"صناعة" الحقد والكراهية! - كريم مروه (المدن)
للحقد والكراهية تاريخ طويل عند شعوب العالم. وهو تاريخ كانت الحروب الدينية والعرقية والقبلية أفظع أشكالها وأكثرها دموية، وأكثرها تدميراً للحضارة. وإذا كان الغرب في شخص أميركا وأوروبا قد حرّر مجتمعاته بقدر كبير، لا سيّما بعد الحرب العالمية الثانية وبسببها، من هاتين الآفتين، ومن المآسي والكوارث والآلام الكبيرة التي عانت منها شعوبه، فإننا نحن شعوب الشرق في القارتين الآسيوية والأفريقية ما زلنا بحاجة إلى زمن يصعب تحديده لكي نتحرر من هاتين الآفتين ومن آثارهما المدمرة. فالوقائع التي تقدمها لنا الأحداث في هذه الأيام في العديد من بلدن الشرق، ومن ضمنها بلداننا العربية مشرقاً ومغرباً، تشير إلى أننا نزداد ولوغاً في مستنقع هاتين الآفتين.
قد يستغرب القارئ كوني أعطيت لهاتين الآفتين صفة الصناعة. لذلك أسارع إلى توضيح السبب الذي دعاني إلى إعطائهما هذه الصفة. ويعود هذا السبب في أساسه إلى أن الصناعة بعامة، كما نعرفها، إنما تقوم عندما يقرّر صاحب الرأسمال في الفرصة مؤاتية العمل لتعظيم أرباحه التي هي الهدف الأساس الذي يبتغيه من استخدام رأسماله في أي ميدان من ميادين العمل الإنتاجي. وبهذا المعنى فإن أصحاب المصالح السياسية وغير السياسية ممن يعتبرون في التصنيف الاجتماعي سادة - أو أشباه سادة - لسلطات مدنية أو لسلطات استبدادية أو عسكرية أو عائلية أو دينية إنما هم في الواقع أصحاب صناعة من نوع خاص يختلفون في شكل رأسمالهم عن رأسمال أصحاب المال. فلأصحاب المال صناعة أداتها الأساسية المال الذي يكدسونه ويسعون إلى تعظيم إرباحهم بواسطته، ويستخدمون من أجل ذلك السلطات السياسية القائمة من خلال ممثليهم فيها. أما أصحاب الصناعة التي هي موضوع حديثنا هنا، صناعة الحقد والكراهية، فإن رأسمالهم هو التخلف والجهل اللذان يترافقان ويتعاظمان مع الغرائز السائدة في المجتمع القديم منها والحديث. لذلك فإن أصحاب المصالح المشار إليهم هؤلاء إنما يستخدمون دائماً وفي أكثر الأشكال بشاعة هذا "الرأسمال" الذي يلتقي فيه التخلف القديم المتجدد مع الغرائز المتصلة به. الأمر الذي يؤمن لصناعة الحقد والكراهية ولأصحابها ما يبتغونه من أهداف مما نشهد نماذج صارخة منه في أكثر من بلد، من أفغانستان إلى الصومال، مروراً بالعراق وسوريا وشبيهاتها في أكثر من بلد.
إن نظرة بسيطة وسريعة إلى التاريخ القديم المتجدد لبلدان الشرق، ورغم أنني في معظمها حتى لا نقع في الاطلاق، تؤكد كم هي رائجة هذه الصناعة في خدمة أصحابها، وكم هي كارثية بالنسبة لشعوب الشرق. فتعالوا معي أيها القراء الأعزاء إلى رحلة مختصرة في عدد من بلداننا العربية لكي نرى إلى هذه الصناعة وإلى أربابها، ليس من أجل أن نطلق الأحكام في أي من الاتجاهات، فهذا أمر غير محمود، بل لكي نرى إلى أين نحن ذاهبون بقرار منا أو بقرار مفروض علينا من داخلنا ومن خارجنا، أو من الجهتين معاً.
