مستقبل العقل! - كريم مروه (المدن)
استعرت هذا العنوان لمقالي من عنوان لمقال للفيلسوف العقلاني المصري مراد وهبه. استعرته لغرض مختلف عن الموضوع الذي كان محور مقال مراد وهبه. هم الفيلسوف المصري هو أن يعرف ما إذا كان للصراع بين العقلانية والدوغمائية من نهاية في عصر التحولات الكبرى الذي تغيرت فيه المفاهيم والمعارف وتغيرت فيه وسائل ووسائط المعرفة في جوانبها وميادينها المختلفة. ورغم أن ما يشغل وهبه كفيلسوف في مقاله هو مختلف عما يشغلني في مقالي ككاتب سياسي، فإن ثمة ما نلتقي حوله في انشغالنا، كل منا من موقعه وفي همومه واهتماماته. وما نلتقي حوله هوالظاهرة السلفية المعاصرة التي تعود في أصولها، كما يقول فيلسوفنا، إلى أفكار ابن تيمية القديمة لكن في شكل راهن. غير أن مراد وهبه، وهو العلماني والعقلاني، إذ يدعو إلى انتصار العقلانية على الدوغمائية فإنه لا يرى في ذلك الانتصار بالضرورة إلغاء للدوغمائية. ذلك أنه لا يؤمن بإلغاء الآخر. وما يرمي إليه وهبه بانتصار العقلانية هو إزاحة الدوغمائية من الموقع الذي يجعلها تتحكم منه وباسمه بمسار المطور ومنعها من إعاقته. إنه يدعو ويعمل، من موقعه العقلاني، من أجل سيادة العقل في حياة البشر وفي سلوكهم، باعتباره، أي العقل، مستقبل الحضارة. فالحضارة، كما يقول، " هي في أصل نشأتها مردودة إلى عقل مبدع".
كلام مراد وهبه الرائع هذا ينير لي طريقي فيما أنا منشغل فيه في هذه اللحظة المثقلة بالقلق في عقلي ووجداني ومشاعري، والمثقلة بالقلق في عقل ووجدان ومشاعر الكثرة من مواطني عالمنا العربي المضطرب. وما أنا منشغل فيه في هذه اللحظة المضطربة والحرجة من تاريخنا العربي هو ما نشهده من غياب للعقل في ما يشبه الظاهرة التي يعطيها المواطن البسيط صفة القدر المحتوم أو ما يشبهه! وغياب العقل وتغييبه إنما يتجلى في أبشع مظاهره في موقف وسلوك الحاكم في بلداننا بصيغتيه، صيغة صاحب السلطة وزبانيته وصيغة الوحش الذي يشهر سلفيته الجهنمية باليد اليسرى ويشهر سلاحه القاطع بيده اليمنى، وفي موقف المحكوم بصيغتيه، صيغة المعارض للحاكم باسم حزب أو حركة أو تيار أو جماعة، وصيغة المواطن المستسلم لقدره المسلوب الإرادة والوعي. أليس هذا هو المشهد الطاغي أو الذي يكاد يكون طاغياً في معظم بلداننا العربية، بما في ذلك في عدد من تلك التي قامت فيها ثورات عاصفة عفوية الطابع نادت بالتغيير في أبسط أشكاله الرامي إلى تحقيق ما لم يعد قابلاً للتأجيل: الحرية والكرامة والعيش الكريم؟! وأستثني من هذا المشهد العام الطاغي، أو الذي يكاد يكون طاغياً، بلدين فقط هما مصر وتونس اللذين يحملان لنا أملاً.
لندخل في الموضوع من بابه العريض لكي نرى كيف تتجلى ظاهرة غياب العقل وتغييبه في بلداننا في هذه الأيام التي صارت أعواماً وعقوداً قبل أن تقف عند حدها. وقبل أن أعرض بعض تجليات هذه الظاهرة التي أتحدث عنها أحب أن أقدم تفسيراً لمعنى غياب العقل وتغييبه في المشهد العربي الراهن، معتذراً عما سيبدو في كلامي ما يشبه الاطلاق في الأحكام!
عندما أتحدث عن العقل هنا، وعن غيابه وتغييبه في بلداننا فيما يشبه الظاهرة، فإنني أقصد بالتحديد ما يرمز إليه العقل من محاكمة للأحداث وللمواقف وللرؤى وللسلوك عند الإنسان الذي يتميز عن الحيوان بأنه يملك عقلاً، أي يملك أداة للتفكير وللمعرفة اللذين يسبقان العمل في أشكاله وفي ميادينه المختلفة. فالعقل بهذا المعنى هو شرط ضروري للتفكير وللمعرفة وشرط ضروري لاتخاذ الموقف من الأحداث والأشياء وتحديد أشكال السلوك العقلانية الملائمة لذلك الموقف. استناداً إلى هذا المعنى الذي يشير إلى العقل وإلى دوره عند الإنسان في أي موقع كان من دون استثناء، نستطيع أن نغامر، كما أفعل أنا في هذه التداعيات، بالقول بأننا أمام حالة تكاد تكون عامة في معظم بلداننا العربية، هي حالة غياب العقل وتغييبه في ما يشبه الظاهرة.
