نحو استراتيجيات تنموية بديلة لحقبة ما بعد 2015 - حبيب معلوف (السفير)
خرجت منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية في ختام اجتماعها التشاوري الاقليمي نهاية الاسبوع الماضي حول أجندة التنمية لما بعد 2015 بتوصيات متقدمة تطالب بالخروج من نهج السياسات القائمة نحو استراتيجية تنموية بديلة. وقد طالبت للمرة الأولى بإدراج قضايا البيئة في جميع الأهداف، بالإضافة الى كونها هدفا مستقلا، مع تحديد معايير وآليات لتطوير غايات بيئية مترابطة. كما طالبت بإدراج الإنصاف والعدالة الاجتماعية بوضوح. أي تلك العدالة الاجتماعية التي تقوم على مبادئ المشاركة والإنصاف والمساواة وحقوق الانسان تقضي بمكافحة جميع أنواع الفقر التي لا تقيسها خطوط الفقر التقليدية مثل الحصول على خدمات التعليم والرعاية الصحية ذات النوعية الجيدة، والبطالة وعدم المساواة... وذلك بعدما أشارت التقارير الى ازدياد هائل في نسب التفاوت بين الأشخاص، إذ إن العالم وصل الى مرحلة يمتلك فيها أثرى 1% من سكان العالم أكثر من 85% من الموارد. هذا وان أنماط عدم المساواة لا تقتصر على الدخل، ولكن تشمل أيضاً التحيزات الجغرافية والعرقية والدينية القائمة على نوع الجنس والتي تمثل عائقا واضحا أمام التنمية. لذلك وجدت انه من الضروري أن يقدم جدول الأعمال بعد عام 2015 تحليلا متعمقا لهذه التفاوتات المتعددة الأبعاد مع تحديد أهداف ومعايير للقضاء عليها. كما ينبغي إعادة النظر بخط الفقر المحدد بالعيش على أقل من 1.25 دولار باليوم، حيث إنه بحسب هذا المستوى، يصل الفقر في المنطقة العربية الى 4%، غير أنه أعلى بكثير في الواقع.
نظم الاجتماع التشاوري الإقليمي شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية بالتعاون مع اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا). وقد كان الهدف منه بحسب المدير التنفيذي للشبكة زياد عبد الصمد، إعداد وجهة نظر المجتمع المدني في المنطقة العربية لرفعها للجهات المعنية على المستوى الإقليمي والدولي، لا سيما لاجتماع الدورة الثانية للمنتدى العربي رفيع المستوى حول التنمية المستدامة والذي ينعقد في البحرين بين 5 و7 الجاري ويبدأ أعماله اليوم. وقد علمت «السفير» أن بعض المشاركين لم يتم منحهم تأشيرة دخول الى البحرين بالرغم من مشاركتهم بالتحضير لهذا الاجتماع!
فما هو الإطار التاريخي لإعداد ما سمي «إعلان الألفية» والأهداف الانمائية للالفية، وما هو رأي بعض منظمات المجتمع المدني المتابعة لهذه المسارات؟ وما هي التوصيات الاستراتيجية الجديدة التي نتجت من الاجتماع التشاروي الاقليمي في بيروت؟
ح. م.
مع بداية القرن الحالي، تبنى المجتمع الدولي في اطار الأمم المتحدة «إعلان الألفية»، وحدد لنفسه مهلة لتحقيق هذه الأهداف بحلول عام 2015. كانت «الأهداف الإنمائية للألفية» بمثابة الموجه الرئيسي لجدول أعمال التنمية الدولية الذي حدد جملة من الأهداف المحددة والمتفق عليها والتي يمكن قياسها والتي ركزت على الحد من الفقر والجوع، وضمان حصول الجميع على التعليم، وتشجيع المساواة بين الجنسين، والحد من وفيات الأطفال والأمهات، من بين جملة أمور.
وقد توجّهت الأهداف خاصة الى البلدان النامية، ومن بين الأهداف المعلنة هدف واحد (الهدف الثامن) توجّه لمبدأ التعاون الدولي المشترك لتحقق الأهداف السبعة الأخرى حيث ركّز على الشراكة العالمية للتنمية الهادفة الى تعزيز نظام تجاري ومالي عادل ومبني على قواعد محددة، وتلبية احتياجات الدول الأقل نمواً، ومعالجة قضية ديون الدول النامية.