لنبدأ من العراق وسوريا "الداعشتين"، ومنهما إلى اليمن والسودان وليبيا، وصولاً إلى الصومال الذي يحسب علينا كواحد من بلداننا العربية، لا أدري كيف ولماذا! فماذا تقول لنا هذه الرحلة في هذه البلدان؟ وماذا تقدم لنا من معرفة لتاريخ بلداننا، وبحاضرها وبمستقبلها؟
لا أريد أن أثقل قراءنا الأعزاء بالتفكير. سأسمح لنفسي بأن أفكر لوحدي، وأترك لكل منهم أن يفكر على طريقته، وفق ما تقدمه له اللوحة التي أعطتنا إياها هذه الرحلة السريعة في البلدان الآنف ذكرها.
ورغم أنني معنيّ بكل هذه البلدان الشقيقة، معنيّ بتاريخها القديم كأساس للمعرفة، ومعنيّ خصوصاً بتاريخها الراهن وبالمستقبل الذي ينتظرها، إلا أنني معنيّ بالدرجة الأولى بما يجري في بلدي لبنان، الذي فيه ولدت وفيه ونشأت، وفيه تكوّنت حياتي وحياة عائلتي، وإليه أنتمي أولاً وآخراً، وطناً وشعباً وتاريخاً وثقافة، ويعنيني مستقبله لأنه مستقبل أولادي وأحفادي، ومستقبل شعبي برمته في تعدد وتنوّع مكوناته الإنسانية والثقافية والإثنية والحضارية. ومن حقي، باسم هذا الانتماء إلى وطني، أن أتساءل بألم وأسى أي وطن هذا الذي يريدنا أصحاب صناعة الحقد والكراهية أن ننتمي إليه ونعيش في كنفه، وننتظر مستقبلنا الغامض فيه؟!
لقد مررنا في تاريخنا اللبناني الحديث بحربين أهليتين ساهمتا في تدمير بلدنا، وفي قتل خيرة شبابنا، وفي تشويه الوعي لدى كثرة كبيرة من أبناء شعبنا، الوعي الذي هو الأساس في بناء الأوطان. وخلّفت لنا هاتان الحربان الأهليتان حرباً أهلية غير مسلحة ما نزال نعيش في ظلها. وهي حرب برع صنّاع الحقد والكراهية في تأجيجها من أجل أن يبقى بلدنا رهينة للمصالح التي يبتغونها. وهي مصالح تتلخص في جعل وطننا اللبناني العريق يسير في الاتجاه المناقض لتاريخه، الاتجاه الذي يجعل هؤلاء الصنّاع أسياد الوطن وأسياد مستقبله. ذلك أن كل شيء في لبنان في الأعوام الأخيرة، التي تمتد من عهد الوصاية السورية التي أورثتنا أحقاد الحرب الأهلية وعمّقتها في مجتمعنا وعمّمتها وما تزال تعمّمها من بعيد حتى هذه اللحظة من تاريخنا الحديث، إن كل شيء يشير إلى أننا سائرون طوعاً وكرهاً، باسم الحقد والكراهية، إلى القبول بما يريد صناعهما أن يكون عليه وطننا اللبناني. وانطلاقاً مما أشرت إليه، هل أجرؤ هنا على القول بأن ما يراد لوطننا الجميل لبنان هو أن يتحوّل من تاريخه القديم ومن تاريخه الحديث، كبلد للعلم وللمعرفة اللذين ذاع صيتهما وملأ اللبنانيون الدنيا بالمعارف التي يملكونها في ميدانها المختلفة، إلى "أفغانستان" لبنانية متعددة الطوائف تقودها "طالبان" لبنانية متعددة الطوائف أيضاً؟ أقول ذلك وأستغفر شعبنا، أولاً لأن مثل هذا الأمر مستحيل أن يقبل به اللبنانيون، برغم ما نراه من انصياع أقسام منهم إلى إرادة صنّاع الحقد والكراهية، وأستغفر شعبنا ثانياً لأنني واثق بأن يقظة الوعي لدى أكثرية أبنائه آتية لا ريب فيها، لكي تنقذ وطننا الجميل من الوقوع فيما هو نقيض لتاريخه ولطبيعته ولإرادة أبنائه.
