إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

خرائط الطوائف - أمين قمورية (النهار)

 عندما ينشد نصف الاسكوتلنديين الاستقلال عن المملكة المتحدة وفك وحدة مع انكلترا عمرها أكثر من 300 سنة، يصير مفهوماً تطلع الاكراد الى التخلص من القيد الذي يكبلهم ببغداد وانتظار لحظة "الحرية" لاقامة كيانهم المستقل. كما يمكن أيضاً توقع رغبة غلاة الشيعة والسنة في العراق في اعلان الطلاق بينهم بعد تاريخ من الاحساس بالظلم والظلم المضاد والتهميش المتبادل.
صاعقة "داعش" في العراق ومن ثم ضرورة اقامة ائتلاف واسع ضده، فرضت على المكونات العراقية الرئيسية توافقاً سياسياً فوقياً. لكن هذا التوافق هش وتحول دون متانته ازمة ثقة عميقة وراسخة بين افرقائه وانخراط الجميع في لعبة محاور متناقضة المصالح والاهداف. وهو مرشح للتشقق والانفجار من الداخل حتى قبل بدء العمليات العسكرية ضد التنظيم النابذ والمنبوذ. أما في أفضل الاحوال، فلن يكون مصير هذا التوافق أفضل من مصير اتفاق "دايتون" البوسني الذي أوقف الحرب الاهلية لكنه أبقى الرغبات الاستقلالية. فالمكونات العراقية ستصير نظيرة لصرب البوسنة، كل منها يتطلع الى "جمهوريته" بعدما منحها اعلان الحرب على "داعش" حق اقامة شرطتها وحرسها الوطني وتوزيع فرقها وأسلحتها على مناطق انتشار مذاهبها، وتالياً أعطاها عند أول خلاف بين المكونات، حق تقرير مصيرها الذي يفضي عادة الى نتيجة واحدة: الانفصال.
في سوريا، الحرب على "داعش" ستسير بالمقلوب، لكن النتائج ستكون هي ذاتها. هنا لا حكومة تمثل كل الافرقاء والمكونات السورية يعترف بها الائتلاف الدولي الجديد ويكل اليها المهمة الحربية ومهمة ملء الفراغ، بل ان المهمة ستحصر حكراً بـ "معارضة معتدلة" لم يظهر منها بعد الا مشاريع نواتها، وهي حتى الآن "اسلامية" وليست "وطنية"، وتالياً فان سلاح الائتلاف وعتاده ومساعداته العسكرية والمالية ستذهب الى المقاتلين السنّة، وهذا ما يزيد قلق الاقليات ويدفعها الى مزيد من الالتفاف حول النظام في دمشق الذي لا يزال يملك بعضاً قدرة عسكرية أقوى من ان تهزم أو تنهار سريعاً. واذا ما قيض للائتلاف الجديد ان يحشر النظام، فلن يكون امامه سوى التمركز في مناطق ثقله الديموغرافي ذي الطبيعة الطائفية أيضاً. ومن شأن ذلك تسهيل فرض "دايتون" سوري على غرار العراقي، أو الانتقال مباشرة الى النموذج اليوغوسلافي الأصلي.
أما لبنان، الذي ساقه "داعش" الى العالمية وفرضه شريكاً في الحرب على الارهاب، فهو ليس في حاجة الى "دايتون"، ذلك ان "طائفه" منه وفيه. لكن مصير طوائفه سيظل معلقاً في انتظار رسم خرائط الطوائف الكبرى في المنطقة.

← العودة إلى مختارات