أزمة النفايات أمام حلول «لا مركزية» على الطريقة المذهبية بدل العلمية - حبيب معلوف (السفير)
إن أكثر مفهوم حصل على نسب عالية من سوء الفهم في لبنان هو اللامركزية الإدارية، لاسيما في موضوع ادارة النفايات. فمقولة أن تحلّ كل منطقة مشكلة نفاياتها، باتت اليوم أكثر الشعارات تداولاً لحل الازمة الحالية.
اللامركزية لا تعني ادارة لامركزية على الطريقة الميليشاوية، او على طريقة أمراء الحرب. وهي التي تعوّد عليها لبنان في فترة الحرب الأهلية حتى تركت الكثير من رواسبها في عقلية الكثير من اللبنانيين، «المسؤولين» في طليعتهم.
لا يمكن لـ»اللامركزية» أن تكون ناجحة ومستدامة الا بقرار مركزي ناجم عن سلطة مركزية قوية ومتماسكة. فاعتماد الحلول اللامركزية (في قضية إدارة النفايات وغيرها) يجب أن يتم اقتراحه في مجلس الوزراء وأن يقر بقوانين في مجلس النواب، وأن تحدد فيه خطط متكاملة تحدد التقنيات والمواقع والمواصفات، كما تحدّد فيها ادوار الأطراف كافة، من الحكومة إلى البرلمان الى الوزارات الى المؤسسات الى البلديات إلى المنازل والأفراد... لاسيما إذا اعتمد خيار التخفيف والفرز من المصدر، وهما من أركان الخيارات الأنسب لمعالجة النفايات. كما أن مبدأ التخفيف من إنتاج النفايات نفسه يحتاج أيضاً إلى قرار مركزي بداية، كمثل فرض ضرائب ورسوم على المواد التي تتحول إلى نفايات خطرة او يصعب معالجتها، يقترحه وزيرا البيئة والمالية وتقرها الحكومة لتصل الى خيارات كل فرد. فاللامركزية لا تعني أن تحلّ كل منطقة او كل اتحاد بلديات او كل بلدية مشكلتها بنفسها وعلى مزاج أمرائها ومستثمريها، كما يتم التداول به هذه الأيام، بل أن تضع السلطة المركزية حلولاً مركزية، كما اسلفنا، تتحمل فيها كل الأطراف مسؤولية المشاركة في تطبيقها.
ثم على اية أسس يتم تقسيم المناطق او ما سُمّي «المناطق الخدماتية»؟ على أسس طائفية أم مذهبية أم على أسس جغرافية؟ فهل هناك نفايات لمنطقة ببصل ونفايات لمنطقة أخرى بعسل؟ ونفايات بسمنة ونفايات بزيت؟ ففي زمن الاقتصاد المعلوم الذي تحوّل فيه كل الناس الى مستهلكين وتشابهت المنتجات... لم يعد هناك الا بعض الخصوصيات التي تعود الى العادات والتقاليد الغذائية الموروثة. ففي لبنان المتشابه العادات والتقاليد المستهلكة للفواكه والخضار، تكثر فيه المواد العضوية الرطبة المستهلكة... مما يستدعي أخذ نوع النفايات في الاعتبار وفي إنتاج الحلول عبر الاتجاه الى التسبيخ على سبيل المثال بدل الحرق، والحاجة بالتالي إلى زيادة مساحة مراكز الفرز والتسبيخ بدلاً من البحث عن مطامر.
