إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

الإسلام السياسي بين الاعتدال والإصلاح الديني! - أكرم البني (الحياة)

 هو أمر مفسَّر أن تسمع عبارات تشي بالتعاطف مع مشاهد الإرهاب التي بثها تنظيم «داعش»، ربما من أشخاص تملأهم رغبة الثأر والانتقام مما كابدوه، أو لتفريغ احتقاناتهم الطائفية. لكن ما هو غير مفسر حالة الصمت التي لفت مفكرين إسلاميين يحسبون على الاعتدال السياسي تجاه ما يجري، وكأنه لا يستحق الانتباه والإدانة! أو اكتفاء بعضهم برفض الصورة الاستعراضية لقطع الرؤوس وتعليق الجثامين وكأن لا مانع لديهم إن تمت في السر أو في العلن! ثم تعليقات لآخرين تقول إن الظروف الراهنة لا تزال غير مستوفاة لإقامة دولة الخلافة وتطبيق «الحدود»!
صحيح أن مفكرين إسلاميين كثراً دانوا ما جرى على أنه لا يمت لروح الإسلام السمح والمعتدل بأية صلة، لكن في المقابل ظهرت أصوات جريئة، جاهرت، للمرة الأولى، برفض تعبير الاعتدال الإسلامي وأعلنت أن ما يحصل هو بالقياس، مجاراة لوقائع قديمة مارسها المسلمون الأوائل في سياق نشر دينهم ونصرته، بما في ذلك قتل المرتدين والكافرين وسبي النساء وجني المغانم من الحروب.
ويضيف هؤلاء أن الجهاديين أوضح من استلهم ماضي الإسلام وتمثل رموزه وأبطاله وشرع حق «خير أمة» في إعادة الهيمنة على العالم والتحكم بمصائره، داعين إلى رفض تعبير الإسلام المعتدل طالما أن أصحابه عاجزون عن سوق براهين وأمثلة تاريخية تدعم اعتدالهم وتدحض أو حتى تحاكي البراهين والأمثلة القوية التي يسوقها المتطرفون لدعم خيارهم العنفي وما يعتبرونه واجبهم في فرض الخلافة الإسلامية على الأرض.
ويخلص أصحاب هذا الرأي إلى أنه من الخطر بعد اليوم التلطي وراء أوهام الاعتدال، فأمام فظاعة الفكر الجهادي إنسانيّاً ومخلفاته التدميرية، آن الأوان لمعالجة جذرية لعلاقة الديني بالدنيوي ومنح الثقة لدعاة الإصلاح الديني للنهوض بمجتمعات أدمنت الجمود والتقليد وصارت في أمسّ الحاجة إلى نشر العقلانية في طرائق التفكير وتمكين الدين من تقديم إجابات واضحة عن أزمات الواقع وأسئلته الملحّة وفق منطق العصر واحتياجاته.
لقيت فكرة الإسلام المعتدل رواجاً واسعاً على المستويين السياسي والإعلامي، بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 عندما تقاطعت مصالح واشنطن مع هذا الخيار واعتبرته حصان طروادة في حربها ضد الإرهاب الجهادي ولاختراق العالم الإسلامي، مثلما تقاطعت مصالحها مع نقيضه المتشدد في حقبة الثمانينات لمواجهة المدّ الشيوعي وخاصة في أفغانستان. وخلص صنّاع القرار الأميركي إلى نقطتين، أولاهما، وضع معيار للإسلام السياسي المعتدل بصفته إسلامًا ينبذ العنف ويؤمن بالمدنية والديموقراطية، ويتعايش مع الحداثة، ويبتعد عن نزعة التفوق والكراهية للآخر المختلف دينيّاً، وثانيتهما، اعتبار «الإخوان المسلمين» النموذج الأمثل لهذا التيار المعتدل. و «الإخوان» لم يكذبوا الخبر والتقطوا ببراعتهم البراغماتية الحاجة الأميركية، وبدأوا يغازلون الشعارات الغربية عن الديموقراطية وحقوق الإنسان والدولة المدنية، ليعززوا شعبيتهم ويتمكنوا من تعزيز حضورهم عبر «اللعبة الديموقراطية» في عدد من البلدان