الصلابة - حبيب معلوف (السفير)
كل يوم إضافي يمرّ من عمر أزمة النفايات الصلبة، يمكن أن نعود للسؤال التالي: لماذا كل هذا الرفض وهذا الخوف من النفايات الصلبة؟ وماذا عن النفايات السائلة (في طليعتها المياه المبتذلة)؟ لماذا لا يتكلم أحد عنها، بحدة، مع أنها أخطر على البيئة والصحة وسلامة المياه والغذاء؟
انطلاقاً من ذلك يصبح السؤال الأكثر مشروعية، بأن هناك شيئاً غير طبيعي للتركيز فقط على النفايات الصلبة. هل لأنها صلبة في طبيعتها؟ منظورة؟ ام لانه بات لها تاريخ؟
ليست مشكلة النفايات الصلبة في عمقها مشكلة شركة ولا في تجربة مطمر، كما درج على تصويرها. كما انها ليست في العقود ولا في الخطة الطارئة. فمن تابع هذا الملف منذ بداية التسعينيات مع نهاية الحرب الأهلية يعرف ان المشكلة بدأت بالظهور مع نهاية الحرب الاهلية واغلاق مكب النورمندي. وأن قضية إيجاد الأمكنة للمعالجة كانت هي دائماً المشكلة والعائق امام ايجاد الحلول لاسيما في المدن او في القرى والضواحي التي اصبحت بمثابة مدن.
فتحنا في أكثر من محطة منذ العام 1997 ملف مطمر الناعمة والتلزيمات وتجاوز بنود العقد، على الاقل لناحية الكميات المرسلة الى المطمر او لناحية كميات الفرز والتسبيخ. فكان الجواب يأتي من الشركة الملتزمة بأنه تمت زيادة عدد البلديات وحجم النفايات من دون ان يحصل تعديل في الخطة والمواقع، وأنها أرسلت العديد من الكتب الى الادارة (مجلس الانماء والاعمار) عن حاجتها الى توسيع المعامل لتخفيف الكميات التي تذهب الى المطمر في الناعمة وأنها لم تحصل على جواب. وعندما كنا نسأل «الإدارة»، لماذا لم تؤمن البديل قبل أن نصل إلى المشكلة، كان يأتي الجواب، انه تم إرسال الكتب الى مجلس الوزراء وأن الأخير كلف لجاناً وزارية وان الوزارات المعنية اقترحت خططاً جديدة بمواقع جديدة لأكثر من مرة، مع محفزات أعطيت للبلديات التي تقبل بتقديم اراضي للمعالجة، إلا أن ذلك لم ينجح، وتم التمديد للحالة التي كانت قائمة لكي لا تتراكم النفايات في الشوارع. والكل كان يعرف أن بلديات بيروت والقسم الأكبر من جبل لبنان، لم تكن مكرهة على القبول بخطة الطوارئ، لأنها تعرف سلفاً أن المواقع هي العقدة الأساس، وان البديل، ان لم يكن مدروساً هو المكبات العشوائية والفوضى القاتلة، كما يحصل الآن.
يمكن ان نستنتج من هذا السرد التاريخي أن المشكلة الاساس في ادارة هذا الملف، كانت في ايجاد المواقع ولا تزال وليس في التقنيات ولا في الأسعار لاسيما في مناطق بيروت وجبل لبنان. بالإضافة طبعاً الى مشكلة عدم وجود استراتيجية لإدارة هذا الملف تضعها الوزارات المعنية وتتبنّاها الدولة.
فكفى مزايدات وتحويراً وتشويهاً للحقائق وتشاطراً في تحميل الآخرين المسؤوليات. فهل مشكلة النفايات في سعر المعالجة؟ أم باتت قضية نفسية وقلة ثقة بالدولة والنفس؟ فعندما يعترف مسؤول سياسي، شغل هو أو جماعته مناصب وزارية ونيابية، بأن لا ثقة بالدولة، ألا يعني ذلك انه غير جدير بالثقة هو نفسه أيضاً، لكونه جزءاً من هذه الدولة؟
في المقابل، يجب على الحراك ان يسأل نفسه: لماذا بقي الناس على البلاكين والشرفات ولم يشاركوا في مسيرة سد البوشرية - النهر أمس الأحد، مع أن النفايات كانت قد تدفقت من امام منازلهم قبل ايام كالنهر؟
لا شك في أن هناك قلة ثقة يجب أن يعالجها الحراك في خطاباته (كما السلطة). فالناس لا تنظر الى المشكلة بمجرد شعار تبسيطي يدين الفساد. فهم يعرفون أن النفايات كانت تجمع من الشوارع بشكل جيد ومقبول قبل إقفال مطمر الناعمة، وبالتالي يعرفون أن العلة هي في المكان اكثر من أي شيء آخر.
ثم كيف يثق الناس في حراك او جمعيات، لم تنتظم تاريخياً في أحزاب جديدة وجدية لها خلفية فكرية وبرامج مدروسة ولديها إطار تنظيمي ديموقراطي فرز قيادات معروفة وموثوقة؟ كما يمكن ان يسأل الناس أنفسهم: الا يعتبر أي استهلاك زائد من أي نوع، لاسيما من غذاء تمّ تحضيره في منزل او طلبه من مطعم، وأي مقتنيات وسلع، زائدة أيضاً عن حاجتها، «فساداً» أيضاً؟
فبعيداً عن التبسيط والرفض المطلق لأي شيء، ومع القليل من المصداقية والتواضع ومراجعة الذات الهادئة، يمكن أن نصل الى بعض الحلول المؤقتة وتلك الأكثر استدامة، التي تتطلّب مراجعة كبيرة لنمط الحضارة مع مستتبعاتها السياسية والاقتصادية والقيمية... مع التنبّه إلى أن الصلابة في المواقف في هذا الزمن السائل، هي غير الصلابة في النفايات.