عام من التردد والتعثر يقفل.. وآخر جديد من الكوارث يأتي - حبيب معلوف (السفير)
في جولة سريعة على حصيلة العام 2014 البيئية، كان من الصعب تبيان «انجازات» تحققت. فكل الملفات التي تم رصدها طوال الاعوام العشرين الماضية في هذه الصفحة، لم تصل الى خواتيمها السعيدة، باستثناء بعد الجزئيات الصغيرة هنا وهناك، ان من ناحية التقدم المحرز في البدء بالاعتماد على الطاقة الشمسية لتسخين المياه او لتوليد الطاقة الكهربائية، من دون ان يحصل تطور نوعي باعداد استراتيجيات متكاملة او قوانين مشجعة للانتاج من الطاقات المتجددة المتوفرة في لبنان. بالإضافة الى بدء الاهتمام بدراسة الاثر البيئي للتنقيب عن النفط والغاز. وما عدا ذلك كل الملفات الرئيسية لا تزال متعثرة، لا بل تنذر بان تتحول الى كوارث في مطلع السنة الجديدة. فالملف البيئي الرئيسي الذي حصل على الاهتمام الاكبر من قبل الحكومة الحالية، أي ملف إدارة النفايات الصلبة، لا يزال متعثرا حتى آخر اجتماع لمجلس الوزراء، وقد انتهت المهل المعقولة لإيجاد الحلول والخطط البديلة قبل موعد إقفال مطمر الناعمة في 17/1/2015، الذي يستوعب ما يقارب نصف نفايات لبنان، وهو موعد نهاية العقد ونهاية القدرة الاستيعابية لهذا المطمر! وأي خيار بديل، كما بات معلوما، ومهما كان سيئا وسطحيا كالعادة، يحتاج الى أكثر من 6 اشهر لانجازه. وما عاد بالإمكان الا اعتماد الخيار الأقل سوءا والذي يحتاج الى الوقت الاقل لإنجازه وهو محاولة رفع الغطاء عن المطمر وزيادة قدرته الاستيعابية لفترة إضافية، او ترك النفايات تتراكم في الشوارع مجددا.
في ملف المقالع والكسارات لم يظهر المخطط التوجيهي الجديد الذي وعد به وزير البيئة بعد ان عرض على مجلس الوزراء اعادة النظر بالمخطط التوجيهي الحالي وإعادة تنظيم هذا القطاع. اما في ملف تلوث الهواء المتفاقم دائما في لبنان، فهذا الملف الذي كان يستحق من وزارة البيئة ان تطلق «حملة سلامة الهواء» الأكثر أهمية وحساسية من حملة سلامة الغذاء (او مواكبة لها) تطالب بالتشدد في المعاينة الميكانيكية وتطبيق قانون السير والتشدد في مراقبة الآليات الملوثة التي ينبعث من عوادمها شتى انواع الانبعاثات الخطرة والمضرة بالمناخ والصحة العامة، وإنذارها ووقفها عن السير لحين اصلاح وضعها، واتباع سياسات مختلفة للنقل تدعم النقل العام النظيف... وهي الاجراءات المطلوبة في ملف تغير المناخ الذي كان يحتاج ايضا الى استراتيجية للتخفيف من الانبعاثات في كل القطاعات وتحديد سبل التكيف مع هذه الظاهرة التي باتت واقعا خطيرا يهدد الثروة المائية في لبنان وبعض انواع الزراعات وقطاع السياحة والصحة العامة.
وقد رحم المناخ هذا العام لبنان، اذ تساقطت الأمطار باكرا في شهري تشرين، وهي الفترة التي تزداد فيها حرائق الاحراج عادة في لبنان، فتسببت الأمطار الباكرة في التخفيف من هذه الحرائق وعدم فضح الاجراءات الرسمية الهزيلة التي لم تكن لتكافح اي حريق إلا بعد ان يصل الى الطرق العامة، التي تعتبر حاجزا طبيعيا امام النيران، كما هي العادة.
من جهة أخرى، سجلت مراوحة في ملف الصيد البري، فلا تمت مراجعة قانون تنظيم الصيد ولا طلب التشدد في تطبيق قرار المنع، وقد تم «التقدم» في اصدار بعض المراسيم التنظيمية في نظر البعض، في حين لا يزال يتخوف البعض الآخر (ونحن منهم) من ان يؤدي هذا «التنظيم» الى إبادة الطيور في لبنان.
