إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

سوء إدارة أزمة المياه - حبيب معلوف (السفير)

 تستمر ازمة المياه في التفاعل في لبنان بسبب سوء الادارة، وليس بسبب نقص المورد. يستمر التخبط في طريقة مقاربة هذا الملف الحساس بسبب ابتعاد الخطط عن الاستراتيجيات وليس بسبب عدم الالتزام بتطبيق الخطط. كما يستمر التعاطي بعشوائية مع ازمة هذا العام، بسبب ابتعاد الاستراتيجيات عن المعطيات الايكولوجية وليس بسبب قلة الدراسات والخبراء، ولا بسبب قلة المتساقطات هذا العام فقط.
تستمر الأزمة أيضا بسبب الابتعاد عن العلم المجرد والانقياد إلى مصالح شركات استثمارية تغلب عليها دوافع الاستثمار والاتجار بهذه المادة الحيوية المربحة التي هي حق من حقوق كل انسان وليست سلعة او مادة للربح السريع والبعيد المدى.
هكذا نستطيع ان نفسر تلك الطروحات العشوائية التي نسمعها اليوم في «بلد المياه»، مثل تحلية مياه البحر او الاستيراد من الخارج على أبواب أزمة حقيقية، أكثر من نصفها متراكم من سوء الإدارة والسرقة والهدر والباقي من عوامل طبيعية كانت متوقعة!
لقد تناسى أصحاب هذه الطروحات، وبينهم مسؤولون رسميون، أنهم يتحملون مسؤولية الفشل في الادراة وفي النتائج التي وصلنا اليها اليوم. كما يتحمل الخبراء مسؤولية عدم احترام قوانين الطبيعة وطغيان النزعة الاستثمارية على فكرهم بدلا من طغيان تلك القانونية والعلمية الخالصة. فلو كان هناك خطط استراتيجية تحترم المعطيات الايكولوجية، لكنا لا نزال نستفيد من المعطى لنا من المياه السطحية، ولكنا تركنا الاحتياط الاستراتيجي من مياه جوفية الى الاعوام الجافة التي تقل فيها المتساقطات كمثل هذا العام، ولما وقعنا بأزمة كبيرة، ولجأنا الى كل تلك الطروحات المخجلة كالتحلية او الاستيراد. فالمعطى من مياه سطحية، لا سيما من الينابيع المتفجرة في لبنان كافية، في حال احسن ادارتها، لتأمين المياه (باستعمالاتها كافة في الري والسياحة والاستخدامات المنزلية والصناعية...)، مع إجراءات الترشيد ووقف السرقة والهدر بالطبع. وقد اغفل الخبراء كثيرا هذه المعطيات، لا سيما الاصرار على معرفة الارقام الحقيقية من هذا المعطى، ربما عن قصد (بهدف تبرير الاستثمارات الكبرى) أو ربما عن يأس من امكان ان تدير الدولة بوزاراتها واداراتها المختصة عمليات الحماية للمصادر وإجراءات القياس المستمرة ليس لحجم المتساقطات فقط بل لقدرة هذه الينابيع، بالاضافة الى انتاج قانون جديد يترجم ما ورد في الدستور، بكون المياه ملكية عامة، وكيفية التعامل مع ما يسمى «الحقوق المكتسبة على المياه»، ما يترجم بتعويض عادل واعادة توزيع المياه السطحية بشكل عادل أيضا لكل الناس.
ان مراجعة ارقام القياسات التي أعلن عنها الخبراء الألمان نهاية الأسبوع الماضي الذين درسوا لسنوات حجم التدفق من ينابيع كجعيتا والقشقوش والعسل، يثبت ما ذهبنا اليه مرارا، من المياه المتدفقة من الينابيع، لا سيما من أعالي جبال لبنان، كافية، من دون الحاجة الى سدود سطحية كما يدعي تجارها وسماسرتها. الخبراء قاموا بتركيب أجهزة قياس دقيقة للينابيع المذكورة ورصدوا قوة تدفق المياه لسنوات وقد أظهرت النتائج ان حجم تدفق نبع جعيتا على سبيل المثال في سنة مائية (التي تمتد من آخر أيلول إلى أول أيلول السنة التي تلي) كانت 115 مليون م3 بين عامي 2010/2011 و183 مليون م3 بين عامي 2011/2012 و126 مليون م3 لعام 2012/2013 و44 مليون م3 لهذا العام حتى آخر حزيران. وهو في متوسطه يتجاوز 150 مليون م3 أي أكثر من 400 ألف م3 في اليوم، يمكن لهذا النبع لوحده ان يكفي المشتركين في بيروت وقسما من قضاءي المتن وكسروان. وانه في فصل الشحائح، عندما يصل حجم التدفق من هذا النبع إلى ما يقارب 8000م3 يوميا (كما هي الحال الآن)، بالإمكان تأمين الحد الأدنى من المياه إذا ما أضيف اليه مياه ينابيع أخرى (القشقوش 65 مليون م3/س على سبيل المثال)، مع بعض إجراءات الترشيد والتقنين غير القاسية، بالإضافة إلى نزاهة الإدارة ووقف الاعتداءات على الشبكات وضبط الهدر. كما كان بالإمكان اتخاذ إجراءات بسيطة وغير مكلفة لتعزيز التخزين الجوفي للمياه عبر استحداث برك صغيرة فوق قمم الجبال لتخزين الثلوج، لا سيما في الأماكن غير المشمشة صيفا، والتي تستمر بذوبانها بتغذية الأحواض الجوفية وزيادة التدفق من الينابيع ان من ناحية الكمية او من ناحية الاستمرار في العطاء في فصل الشحائح. ان هذا الإجراء المقلد لما تفعله الطبيعة أصلا، يمكن ان يزيد من نسب تدفق المياه السطحية التي تبقى آمنة من التلوث والتبخر واعتداءات الأعداء، ويتم نقلها بالجاذبية، توفيرا لمحطات الضخ والتكرير والمعالجة... بدلا من تلك السدود السطحية (بكل المعاني) المكلفة التي يتبخر نصف مياهها ويتلوث النصف الآخر ويتسرب بعضها الى المياه الجوفية ويلوثها، وتحتاج إلى محطات تكرير باكلاف عالية.
كان يفترض الاستفادة من هذه الازمة هذا العام لاجراء مراجعة شاملة لكل الخطط والاستراتيجيات... او لاجراء المحاسبة للادارات المسؤولة عن التقصير او عن عدم الأخذ بهذه الاقتراحات البسيطة والفعالة لمواجهة أي أزمة شح او سرقة. فهل تنطلق في لبنان حركة أهلية او مدنية محاسبة وضاغطة لتبني هذه الخطط البديلة والبسيطة، في عرض الوقوف في وجه أي خيار من خيارات الخصخصة أيضا؟

← العودة إلى مختارات