أزمة الخبراء - حبيب المعلوف (السفير)
ضج لبنان مؤخرا بكثرة الخبراء أكثر من ضجيجه بكثرة النفايات في الشوارع. وقد ساهم فتح بعض الاعلام المرئي الهواء بشكل شبه دائم، في زيادة تدفق وظهور الكثير من المهتمين والعارفين بكل شيء. صحيح ان المشكلة حمّست كثرا للتعبير عن الغضب حول ما وصلت اليه الأمور من تراكم للنفايات في الشوارع وقول أي شيء للاعتراض وتحميل المسؤوليات... الا ان ذلك لم يحجب ضياع المعايير، ان عند السطلة المسؤولة، أو عند الإعلام، أو عند «المرجعيات العلمية»... وقد تلبنن كل شيء تقريبا، من العلم الى الاعلام الى ما يسمى المجتمع المدني.
إلا ان المشكلة تفاقمت أكثر عندما حصل ذاك الدمج العجيب بين كثرة الخبراء وكثرة الآراء، فضاع الجميع، وساهم كل ذلك في إضعاف الثقة (الضرورية لإنتاج أي حل) بدل تدعيمها... وقد كمّل كل هؤلاء ما بدأته السلطات (غير المسؤولة) طوال فترة عقود التي استباحت كل شيء وقصرت وتقاسمت الحصص وأهملت معالجة ابسط القضايا وتحمل مسؤولياتها ووظفت حسب الولاءات لا حسب الكفاءات وضربت كل القيم التي تقوم عليها الدول والمجتمعات. وإذ لا حاجة الى العودة الى السلطات المتشعبة والحكومات المتعاقبة والبرلمانات (غير المنتجة بقوانين عادلة) لتحميلها المسؤوليات، نعتبر انه حان الوقت للبحث في مصادر ومسؤوليات «السلطات العلمية» ايضا، التي يفترض ان تشكل المرجعية للسلطة السياسية والاعلام والمجتمع، والتي يفترض ان تتولى صياغة الخطط والتدقيق بالتقنيات للمعالجة والمفاضلة بينها. فمن اين استمدت السلطات المتعاقبة كل تلك الخطط الفاشلة التي وضعتها لإدارة النفايات منذ انتهاء الحرب الاهلية؟
مع تفاقم الازمة وتأخر إنتاج وإنضاج الحلول (القريبة والبعيدة المدى)، ومع كثرة الآراء المؤيدة او المعارضة للخطط (الطارئة والاستراتيجية منها) وترك المشكلة تتفاقم لفترة طويلة، بات ملحا ومشروعا طرح السؤال التالي: من أين يستمد «الخبراء» مشروعيتهم وعلمهم؟ وما هي المسؤوليات التي يفترض تحميلها للسلطات العلمية؟ وأين تنتج الخبرات؟ وكيف تتراكم؟ وما الذي ينقصها حتى تصل الى أهدافها وتساهم في حل المشاكل بدل ان تتحمل جزءا من مسؤولية تعثرها كما يحصل الان؟
وتتضاعف أهمية هذا السؤال بمناسبة افتتاح المؤتمر الدولي الـ15 لإدارة النفايات اليوم في سردينيا والذي تشارك فيه جامعات وشركات متخصصة وإعلام متخصص، يساهمون جميعا في إنضاج الاستراتيجيات والتقنيات والحلول ومناقشتها. وواضح من طريقة تنظيم المؤتمر وبرامجه، انه يدمج بين العلمي والأكاديمي وعمل القطاعين العام والخاص بالإضافة الى الاقتصادي والاجتماعي والفلسفي والاستراتيجي. وهو ما كنا نحتاجه وما نفتقده في لبنان لإدارة مشاكلنا بشكل عام ومشكلة النفايات بشكل خاص. ولعل العبرة الأولى التي يفترض أخذها من مشكلتنا الأخيرة، على المستوى العلمي التقني، ان على ما يسمى «الخبراء» ان يتواضعوا قليلا، لان شيئا في العلم والعالم لم ينتهِ، وان هناك حاجة دائمة لسماع الآخر من خلفيات واختصاصات مختلفة، بالإضافة إلى الحاجة لتحديث المعلومات والاطلاع على كل ما هو جديد. وكما هناك علوم، هناك فلسفة العلوم (يفترض التأسيس عليها) التي تدقق في المناهج المتبعة وفي مواضيع العلم وتحاول الفصل بين العلمي والتجاري، تماما كما كان يجب أن يفعل الحراك عندما خلط بين آراء المستثمرين في القطاع وآراء الخبراء المجردين والتنبه دائما، ان الدول عندما تضع سياساتها، تستمع الى الأطراف كافة، من سياسيين وطنيين الى المحليين، ومن الاكاديميين ومن الشركات، من القطاع العام ومن الخاص كما من القطاع الأهلي...الخ الا أنها في النهاية، عندما تضع الاستراتيجيات، عليها ان تستعين بمفكرين استراتيجيين لا بخبراء تقنيين فقط، بالإضافة الى الاستعانة بعلماء الاقتصاد والاجتماع والنفس والفلسفة لمعرفة كيفية التعامل مع الناس وتقبل السياسات والخطط. وهذا ما لا نزال نراهن عليه، عندما تعود الحياة السياسية الطبيعية الى لبنان وتعود الدولة بكل مؤسساتها، وإلا انتقلت الفوضى الموجودة في السلطات السياسية الى فوضى الشارع والحــراك والخبراء ودخلنا في المجهول، كـــما بدأ يحصل الآن للأسف.