اما من انجازات الحراك البيئي الدفاعي هذا العام، فمحاولة توسيع حملة الاعتراض على السدود المائية وتعميق هذه الحملة، ومحاولة اطلاق حراك مضاد لحملة «بلو غولد» الهادفة الى مزيد من خصخصة المياه في لبنان. والقاء المزيد من الضوء على قضية معالجة النفايات. واطلاق حملة ضد فلورة الملح التي تعتبر مادة خطرة جدا على الصحة العامة، وقد نجحت في وقف تنفيذ المرسوم من دون ان تنجح في الغائه حتى الآن... مع تسجيل تراجع لحملة منع التدخين في الاماكن العامة وعدم متابعة عدم تطبيق القانون.
حبيب معلوف
قضية تغير المناخ
في موضوع تغير المناخ، بدلا من ان تحضّر وزارة البيئة استراتيجية لكيفية تخفيض الانبعاثات المتسببة بالظاهرة من القطاعات كافة ووضع الخطط لكيفية التكيف معها، عمدت منذ سنتين على اعطاء إفادات للشركات الخاصة التجارية والصناعية التي صرحت طوعاً لوزارة البيئة عن انبعاثاتها من الغازات الدفيئة التي تسبب الاحتباس الحراري وتساهم بتغير المناخ على المستوى العالمي، وذلك وفقاً لقرار وزير البيئة رقم 99/1 تاريخ 11/4/2013. ومع ايجابية هذا الاجراء الا انه لا يكفي لتخفيف الانبعاثات ومحاربة تغير المناخ، كون الحاجة الى اجراءات الزامية ومتكاملة للتخفيض.
كما توقع وزير البيئة، مستندا الى رأي فريق عمل تغير المناخ العائد من مفاوضات دولية حول تخفيض الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة في ليما (البيرو) نهاية هذا العام، ان الاتفاقية الدولية الجديدة لتغير المناخ التي ستوقع العام المقبل في باريس ستترك الخيار لكل دولة، نامية أو متطورة، ان تحدد حجم المساهمة التي تريد ان تقدمها للمشاركة في مكافحة الاحتباس الحراري، بحسب قدراتها الوطنية. وهو امر ليس حتميا، ولا يفترض بالدولة اللبنانية اعتباره انجازا وتبنيه حتى لو كان واقعا، لان المطلوب اكثر من ذلك بكثير لمواجهة ظاهرة تغير المناخ، خصوصا لناحية انجاز اتفاقية ملزمة لجميع الدول بالتخفيض مع تحميل البلدان المتقدمة المسؤولية الاكبر وكلفة هذا التخفيض، وذلك بمثابة وفاء ديونها على انبعاثاتها التاريخية المتراكمة منذ الثورة الصناعية. كما ليس صحيحا الاعتقاد ان لبنان لا ينتج سوى 0.07% من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية، والاستنتاج بالتالي ان لبنان ليس من المساهمين الاساسيين في مشكلة تغيّر المناخ. فليس بهذه الطريقة تقاس انبعاثات الدول. فاذا قسنا الانبعاثات على مستوى الفرد، وهي الطريقة الاصح للقياس، تظهر بصمة لبنان الكربونية عالية جدا، لا سيما من قطاعات النقل وإنتاج الطاقة. ففي هذا القطاع الاخير يتم الاعتماد على اسوأ انواع الوقود كالفحم الحجري والفيول والمازوت في محطات الانتاج والمولدات الخاصة والمصانع... وهي تتسبب بالكثير من الانبعاثات الخطرة على المناخ والصحة العامة في آن. كما يتبع لبنان سياسة نقل مدمرة للاقتصاد الوطني وللمناخ، تشجع استخدام السيارات الخاصة، وقد اصبح مستوى اقتناء السيارات الخاصة في لبنان بالنسبة لعدد السكان يتجاوز الكثير من الدول المتقدمة والدول النفطية، وهو مؤشر بالغ السوء بالنسبة لقضية تغير المناخ وبالنسبة للمطلوب من سياسات لحماية الصحة العامة. وقد كنا ننتظر من وزارة البيئة ان تطلق «حملة سلامة الهواء» شبيهة بحملة سلامة الغذاء التي انطلقت لطرح هذا الموضوع والتشدد في المعاينة الميكانيكية وضبط الانبعاثات التي تصدر عن جميع انواع المركبات التي باتت تفوق كل الحدود في لبنان وتتسبب بمشاكل اكبر وأعمق بكثير من تلوث الغذاء.