الإسلامية، وكان الرأي السائد وقتذاك أن مثل هذا الحضور السياسي للتيارات المعتدلة يشكل عقبة كأداء أمام النمو المتصاعد للتيارات المتشددة، إلى أن جاءت الوقائع لتثبت عكس ذلك، ولتكشف القدرة المحدودة للإسلام المعتدل في سحب البساط من تحت أقدام التطرف والتحول إلى قوة معيقة للفكر الجهادي، ولتؤكد أيضاً حقيقة وجود منافع متبادلة بينهما، حيث يشكل الإسلام السياسي المعتدل الوعاء العقائدي والاجتماعي للجماعات المتشددة أو المناخ الخصب، أيديولوجيّاً وتنظيماً، لنموها وترعرعها.
وبينما يغدو تمدد هذه الجماعات مصدر قوة له وحافزاً موضوعياً لقبوله وتمكينه، والأمثلة كثيرة عن وحدة الإسلامويين في الدفاع عن مشتركاتهم وفي تنكر المعتدلين منهم للشعارات المدنية والديموقراطية بعد وصولهم إلى السلطة، كاستئثارهم الفظ بالحكم في مصر ورعونتهم لأسلمة الدولة والمجتمع مستثمرين فزاعة الجهاديين، وكتملص غالبيتهم في المعارضة السورية من شعار الدولة المدنية، ومسارعتهم لدعم الهيئات الشرعية والشعارات الإسلامية على حساب الشعارات الوطنية.
إذا كان للتطرف الديني أسبابه التي تعود إلى تردي ظروف حياة المسلمين وتعرضهم للظلم والحرمان كما لنزعات الاستفزاز والاستخفاف الطائفيين، فإنها تعود أيضاً إلى اجتهادات وفتاوى جهادية خطيرة لا تزال شائعة إلى اليوم ورسخت بعد فشل محاولات الإصلاح الديني وانتكاس التحديث وإخفاق المشاريع التنموية والنماذج السياسية التي هيمنت على المجتمعات الإسلامية بعد الاستقلال، ربطاً بعوامل خارجية أثرت بقوة في بلورة الاتجاهات الدينية المتشددة المناهضة للغرب وللولايات المتحدة، كالعنجهية الصهيونية وتداعيات الثورة الإيرانية، والحرب الأفغانية، واحتلال العراق.
والحال، إذ تحتاج مواجهة التطرف الإسلاموي إلى فهم ومعالجة الأسباب الموضوعية لنشوئه وترعرعه، بدءاً بمعالجة تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية، وتوفير شروط حياة تليق بالإنسان وتخلق الفرص الضرورية لضمان حاجاته المادية والروحية، انتهاءً بالتأسيس لمجتمع المواطنة والديموقراطية، طالما أن التطرّف والعنف المصاحب له لا ينتعشان إلا كرد فعل مشوه ضد احتكار السلطة والقهر والاستبداد وضد ظواهر الفساد والتفرقة والتمييز، فإنها تحتاج أساساً إلى استلهام الميراث التقدمي والإنساني في الظاهرة الدينية لتجديدها وتحديثها، عوضاً عن الرهان على ما يسمى الاعتدال السياسي الإسلامي، وتالياً تصحيح ما يحمله الناس من أفكار خاطئة ومغلوطة عن الإسلام، ربطاً بالتقدم الحثيث والجريء نحو وضع الدين في إطاره التاريخي، والتأسيس لفهم جديد للإسلام يلبي متطلبات الواقع وحاجاته من قناة «أنتم أدرى بشؤون دنياكم»، حتى لو اقتضى الأمر انزياحاً معرفياً ومسلكياً عن تقاليد تبدو راسخة، وعما يعتبره البعض موروثاً مقدساً.
والقصد أن المواجهة الناجعة للتشدد الإسلاموي تقتضي تجاوز الحسابات السياسية المؤقتة والمصالح الضيقة، نحو مقارعته في فضاء المفاهيم والتفسيرات الدينية، وفي مستوى النظرية والتأويل والاجتهاد، لإنتاج حضور للدين يتناسب وروح العصر، ينأى به عن دنس الحياة ويكرس تألقه كرسالة خير ونماء للبشرية جمعاء.

← العودة إلى مختارات