المحرقة الليبية - أمين قمورية (النهار)
الأخبار الواردة من ليبيا ليست سيئة فحسب، بل محزنة أيضاً.
بنى القذافي دولة لا يمكن ان تحكم إلاّ على طريقته. قتل الرجل فماتت دولته وسقطت البلاد في الفوضى.
ليبيا اليوم كيان مضطرب وفاشل وخطير، ذلك أن النظام السابق رسخ لدى الشعب الليبي ألا يثق بأحد إلاّ بالقبيلة، ومن ثم غرس بذور عدم اليقين في الحكومة. وجاء النظام الجديد ليعيد البناء على الاسس الموروثة نفسها هيكلاً هشاً مكرّساً المحاصصة القبلية والعشائرية ومضيفاً اليهما الانقسام العمودي بين ثوار وفلول. وهكذا رفضت الميليشيات العشائرية او الجهوية نزع سلاحها لئلا تفقد الحماية. وهكذا أيضاً فضل العاملون في قطاع النفط الابتزاز على المفاوضات.
ساهم الغرب في إسقاط العقيد ونظامه، لكنه لم يكمل المهمة. لم يقدم لليبيين ما يحتاجون إليه لبناء نظام بديل يبعد عنهم كأس الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار. ولم يعر اهتماماً لترسانة الأسلحة الضخمة التي فرقتها الأيدي في كل اتجاه وصارت خطراً على العباد والبلاد والجيران.
ليبيا الجديدة تسير نحو تحطيم آخر ما بقي من صورة الدولة والذي لن يؤدي إلا الى العودة الى الماضي، الى خمسين سنة الى الوراء، إلى الفيديرالية أو الأقاليم المستقلة او شبه المستقلة. وأرض الفراغ، بقدر ما فتح الباب على حروب أهلية ومنازعات، تشرع الحدود البرية والبحرية لألعاب الآخرين ومآربهم.
ليبيا قنبلة موقوتة، الكل يحاول ابعادها عنه قدر المستطاع وثمة من يريد رميها في احضان مصر ليس رأفة بالليبيين ولا حباً بالقاهرة ، بل ربما توريطاً لها في مشكلة تتدحرج في اتجاه ان تصير دولية.
بعد النجاح النسبي للجيش المصري في كبح جماح التطرف في سيناء، بدأت ترتفع أصوات في القاهرة مطالبة اياه بالتوجه شرقاً لوقف تهريب السلاح من الخزان الليبي الى الاراضي المصرية ولضبط الاضطراب في برقة والشرق من جهة وللافادة من الثروة النفطية الليبية المهدورة على أيدي العصابات وقطاع الطرق. هذه الاصوات تلقى اصداء في بعض دوائر صنع القرار في الغرب التي تحاول اغراء السلطات الجديدة في مصر ولا سيما منها المؤسسة العسكرية بقطعة الجبن الليبية المسيلة للعاب وخصوصاً لدولة تعاني إفقاراً وأزمات اقتصادية هائلة. لكن الغاية الحقيقية من ذلك توريط المصريين في ليبيا سعياً الى الحد من تدفق الهجرة غير الشرعية من هذا البلد الى أوروبا ومن ثم تأمين وصول الغاز الليبي الى اوروبا بديلاً عن الغاز الروسي للضغط على موسكو. ولكن، في ظل الفوضى العارمة، قد تتحوّل ليبيا محرقة لمصر على غرار أوكرانيا لروسيا حالياً أو العراق لاميركا سابقاً، فيغرق البلد العربي الاكبر وجيشه في مجاهل صعبة بعيداً من دوره المفترض داخلياً واقليمياً.