ملف تلوث الهواء
في قضية تلوث الهواء التي تعتبر من الملفات الرئيسية في وزارة البيئة، لم يحصل تقدم نوعي بالرغم من حصول تقدم شكلي في هذا الملف. فجديد هذا العام هو تحرك وزارة البيئة والعمل مع اختصاصيين كي تضع برنامجاً لمراقبة نوعية الهواء، وقد انطلقت المرحلة الأولى من هذا المشروع بخمسة أجهزة موجودة في بعض المناطق اللبنانية وهي أجهزة تعمل بشكل مستمر وتنقل بيانات بشكل «اوتوماتيكي» حول نوعية الهواء الى وزارة البيئة حيث يقوم اختصاصيون في الوزارة بتحليلها وتحويلها الى «داتا» كي تتمكن من مراقبة نوعية الهواء. وبقيت الاسئلة حول نوعية هذه الاجهزة وكيفية اختيار تلك المواقع وبناء على اي معايير ومدى كفايتها؟ من هو الجهاز البشري الذي سيشرف على هذه العملية؟ من دربه؟ وهل هو دائم في ملاك الوزارة ام هو من ضمن المشروع، ينتهي بانتهاء المشروع كما هي الحال مع معظم انواع كهذه من المشاريع؟ وهل تشمل الخطة إجراءات محددة تطلبها الوزارة في حال وصل التلوث الى الذروة كاعلان حالة طوارئ او اتخاذ إجراءات بمنع التجول او تغيير سياسات ...؟ واذ يعرف المتابعون لهذا الملف منذ سنوات ان مشكلة تلوث الهواء في لبنان تخطت كل الخطوط الحمر وباتت تتطلب معالجة استثنائية وسريعة، انتظرنا اعلان حالة طوارئ او حملة لسلامة الهواء شبيهة بحملة سلامة الغذاء واكبر.
ملف المياه
في ملف المياه، لم تنه وزارة البيئة التقييم البيئي الاستراتيجي لاستراتيجية المياه التي اعدتها وزارة الطاقة والمياه وتبناها مجلس الوزراء العام 2012 والتي طالبناها بها منذ العام 2012، وقد كلفت شركة ليس في قدرتها، بحسب علمنا، ان تقيم استراتيجيا الاستراتيجيات. وقد اكتفت الوزارة بالاهتمام بسد جنة وطلبت وقف الاعمال به لحين اجراء دراسة الاثر البيئي، في حين ان المطلوب طلب وقف الاعمال بكل السدود السطحية لحين اجراء التقييم البيئي الاستراتيجي لاستراتيجيا المياه في لبنان التي تعتمد في جوهرها على انشاء الكثير من السدود السطحية غير الضرورية، وتتجاهل الكثير من المبادئ الاستراتيجية البيئية.
أثر النزوح والبقع النفطية
طرأ جديد على الملفات البيئية الرئيسية في لبنان بعد اعلان وزير البيئة عن دراسة الأثر البيئي للنزوح السوري لا سيما من جراء الضغط على المياه وزيادة النفايات وتدهور اوضاع الاراضي والتي عاد وشدد على خطورتها في خطابه اثناء انعقاد مؤتمر وزراء البيئة العرب في المملكة العربية السعودية. لكن لا نعرف كيف ستتم متابعة هذا الملف الذي يخرج القسم الكبير منه عن قدرات لبنان للمعالجة.
من جهة اخرى لا نعرف كيف ستتم متابعة القرارات الدولية لنتائج عدوان تموز 2006 ومعالجة المخلفات ولا كيفية تطبيق قرارات الامم المتحدة التي تلزم اسرائيل بدفع تعويضات عن عدوانها وتسببها بكارثة نفطية، ولا نزال لا نعرف كيف سنتعامل مع آثارها المكلفة على كل صعيد.