لكن منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، تأثر الاقتصاد العالمي بعدد من الأزمات الحادة التي اتخذت أوجهاً متعددة اتسمت باستمرار انتشار الفقر وعدم المساواة والجوع، ومستويات متزايدة من المخاطر وانعدام الأمن الدولي، ومخاوف بشأن الامدادات المستقبلية للحاجيات الأساسية مثل المياه والطاقة، وخطر تغير المناخ، والضغوط الديموغرافية الناجمة عن تزايد عدد سكان العالم والشيخوخة، بالإضافة الى تحولات سريعة في موازين القوى في الاقتصاد العالمي. غير أن ترابط هذه التحديات بقوة على المستوى العالمي من خلال الاقتصاد الحر والأسواق المتكاملة، بالإضافة الى ركاكة الحوكمة العالمية وعدم توفر توزيع منصف للثروات في سبيل النفع العام العالمي، أدى الى استحضار المزيد من الأزمات التي عجزت المسارات الدولية المعنية بالتنمية عن مجابهتها، فضلاً عن التنبؤ بحصولها.
هذا واستتبعت الأزمة المالية العالمية الأخيرة (2008-2009) تداعيات هائلة على الاقتصاد العالمي حيث كشفت الأزمة أوجه القصور النظامية في صميم السياسات الاقتصادية والاجتماعية الدولية وغياب أي شكل من أشكال العدالة الاجتماعية. وتزامنت الازمة المالية مع العديد من الأزمات الأخرى، بما في ذلك الارتفاع الشديد وشدة التقلّب في الأسعار العالمية للغذاء والطاقة بالاضافة الى التحديات المستمرة المتعلقة بتغير المناخ.
أين أخفقت الأهداف الإنمائية للألفية؟
لم ترق الأهداف الإنمائية للألفية الى تحقيق النتيجة المرجوة. وببلوغ العام 2015 طرحت إشكالية ما إذا كان النموذج التنموي القائم من شأنه أن يؤمن التنمية المستدامة، بما فيه للأجيال القادمة. استندت عملية صياغة الأهداف الإنمائية للألفية الى مشاورات محدودة جداً أدت الى وضع الأهداف من خلال عملية غامضة ومبهمة، ونتيجة لنقاش أعطى الأولوية للخبراء التقنيين في ظل شبه غياب لأي مشاركة اجتماعية قائمة على تحقيق أجندة تنمية مبنية على أساس حقوق الانسان، كما أن تلك الأهداف لم تضع بلوغ العدالة الاجتماعية كهدف أساسي يجب السعي اليه. فأدت الأهداف الإنمائية للألفية إلى تبسيط جدول أعمال التنمية الذي أُنشئ مع تركيز واضح على محاربة أشكال الفقر المدقع، وبالتالي على حساب الأهداف التنموية الأخرى ذات القدر نفسه من الأهمية مثل مكافحة عدم المساواة والتمييز، والمشاركة والعدالة الاجتماعية، الحريات السياسية الخ. فاقتصرت الاهداف على معالجة النتائج من دون التوجه الى الاسباب الفعلية لهذه الظاهرات. كما أن افتقاد الأجندة الوسائل والآليات التي من شأنها تحقيق الأهداف المرجوة كانت واحدا من العوائق الرئيسية في إطار الأهداف الإنمائية للألفية، حيث ساهمت الأخيرة في تركز السياسات على تحسين تقديم الخدمات الاجتماعية (التعليم والصحة وغيرها) وذلك على حساب ضرورات تنموية أخرى مثل تنويع الانتاج وبناء القدرات الإنتاجية، وخلق فرص العمل اللائقة، والآثار التوزيعية لسياسات الاقتصاد الكلي، بالاضافة الى إدارة عادلة ومستدامة للموارد الطبيعية وبناء حكم عالمي متوازن. علاوة على ذلك، بالرغم من كون الأهداف الإنمائية للألفية عبارة عن أهداف مشتركة وعالمية يشرف المجتمع الدولي على تحقيقها، إلا أنها تحولت في الواقع إلى حزمة من الأهداف ذات «حجم واحد يناسب الجميع»، وبالتالي أدت الى تحميل كل بلد مسؤولية متابعة الأهداف نفسها المتفق عليها دوليا بغض النظر عن الاحتياجات الوطنية التنموية والظروف الأولية لكل بلد، الأمر الذي أدى الى اعتبارها منحازة ضد البلدان الأكثر فقرا. أما بما يعني الهدف الثامن الذي يقضي بتعزيز الشراكة العالمية من أجل التنمية، فبقي التقدم فيه محدوداً للغاية نظراً لافتقاد جدول الأهداف الإنمائية للألفية التزامات محددة ليتم تنفيذها من جانب البلدان المتقدمة. بتعبير أدق، لم يتم تحديد الأهداف المتعلقة بتعزيز الشراكة العالمية من أجل التنمية بدقة، ما ساهم في إضعاف عملية مساءلة الدعم الدولي، وبالتالي أبقى العديد من الالتزامات التي قطعها المجتمع الدولي حبرا على ورق.