لنأخذ بعض الأملة الصارخة التي تشير إلى هذه الظاهرة حتى لا يكون كلامي هنا مجرد تأويل يتخذه أمثالي من خارج الواقع. والأمثلة التي سأوردها ليست سوى جزء بسيط من واقع لم يعد يحتمل البقاء فيه من دون أفق للتغيير حتى في الحلم بانتظار تحويل الحلم إلى واقع في ذات زمان قادم.
سأستشهد هنا بمثلين ساطعين يقدمهما لي وللعالم ما يجري في كل من العراق وسوريا. وأرجئ الاستشهاد بوطني المعذب لبنان إلى وقت آخر. لكنني أحب قبل الحديث عما يجري في العراق وسوريا أن أتوقف عند الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الجزائر وأتساءل بصدق: هل كان ضرورياً وحتمياً أن يترشح الرئيس بوتفليقة لولاية رابعة وهو في حالة العجز التي هو فيها عن الكلام والمشي، وربما التفكير، بعد أن كان قد لعب دوراً مهماً في ولا يتيه الأولى والثانية؟! ويكفيني في الجواب عن تساؤلي ما سمعته من المرشح الديمقراطي بن فليس الذي نال ما يقرب عن اثني عشرة بالمائة من الأصوات مقابل ثمانين بالمائة لصالح بوتفليقة، رغم وضوح برنامجه الديمقراطي المستقبلي والذي قرر الاستمرار في المعركة باسمه من أجل مستقبل أفضل للجزائر. ويذكرني مثال بوتفليقه في الجزائر بمثال بريجنيف في الدولة الاشتراكية العظمى الاتحاد السوفياتي الذي ظل في موقعه رغم العجز الذي كنت شاهداً على بعض تجلياته!
في المثل السوري، وهو الأساس في الشهادة على غياب العقل وتغييبه، أتوقف عند ثلاثة مشاهد. المشهد الأول هو ترشح الرئيس بشار الأسد لولاية جديدة في ظل ما تمر فيه البلاد على يده ويد حلفائه من تدمير منظم بدم بارد لسوريا الجغرافيا والتاريخ والموقع والدور، ومن قتل وتهجير منظمين للملايين من أبناء سوريا. هل في هذا المشهد ما يشير إلى وجود عقل في رأس من هم في موقع السلطة ومن هم معه في ممارسة التدمير والقتل والتهجير؟ المشهد الثاني هو وجود هذه الأنواع من الحركات السلفية والتكفيرية التي تمارس في التنافس مع النظام، من موقع الاعتراض على سادته، عملية القتل بأبشع الأشكال! المشهد الثالث هو ما نراه في مواقف المعارضة المدنية في داخل البلاد وخارجها، المواقف التي لا تشير، كما كان مفترضاً، إلى وجود عقل منظم في إدارة المعركة من أجل إسقاط نظام الاستبداد وفتح أفق حقيقي للتغيير. هل هو غياب للعقل أم هو تغييب له، أم هو شيء لا اسم له ولا صفة؟!
أما في المثل العراقي، وهو شبيه في جوهره بالمثل السوري ومختلف عنه في الشكل، فيهمني أن أتوقف على مشهدين. المشهد الأول هو الذي يدل عليه بوضوح وجود المالكي على رأس حكومة يحتكر فيها المواقع الأساسية والقرار في ما يشبه سلطة القيصر، ويمنع من موقعه الثابت، حتى بعد الانتخابات النيابية، أية إمكانية لإيقاف الكارثة بكل جوانبها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ويمنع أية إمكانية لتغييره! هل وجوده في هذا الموقع وفي هذا النوع من السلطة والتسلط هو تعبير عن عقل، أم هو، على العكس من ذلك، تعبير فج عن غياب العقل؟ّ! المشهد الثاني هو ما تعبر عنه مواقف القوى المعارضة للحكومة. وهي من نوعين، سياسي يتمثل في الأحزاب التي تبدو عاجزة عن إيقاف الكارثة لأسباب ذاتية، وسلفي تكفيري يتمثل بالقاعدة ومثيلاتها من الحركات السلفية التي تمارس القتل والتدمير المنظمين أسوة بما نراه في سوريا.
هذان هما المثلان اللذان يقدمان صورة عن الواقع المأساوي في بلدين من أهم البلدان العربية في التاريخ القديم والحديث. فهل يعقل؟ ألا يحق لنا أن نتحدث في إزاء هذين المثلين عن الغياب والتغييب الساطعين للعقل في بلداننا؟!
لكنني، برغم ما أشرت إليه وأكثرت الحديث عنه، سأظل متفائلاً بمستقبل العقل، وسأظل متفائلاً بنهضة أصحاب العقول للقيام بدورهم المنتظر في إعادة العقل إلى لعب دوره في بناء أوطاننا وفي إخراجها مما هي فيه من غياب وتغييب للعقل.
لا خيار أمامنا سوى النضال بكل ما نملك من قوة وعزم من أجل أن ينتصر العقل في بلداننا. وهي مهمة الأجيال الشابة التي عليها أن تتعلم ن تجارب التاريخ كله القديم منه والحديث في بلداننا وفي العالم، وأن تفتح الطريق على مستقبل مختلف لبلداننا طال انتظاره.