سيسألني بعض "الخبثاء" الظرفاء من القراء الأعزاء: وماذا عن الثقافة التي عملتم أنتم الاشتراكيون باسم "دينكم الاشتراكي" على تعميمها، أعني ثقافة "الحقد الطبقي"؟! وجوابي السريع على هذا السؤال "الخبيث" من القراء ظرفاء هو أن "للحقد الطبقي"، الذي صرت "أكرهه"، أساس مختلف عن الحقد والكراهية اللذين أتحدث عنهما هو النقيض القاطع الرافض للاستغلال الذي يُخضع الرأسمال المتوحش الإنسانَ له عندما يفرض عليه بصفته شريكاً أساسياً في عملية الإنتاج أن يبيع قوة عمله بأبخس الأثمان، كرهاً لا طوعاً، من أجل تعظيم الربح لذلك الرأسمالي صاحب المال. وأضيف إلى هذا الجواب جواباً آخر أعبّر فيه عن موقفي الراهن كاشتراكي معاصر، مفاده أنني لم أعد أقبل بهذه الثقافة، ثقافة "الحقد الطبقي"، وأستبدلها بثقافة الديمقراطية، والنضال باسمها لإلغاء استغلال الإنسان للإنسان واستبدال هذا الاستغلال بالعدالة الاجتماعية. فالديمقراطية كعلاقة اجتماعية وكوسيلة حكم ونضال، والتحوّل الذي يحدثه النضال باسمها، هما البديل الحقيقي من ثقافة "الحقد الطبقي". ذلك أن الغاية الأسمى بالنسبة للإنسان الطبيعي إنما هي في نهاية المطاف تحقيق الحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية متحدين لكن في الحدود الممكنة واقعياً ورومانسياً، وليس بالشعبوية في أي شكل من أشكالها. فتعالوا أيها اللبنانيون لنعمل معاً، كتفاً إلى كتف، من أجل تحرير بلدنا وشعبنا من صناعة الحقد والكراهية واستبدالها من أجل المستقبل بالمصالحة الوطنية كثقافة أساسها الاعتراف بالآخر المختلف، والنضال معاً بالديمقراطية من أجل مستقبل نتحرر فيه ونحرر وطننا من كل أشكال الغرائز، بأسمائها وبمسبباتها، التي يريد صنّاع الحقد والكراهية أن يبقونا فيها، ويسلبوننا حقنا وواجبنا في إعادة بناء وطننا على قاعدة الحرية والتقدم العدالة الاجتماعية، التي تجعل لبنان كما يريده أبناؤه وطناً نموذجاً حضارياً راقياً يليق بتاريخه ويليق بشعبه.
إن تاريخ الشرق عظيم، وتاريخ بلداننا العربية عظيم، وتاريخ لبنان وطننا الخالد عظيم. ألم يحن الوقت لكي نحرّر شرقنا وعالمنا العربي ووطننا لبنان من آفات صناعة الحقد والكراهية لكي ندخل شعوبنا جميعها في الحضارة العالمية الجديدة التي نطمح لكي تكون حضارة إنسانية بكل المعاني؟َ!
نعم لقد حان الوقت لكي ننهض مما نحن فيه إلى ما ينبغي أن نكون عليه. وأملي كبير بشعبي اللبناني. لذلك فإنني باسم الأمل الذي نحن محكومون به أعلن لصنّاع الحقد والكراهية من كل الجهات والاتجاهات أننا سننتصر عليهم.