في هجاء التمديد - ساطع نور الدين (المدن)
طالما انه لم يكن خبراً، ولم يحدث إقراره ادنى تعديل في المؤشرات الاقتصادية او المعطيات السياسية او المحاذير الامنية، ولم يثر أي خوف محلي، او اي قلق خارجي، فانه يصعب شجب التمديد لمجلس النواب، فقط بزعم الانتماء الى نخبة ليس لها أثر ولا وجود، ويصبح التندر على ذلك القرار الخطير مفراً وحيداً من مواجهة الفاجعة. تكرر القول ان التمديد تعبير إضافي عن إنسداد إفق النظام اللبناني، وعن إقفال ابواب السياسة امام الطامحين من الأجيال الجديدة، ما يعني ان الشارع سيكون البديل الطبيعي، والعمل السري سيصبح السبيل المنطقي. لكن كلام مفرغ ويكاد يكون بلا معنى. فالانتخابات النيابية في لبنان لم تنجح يوما في تهدئة الشارع ولا في منع اللجوء الى العنف. كانت على الدوام حافزاً على الحرب الاهلية، او شرارة اندلاعها، ومناسبة لشهر السلاح وفرصة لتداول المال السياسي. وكان مجلس النواب صالونا جانبيا لطبقة سياسية كانت ولا تزال تستمد تفويضها وشرعيتها من خارج مراكز الاقتراع. يسهل إستنكار قرار التمديد بوصفه اعتداء غاشماً على حق دستوري، وانتهاكاً صارخاً لواجب وطني مقدس، ولخيار سياسي حاسم. لكن هذه الكلمات لا تجد لها أي صدى، الا عند بضعة أنفار من الحالمين الذين حاولوا قطع الطرقات المؤدية الى البرلمان، فاكتشفوا ان خرائطهم عن وسط بيروت قديمة، وحركتهم عاجزة عن منع النواب من الوصول الى مبتغاهم. سجلوا موقفا مبدئيا للتاريخ، الذي لن يكتبه احد ولن يحفظه احد. عددهم الذي كان اقل من عدد النواب الذين صوتوا على التمديد، كان مخيباً لكنها كان متوقعاً. السياسة ليست ترفاً او سلوكا نخبوياً. تعطيلها لم يكن صدفة او نتيجة الزلازل المدمرة التي تضرب المحيط العربي، والتي ساهمت على الارجح في طلب هذا الوقت المستقطع حتى شهر حزيران يونيو العام 2017 من قبل الطبقة السياسية اللبنانية الخائفة على مستقبلها. ففي مثل هذا الطلب الان بعض من الحكمة، ليس فقط لان النواب غير راغبين في الخضوع لمثل هذا الامتحان الشكلي أصلا، بل لأن الناخبين ليسوا جاهزين للتوجه الى صناديق الاقتراع، والدفاع عن حقهم الدستوري وواجبهم الوطني وخيارهم السياسي. والدليل كان ملموساً في الشارع الهادىء وفي الصالون الهازىء. في المبدأ، كان يجب ان تجرى الانتخابات في موعدها بأي شكل من الاشكال، حتى ولو اضطر الامر الى حمل صناديق الاقتراع الى الناخبين في المنازل والمكاتب والمعامل والمزارع والطرقات. شعوب كثيرة كانت تخوض انتخاباتها في الملاجىء، او المنافي. ولا جدال في أن الحالة الامنية والطائفية والمذهبية في لبنان كان يمكن ( بل يفترض) احتواؤها بالسياسة، خاصة وانها ليست على درجة من السوء الشائع. لكنه كلام فات أوانه الان. الخوف من الفراغ واهٍ، والتهديد به أجوف. لكنه مؤثر أكثر من الحديث عن اهمية ورقة التصويت وقدسيتها. فالنائب كما الناخب يعرفان مصلحتهما ولا يفرطان بها بسهولة، وهما مقتنعان تمام الاقتناع ان الانتخابات النيابية ليست سوى مزحة، وهما واثقان تمام الثقة ايضا ان المكلفين بتدبير شؤون البلد والناس، هم الأفضل والاكفأ. وهو تقدير صحيح الى حد بعيد. ولن يخرج من مراكز الاقتراع (اذا ما فتحت) من هم أذكى أو أقدر من الموجودين حاليا، ولن يتغير سوى ثلاثة او أربعة نواب على الاكثر. فلماذا العذاب إذاً، ولماذا الادعاء بانها ستكون انتخابات. فالتباهي امام العرب لم يعد يجدي، والتماهي مع الاجانب لم يعد ينفع. لسان حال الخارج الان هو: طالما ان لبنان يعرج بطريقة صحيحة، فان أحداً لن يكترث اذا ما أحجم اللبنانيون عن مزاولة تلك الرياضة الخطرة. كلمة اخيرة لا بد منها في السياسة لا في المبدأ: إقرار التمديد يوم حزين، فقط لانه يعطل اجتراح المعجزة التي لطالما كانت شرطاً لخلاص لبنان، وهي التوصل الى قانون انتخابي ينهي "اللوياجيرغا" الحالي، ويؤسس لبناء الحياة السياسية وتجدد الطبقة السياسية وتقدم الوطنية اللبنانية. انه يوم حزين أيضا لان بعض الجمهور اللبناني يمكن ان يسيء فهم ما جرى بالأمس، ويمكن ان يتحمس لتعميق الفراغ الذي تجنبه النواب..على مضض! - See more at: http://www.almodon.com/opinion/ebddee52-d9f7-462f-994e-0ee6e40968ae#sthash.qEqVBDxI.dpuf