تعيش المنطقة دوامة من النزاعات تؤثر مباشرة على التحولات التي تشهدها. إذ لا تزال القوى التقليدية والمحافظة تتمسك بمصالحها على حساب الرغبة الجامحة لدى الشعوب بتحقيق التقدم والعدالة وتعزيز أسس المواطنة والديموقراطية. ما أدى الى تنامي العنف وتحوله الى نزاعات مسلحة في العديد من الدول والى عقبات أمام إنجاز مهام الربيع العربي الذي انطلق احتجاجا على غياب الحريات العامة والخاصة والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية.
كما لا تزال مجموعة من التحديات العالمية تواجه المنطقة العربية على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. أبرز تلك التحديات يكمن في استمرار التفاوت بكل أشكاله الجغرافية والفئوية والاجتماعية، وتدهور الأمن الغذائي، وتفاقم المشكلات البيئية، وانتشار العنف والصراعات، وتفشّي الفساد وتنامي رأسمالية المحاسيب وضعف الدولة وغياب حكم القانون نتيجة تطبيق سياسات «التكيف الهيكلي» والتقشف على مدة عقود. بالإضافة الى عدد من التحديات كالبطالة والفقر والتهميش الاجتماعي وتنامي التطرف والحركات الارهابية، وتفاقم أزمة الهجرة، والشيخوخة، وغياب الحرية، ناهيك بتواصل الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين وما يسببه من عوائق اجتماعية واقتصادية وأمنية في المنطقة.
إن عدم قدرة دول المنطقة على مجابهة تلك التحديات يعود لأسباب تتعلق بطبيعة النموذج الليبرالي السائد عالميا ومواصلة إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي والنظام الاجتماعي وفق هذا النموذج لتوسيع وترسيخ حكم الرأسمالية الاحتكارية وحماية الظروف لمزيد من التراكم الرأسمالي. هذا بالاضافة الى طبيعة الدولة في المنطقة التي لا تزال تتميز بالريعية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث تعتمد على اقتصادات غير مُنتجة تغيب عنها آليات إعادة توزيع الثروات وأنظمة الحماية الاجتماعية من جهة، ومن جهة أخرى تساهم في تعطيل الحريات وتدجين منظمات المجتمع المدني والمنظمات النقابية والسيطرة على قراراتها، ناهيك عن استشراء الفساد المالي والإداري في المؤسسات الحكومية في ظل غياب آليات المحاسبة والمساءلة والجهات المعنية في تنفيذها.
في هذا الاطار، رأت المنظمات العربية انه لا بد من رؤية شاملة لمستقبل المنطقة والعالم ككل، ترتكز على مجموعة من المبادئ الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والبيئية، وتصب ضمن إطار متكامل يرتكز على مبادئ حقوق الانسان ومتجانس يربط بين الاستدامة البيئية، والتنمية الاقتصادية المتكاملة. هذا يتطلب أيضا ضرورة وضع أسس لإرساء دولة مدنية ديموقراطية تنموية، ترتكز على عقد اجتماعي جديد مُبرَم بين المواطن والدولة وقائم على مبادئ حقوق الإنسان، والمشاركة، والمواطَنة، والمكاشفة والمحاسبة، والمساءلة.
