نصر الله يعلن الحرب - ساطع نور الدين (المدن)
المبالغة في لغة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ليست طارئة، لكنها تزداد خطورة يوما بعد يوم، خصوصا عندما تُسقط أدوات التحليل والتقدير المعتمدة مع العدو الاسرائيلي على العدو الداعشي الذي اصبح حسب تعريفه "خطراً وجودياً"على لبنان.. وبات يبرر اطلاق وعد جديد بالنصر، حتى قبل ان يجف حبر الوعد السابق.
في خطابه التلفزيوني في الذكرى الثامنة لانتهاء حرب العام 2006، لم يدخل نصر الله مباشرة في مسألة الاولويات والافضليات في مواجهة هذين العدوين الخطرين، لكنه كان واضحا وحاسما في إختياره وفي جدول الاعمال اللبناني الذي اقترحه للمواجهة، والذي يؤدي في ابسط تقدير الى تحويل لبنان، بكامل قواه العسكرية والامنية والسياسية والشعبية الى جبهة مفتوحة مع داعش.
يمكن التساهل مع قراءته المكررة لتلك الحرب ولذلك النصر، مع ان مقارنتها مع الغزو الاسرائيلي للبنان العام 1982 على سبيل المثال، او حتى مع الحرب الاخيرة على قطاع غزة تفرض قدرا أكبر من التواضع في الخطاب وتقديراً أدق للنصر. لكنه تقليد وأرث ودور. ما لا يمكن التسامح معه، بل يجب التنبه لمخاطره هو ذلك التورط العلني والمباشر في صراع، او بتعبير أدق في اعلان الحرب، على واحد من أسوأ التنظيمات الارهابية التي أنتجتها الأمة في نصف القرن الماضي، وواحد من أقوى الكيانات العقائدية التي شكلها العرب منذ قيام حزب البعث.
اطلاق جرس الانذار من "خطر وجودي" على لبنان، كان يتطلب الكثير من التبصر والتروي ! فالحديث هنا يدور عن بضعة آلاف من الارهابيين الذين تمكنوا في ظروف محددة من سد فراغ محدود في العراق وفي سوريا، وسيطروا على مدن وبلدات ومساحات واسعة فعلا لكنها كانت تخضع لحماية مئات او حتى عشرات فقط من الجنود او المقاتلين الخائفين، او أنها لم تكن تتمتع باي حماية أمنية بالمرة، كما هو الحال في مناطق الايزيديين والمسيحيين. وهؤلاء الارهابيون يعتمدون على سلوكياتهم البربرية أكثر بكثير مما يستخدمون قدراتهم القتالية، التي لا تؤهلهم للاقتراب من أربيل ولا طبعا من بغداد.. لا سيما بعدما رسم لهم الاميركيون الخط الاحمر، وربما أطلقوا لهم الضوء الاخضر للتوجه غرباً.
لا يمكن الجزم بان داعش، وهي الوريث الشرعي والوحيد لتنظيم القاعدة، يمثل خطراً وجودياً على العراق نفسه الذي يعتبره التنظيم منذ نحو عشر سنوات مركز عملياته الرئيسي. الخطر كان ولا يزال يكمن في فشل الشيعة في ادارة العملية السياسية التي كلفهم بها الاميركيون.. ومن دون ذلك لم يكن الخليفة ابو بكر البغدادي ليجد ملاذاً آمناً في اي منطقة عراقية، ولعله سيكون مضطرا في المستقبل القريب للانتقال الى الجناح الغربي من دولته الاسلامية، الى سوريا حيث تتجمع الان نذر معركة طاحنة مع النظام السوري، يقال انها ستكون الاخيرة قبل ان يبدأ البحث الجدي في مستقبل دمشق.
في هذه الاجواء، وجه نصر الله نداء التعبئة للالتحاق بتلك المعركة، برغم ان العامة في لبنان، على اختلاف طوائفها ومذاهبها،تميل الى الفرار او الاختباء من العاصفة الهوجاء، والوقوف من النظام ومن داعش، اللذين يختزلان أقسى التطرف المتبادل، موقف الحياد، والسعي الى توفير اكبر قدر ممكن من الحماية للحدود والمناطق المتاخمة لها، وإستدعاء أي شكل من أشكال المساعدة الخارجية.. وهي ستكون متاحة على الارجح اذا إقترب داعش من السلسلة الشرقية، حيث يمكن ان تهب مختلف الدول الاوروبية، من اليونان وصولا الى فرنسا وبريطانيا، للمساهمة في اطفاء الحريق الذي يهدد الجغرافيا اللبنانية ويمكن ان يمتد الى خارجها.
هذا السيناريو وارد، على الرغم من ان ثمة اقتناعاً بانه اذا ما فتحت معركة دمشق فانها ستنتهي في دمشق. واذا كانت مشيئة حزب الله وقدره ان يكون طرفاً في تلك المعركة، فهذا شأنه، لكن ذلك لا يبرر هذا القدر من المبالغة، ولا ذاك المستوى من الاستفزاز لتنظيم ما زالت جبهته اللبنانية هادئة نسبياً. - See more at: http://www.almodon.com/opinion/96a8db24-d20c-4de7-828a-8331c3028481#sthash.FW08a2fU.dpuf