون مقبولة معها؟
وبالمناسبة، كنا قد اقترحنا الاسترداد وليس الترحيل للنفايات الخطرة المنزلية، أي ان نضع نظاما لكي تسترد البلدان (والشركات) المنتجة بضاعتها لتعالجها عندها، لا سيما النفايات الالكترونية والطبية والكيميائية التي في غالبيتها الساحقة مستوردة.
اما كان أشرف لنا أخلاقيا وماديا «يا أصحاب المعالي» ان نتحدث بمنطق الاسترداد بدل لا منطق الترحيل؟