الاستراتيجيات البديلة
تقترح منظمات المجتمع المدني ان تستند أجندة التنمية لما بعد 2015 إلى إطار تنموي جديد يتضمن نهج سياسات أكثر تقدمية ومواءمة مع المبادئ العالمية لحقوق الانسان لمواجهة التحديات العالمية للتنمية التي من المحتمل أن تنجم عن السياسات والاستراتيجيات القائمة وصون حقوق المواطنين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية في جميع أنحاء العالم. كما تقترح أن تستند عملية البحث عن نموذجٍ أكثر استقراراً وعدلاً الى تقييم نقدي لتجارب التنمية في الماضي، وتحديد الاسباب الفعلية الكامنة وراء تنامي الظاهرات التي نواجهها فتخلص الى تحديد التدابير الجديدة اللازمة للرد على التحديات الجديدة الناجمة عن الأزمات المترابطة التي لحقت بعالمنا منذ بداية الألفية. وهي ترى ان أية رؤية مستقبلية للتنمية في اطار ما بعد 2015 تتطلب بوضوح مسؤولية عالمية تحرز تغييرات في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، تتضمن تحولات في أنماط الاستهلاك والإنتاج العالمية والأطر التنظيمية الوطنية والدولية، حيث تساهم في تحديد استجابات لسياسات اقتصادية واجتماعية وبيئية أكثر تماسكا وإنصافا واستدامة، بالاضافة الى الترويج لهياكل حوكمة عالمية أكثر تمثيلا. كما تقترح ان يتحول النقاش من التركيز على مجرد تحديد أهداف وغايات جديدة لما بعد عام 2015، الى تحليل القضايا الرئيسية ووسائل التنفيذ... على ان تحتفظ الدولة بدورٍ هام وفعال في توجيه وإدارة عملية التغيير، وفي تصحيح إخفاقات السوق وتحسين الفعالية الديناميكية الشاملة وحماية حقوق الانسان. كما تقترح ان ينطوي اطار التنمية لما بعد 2015 على استراتيجيات فعالة قادرة على أن تخلق تزاوجاً بين الإنجازات القصيرة المدى واستدامة التنمية على المدى الطويل من خلال اعتماد تدابير وسياسات تهدف الى مواجهة التقلبات الدورية، وخلق أسس مستدامة للنمو والتنمية، والحد من التوترات التوزيعية، بالاضافة الى تخفيف التكاليف البيئية. بالاضافة الى الدفع نحو سياسات تصنيع فعالة جنبا إلى جنب مع سياسات للبيئة والطاقة من أجل نمو منخفض الكربون. بالاضافة الى ذلك، يجب ان تشمل الاستراتيجية سياسات عمل تهدف الى توليد فرص العمل اللائقة، ومعالجة ظاهرة تفشي القطاع غير المهيكل. بالاضافة الى اعتماد استراتيجية تقوم على شراكة عالمية جديدة للتنمية تسمح للدول والجهات التنموية الفاعلة، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني، والأوساط الأكاديمية، والحكومات، والمؤسسات الإقليمية والدولية، والقطاع الخاص ووسائل الإعلام ... بمعالجة التحديات العالمية والوطنية. هذا بدوره يستوجب تصميم نهج تعاوني ومتماسك على الصعيدين الوطني والدولي.
تتبنى وثيقة منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية الاقتراحات العربية لأهداف التنمية المستدامة التي خلص اليها المنتدى العربي حول التنمية المستدامة وبما أن عملية صياغة الأهداف في اطار أجندة التنمية لما بعد 2015 هي عملية سياسية، فإن بلورة هذه الأهداف تأتي بثمارها حين ينقلها المفاوضون العرب الى قمة الأمم المتحدة لاعتماد جدول أعمال التنمية في 25-27 أيلول/سبتمبر 2015 ليتم إدراجها في الأجندة المرتقبة. لكن بالاضافة الى الأهداف المعلنة، فإن منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية تدعو لإدماج آليات التمويل الخاصة بمسار تمويل التنمية الذي تقوده الأمم المتحدة ضمن أجندة التنمية لما بعد 2015. فبالرغم من ان المسارين مستقلان، الا ان المواضيع المطروحة في كلا المسارين مترابطة عضويا، وأن تحقيق اي تغيير في النموذج التنموي يرتبط بنتائج هذين المسارين. وقد تم اعداد ورقة من قبل المفاوضين في المحطة القادمة لمسار تمويل التنمية (اديس ابابا في 13-16 تموز/يوليو 2015) تتضمن العناصر الأسياسية للنقاش وتدعو الى حشد الموارد الوطنية في الدول النامية في سبيل الاعمال بتمويل التنمية.