الضابطة البيئية
صدور القانون رقم 251 تاريخ 15/4/2014 المتعلّق بتخصيص محامين عامين متفرّغين وقضاة تحقيق لشؤون البيئة. الا ان هذا القانون يحتاج الى تعيين محامين عامين في المحافظات والى تدريب القضاة وتخصيص خبراء بيئيين محلفين لدى المحاكم. كما تم إطلاق أعمال مشروع دعم إصلاحات الحوكمة البيئية (هبة من الاتحاد الأوروبي بقيمة 8 ملايين يورو) في آذار 2014 الذي يهدف إلى تحسين الأداء البيئي للقطاع العام ويتضمن أربعة مكونات رئيسية: التفتيش البيئي وتفعيل القوانين، تحسين القدرات الادارية داخل الوزارة، الأدوات المالية البيئية، والسياسات البيئية، حيث يركّز المشروع خلال المرحلة الأولى منه على اعداد النصوص التطبيقية للقانون 251/2014، واعداد دراسة تقييم الأثر البيئي لأزمة النازحين السوريين في لبنان، بالإضافة إلى اعداد المواصفات التقنية لتوسيع شبكة مراقبة نوعية الهواء في لبنان وتطويرها. بالاضافة الى مراجعة المعلومات البيئية المدرجة في الكتب الرسمية الصادرة عن المركز التربوي للبحوث والانماء والمعتمدة بصورة الزامية في المدراس الرسمية واقتراح التعديلات اللازمة عليها.
العلاقة مع باقي الوزارات
كانت لافتا عدد مذكرات التفاهم التي وقعها الوزير المشنوق مع وزارات أخرى متعددة وفي فترة قياسية، اي مع الصناعة، الزراعة، التنمية الادارية، الإعلام، الاقتصاد، العدل والعمل. لكن السؤال البديهي الذي يطرح هنا: لماذا تم استثناء وزارة الطاقة والمياه؟ مع ان هذه الأخيرة تتقاطع بشكل مركزي مع البيئة في قطاعين أساسيين الأول حيوي كالمياه والثاني يتعلق بالطاقة التي تعتبر الملوث الأول للهواء في لبنان. وكذلك الأمر بالنسبة الى وزارة النقل التي تعتبر المسؤول الثاني عن تلوث الهواء ووزارة الثقافة من اجل تشجيع الثقافة البيئية الرصينة وتوقيع اتفاقيات مع وزارة الثقافة لتشجيع إنتاج الكتب والمجلات والمواقع الالكترونية... الخ
لا ينكر الوزير المشنوق هذا النقص، لا سيما مع وزارة الطاقة والمياه، الا انه يذكّر بسوء التعاون الذي حصل مع الوزير نظريان حول قضية سد جنة.
تراجع الحراك المدني
كان لافتا هذا العام تراجع ادوار قوى المجتمع المدني المناضلة والتي تتمتع بخلفية فكرية عميقة واستراتيجية حول البيئة، بالاضافة الى عنصر غياب الثقة والتعاون بين مكوناتها. وقد ظهر مؤخرا ان عدوى فقدان الثقة بالمسؤولين، بعد ان تناحروا وتحاصصوا طويلا حول كل الملفات المطروحة في البلاد، قد أصابت الناس (والمناضلين بينهم) أنفسهم ايضا فما عادوا يثقون بأنفسهم وببعضهم البعض، ما أخّر ظهور اي حراك مدني عريض وعميق وفاعل، معترض وثوري في آن. فالقضايا التي باتت في حالة الذروة من الخطورة في الفترة الأخيرة، لا سيما القضايا الحياتية المتعلقة بسلامة الغذاء والماء والهواء والبيئة عامة... أصبحت كثيرة ومتفاقمة بشكل تستحق الثورة فعلا. ثورة لا يمكن ان يحملها في الفترة الحالية الا قوى مدنية وعلمانية وعلمية، غير مرتبطة بمحاور او مذاهب وقوى أمر واقع، حرة ومستقلة، مسؤولة وواعية... لا يفترض ان يؤخرها عوامل مثل قلة الثقة او ضعف الموارد المادية او تلك النزعة في حب الظهور والتفرد حول قضايا تحتاج الى التعاون. فهل يكون العام 2015 بداية لحراك جديد من هذا النوع؟