لذلك يمكن القول إن نوع النفايات هو الذي يفرض نوع الحلول وليس «نوع» الناس ومذهبهم. وهذا ما لم تنجح وزارة البيئة في تبنّيه وشرحه، حتى الآن، أثناء وضع الخطط وتسويقها في مجلس الوزراء وأمام أعضاء البرلمان والبلديات والمؤسسات ووسائل الإعلام والجماهير. مع الإشارة الى المحاولة الأولى، الأقرب الى المعقول، التي قام بها وزير البيئة الحالي بداية «عهده» باقتراح معالجة مكب برج حمود وتحويله الى حديقة عامة بإدارة اتحاد بلديات المتن وبلدية برج حمود مقابل إنشاء معامل تزيد من نسبة الفرز والتسبيخ وتخفف الى الحدود الدنيا النفايات التي تذهب الى الطمر. وقد رفض هذا الاقتراح من نواب المتن الشمالي بعد رفض نواب حزب الطاشناق («السفير» 16/9/2014)! مما دفع لإنتاج دفاتر شروط ومناقصات متسرّعة وغير سليمة أوقعت البلاد في الأزمة الحالية... حتى بتنا نسأل اليوم أين نذهب بنفايات العاصمة والضواحي؟
بالطبع هناك فروق بين المدن والقرى، لاسيما بين العاصمة والمناطق، يفترض أن تؤخذ في الاعتبار في وضع خطط معالجة النفايات... وكان من الأصح أن تؤخذ بالاعتبار أكثر يوم تم إقرار الكثير من خطط ما يُسمّى «التنمية»، التي دفعت الناس من كل المناطق الى العيش في العاصمة. فهذه الخطط أقرّت تحت عناوين طائفية ومذهبية ومناطقية أيضاً كشعار «الإنماء المتوازن»، بدلاً من مفهوم «الإنماء المتكامل»، كما كنا نطالب، الذي يؤمن فرص عمل أكبر ويساهم في تكامل وتضامن المجتمع بدلاً من تنافسه وتفتته.
وماذا الآن؟ أي حلول سريعة للأزمة الحالية؟
نسارع إلى القول إن أية حلول سريعة ستكون متسرعة وغير سليمة. فالحكومة التي أصرّت على خطط غير استراتيجية وعلى مناقصات غير سليمة (كما حذّرنا مراراً) تحصد الآن النتائج. ولا نعرف لماذا الإصرار على إعادة المناقصة للمرة الثالثة في بيروت وفي مدة أسبوعين وما الذي سيتغيّر!؟ وما الذي يفسّر أيضاً ظهور متعهّدين جدد من دون خبرة لإدارة النفايات سوى عابري المناقصات والمناطق وكأنهم هم من وضع دفاتر الشروط؟!
كما لا نعرف المواقع التي تمّ اختيارها للمعالجة من قبل المتقدّمين بالعروض (التي لن تفضّ إلا حين تكتمل جميعها لكي لا تكشف الأسعار) والتي نعتقد أن من بينها موقع حبالين في جبيل المرفوض من قبل الأهالي لغير نفايات المنطقة والناعمة للجبل، المرفوض أيضاً. وما اذا تم تغيير المواقع سيخلق معترضين جدداً. ومَن مِن الحكومة سيتدخل لفرض مواقع؟
وإذ لامنا البعض عندما حذرنا سابقاً من وجود صفقات او وعود من تحت الطاولة لتسهيل المناقصات و «الحلول الجديدة»، لم يفهم هذا البعض، أنه يسهل دائماً التنصّل من الوعود والعودة إلى نقطة الصفر وتعميق الأزمة أكثر وأكثر. وأنه حتى لو كانت هناك صفقات ناجحة على الورق ليس من المؤكد نجاحها في الواقع.
وبما أن أزمة النفايات طويلة (الأشهر الـ6 المقبلة في أقل تقدير)، يمكن أن تطبق فيها أقل الحلول المؤقتة فظاعة بأن يتم توزيع 3000 طن من النفايات، تنتج في العاصمة وضواحيها والجبل، على مكبات المناطق، مع ما يوحيه هذا الإجراء من تراجع الى الوراء بدلاً من التقدم الى الامام، ومن إفلاس على المستويات كافة، بدلاً من أن تبقى النفايات في الشوارع... فما على السكان في لبنان سوى المساهمة في التخفيف من حدّتها عبر تخفيف استهلاك المنتجات التي تنتج الكثير من النفايات، وفي خلفيتهم أنها ستبقى في الشوارع أمام منازلهم. ولتكن هذه الإجراءات الشعبية الخاصة نوعاً من تمرين، يجب ان يتحول الى سلوك دائم، لعلمهم ان لهذا الموضوع أكلافاً عالية جداً إذا تمت معالجته وأكلافاً أكبر اذا لم تعالج.
اما الحل العملي والسريع الآن فيقضي بالدعوة العاجلة الى اجتماع استثنائي لمجلس الوزراء اليوم أو غداً، لتحمّل مسؤولية القرارات السابقة التي طالما تناولناها بالنقد، لاسيما في ظل تزايد رفض «الخطة الانتقالية» في المناطق، التي طرحها وزير البيئة. وللحديث صلة.