عجمي الشيعة - ساطع نور الدين (المدن)
لعل الحرج او الحذر هو ما جعل الشيعة في لبنان خاصة يحجمون عن نعي أحد كتابهم وروادهم ، الذي رحل قبل أيام في اميركا تاركاً خلفه نتاجاً سياسياً واكاديمياً، يثبت الان واكثر من اي وقت مضى انه كان سابقاً لعصره، عبّر عن رؤية دقيقة وثاقبة، ومهد السبيل لقيام حلف شيعي اميركي (وغربي) مقدس، يواجه اليوم تحالفاً عريضا من الاعداء المشتركين، من ذوي الرايات الاسلامية السوداء.
كانت مفارقة عجيبة ان يتلقى الكاتب الاميركي، اللبناني الاصل، الشيعي الانتماء، فؤاد عجمي رثاء من السنة أكثر من الشيعة انفسهم، الذين لاذوا بالصمت برغم انهم يقاتلون اليوم تحت رايته وبسيفه ويتمتعون بغطائه الجوي..ويستكملون ما بدأه عندما أرسى في كتابه الاول فكرة الشيعية السياسية في لبنان وحولها الى قضية، في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، قبل ان يساهم في ترجمتها على ارض الواقع العراقي منذ مطلع التسعينات وحتى الان.
كان يفترض ان يسجل على الاقل ان عجمي قد مات بعد ان حقق نصف حلمه الاكبر. اما النصف الاخر فهو في طريقه الى التحقق الحتمي عندما يجري الاعلان رسميا وخلال فترة وجيزة عن قيام تلك الجبهة الاميركية الايرانية الموحدة في مواجهة الاسلام السني الصاعد، التي ظلت تقاتل في الخفاء طوال اكثر من عشرين عاما اعداء مشتركين في افغانستان ثم في العراق، والان في سوريا.
لم يتحقق ذلك الحلم عن طريق الصدفة. كان عجمي منظراً ومروجاً فعلياً. بدأ حياته الاكاديمية الاميركية بالتنكر للهوية العربية والحط من قدر العرب ووعيهم وثقافتهم، وتحميلهم مسؤولية هزائمهم المتلاحقة التي اجتمع العالم كله على إلحاقها بهم.. لكي يفتح تلك الثغرة في الجدار العربي الاميركي، ويشجع على تحييد الشيعة وتمييزهم عن بقية اشقائهم العرب، وحثهم على الثأر من فواجعهم التاريخية والتحرر من حقبات اضطهادهم السياسي.
لم يكن لبنان على تواضعه وصغر حجمه أرضا خصبة لتلك النظرية. كانت المقاومة الشيعية لاسرائيل قدرا تناقله اكثر من جيل. وكان القتال مع اميركا خيارا إلزاميا، ضبطت ايقاعه كل من طهران ودمشق حسب هواهما وبرامجهما. لكن التحول الجوهري حصل في اعقاب هجمات 11 ايلول 2001 عندما تقدم كثيرون من الشيعة مواكب العزاء بالضحايا الاميركيين ثم شاركوا بدرجات متفاوتة في الحملة العسكرية الاميركية والاطلسية على الارهاب الاسلامي السني.
في حينه اكتشف الاميركيون، وبناء على نصائح وتوصيات فؤاد عجمي الذي اصبح مستشارا رسميا يُسمع في البيت الابيض ووزارتي الخارجية والدفاع والكونغرس، ذلك الحليف الموثوق الذي يخشى الاصولية السنية اكثر بكثير مما يخاف منها الاميركيون انفسهم، والذي يبدي حماسة منقطعة النظير على جبهات القتال، الافغانية والعراقية ، والسورية الان، مبينة على سرديات تاريخية مؤثرة لا يمكن لاي خطاب سياسي معاصر ان يأتي بمثلها.
حتى اللحظة الاخيرة من حياته كان عجمي معارضا للانسحاب الاميركي من العراق، وناقدا حادا للرئيس باراك اوباما، فقط لانه يخذل ذلك الحلف المقدس في لحظة حرجة، ويترك الشيعة وحدهم يقاتلون ذلك المارد السني الذي خرج من القمقم. وكان يقول ان اميركا عائدة قريبا الى جبهات القتال ولن تكتفي بحماية حلفائها بواسطة طائرات من دون طيار على غرار ما يحصل الان في العراق وافغانستان التي تستعد مع نهاية هذا العام لموجة اصولية جديدة تمثل تهديداً مباشرا لايران.
لم يكن عجمي في سنواته الاخيرة يقيم وزناً خاصا لبلده الاصلي، لكنه كان راضياً بالتأكيد عن تحول شيعته من مقاتلين لاسرائيل واميركا الى محاربين من اجل العقيدة، ومبرراتها السورية المزعومة ومقوماتها الايرانية الافتراضية الذي تزداد رسوخا في وعيهم يوما بعد يوم، فتدخلهم في صراع مفتوح مع السنة، يحظى بتغطية الاميركيين، وبركة الاسرائيليين أيضا، لكنه لن يكون النهاية سوى وصمة، او فاجعة جديدة.. لم يتوقعها الراحل.