كيف الخروج من منطق الحرب الأهلية؟ - كريم مروه (المدن)
لسنا البلد الوحيد الذي مر فيما مررنا به من مآس وكوارث سواء بسبب الحروب الأهلية، أو بالنزاعات السياسية والقومية والإثنية والدينية والعقائدية من كل الأنواع. أوروبا دخلت في أكثر من حرب بين بلدانها وجرّت معها العالم إلى أتون تلك الحرب. ثم اكتشفت بعد الكوارث التي ولّدتها لها ولشعوبها حربان عالميتان أن المصالحة والسلام والاعتراف بالآخر هي الأسس الصحيحة للتعايش بين المختلفين في القومية وفي الدين وفي العقيدة وفي المصالح الخاصة والعامة من كل الأنواع.
أما الشعوب التي جرت فيها ثورات وثورات مضادة، وحروب أهلية من شتى الأنواع، والحديث هنا هو دائماً عن أوروبا، فقد اكتشفت، ولو في وقت متأخر، بسبب الكوارث والمأسي التي ولّدتها لها صراعاتها وحروبها الأهلية، أن المصالحة التي تقود إلى قيام السلم الأهلي هي وحدها الحل. والمصالحة تعني في الأساس الاعتراف بالآخر المختلف، والتخلي عن احتكار الحق والحقيقة. وفي تاريخ أوروبا في القرن العشرين نموذجان بالغا الدلالة على ما أقول. النموذج الأول هو أسبانيا الجمهورية التي اعتدى عليها فرانكو بدعم من هتلر، وقاد البلاد إلى حرب أهلية انهزمت فيها الجمهورية، وتولّد عن هزيمتها أعداد كبيرة من الشهداء في ساحات القتال وفي خراجها، وخروج مئات الألوف من أنصار الجمهورية إلى الشتات في جهات العالم الأربع. وكان من فضائل قادة الجمهورية وأنصارها أنهم رفعوا شعار المصالحة وثبتوا عليه من دون تراجع، إلى أن حققوه بعد عشرات السنين باعتباره الحل الوحيد لذلك الصراع المدمر للبشر وللحجر. أما النموذج الثاني فهو إيرلندا التي عانت عقوداً طويلاً من الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت، ولم يجد المتصارعون بعد تلك العذابات سوى المصالحة والعيش المشترك بديلاً من الصراع ومن الكوارث التي قاد البلاد إليها.
وثمة نماذج أخرى في بلدان أخرى في القارات الخمس تؤكد ما أشرت إليه من أن الصراعات والحروب الأهلية والأحقاد التي تتولد عنها لا يمكن أن تقود إلى بناء الأوطان والدول ولا يمكن أن تهيئ الشروط للعيش المشترك بين مكونات تلك الأوطان. وإننا لنظلم الشعوب ككتل واحدة إذا نحن حملناها المسؤوليات عن الصراعات والحروب والحروب الأهلية التي شهدتها البشرية على امتداد تاريخها القديم والحديث. فالشعوب، كما دلتنا على ذلك التجارب كلها، إنما تساق سوقاً إلى الانخراط في تلك الصراعات والحروب والحروب الأهلية. ذلك أن المسؤولية عن تلك الكوارث المتكررة عبر التاريخ هي القوى التي تمتلك القرار وتمتلك السلطة، سواء باسم الاستبداد المدني والعسكري، أم باسم الاستبداد الذي يستخدم أصحابه الدين وسيلة للصراع، أم باسم القيادات السياسية في الأحزاب والتجمعات البشرية من شتى الأنواع، التي تقودها مصالحها إلى اختيار الصراع بكل أشكاله وسيلة لتحقيق تلك المصالح، وتستنفر في سبيل ذلك كل أنواع الغرائز التي تمكنها من الاستيلاء على إرادة المنتسبين إليها من ناس بلدانها ودفعهم في المعارك بأشكالها وأدواتها المختلفة، بما في ذلك بالسلاح عندما تقتضي "الضرورة" ذلك.
لبنانياً، هذا الوطن الجميل الذي يعشقه العالم ويتغنى بجماله وبتاريخه، هو اليوم وعلى امتداد تاريخه الحديث النموذج الصارخ لما أشرت إليه في البلدان الأخرى من كوارث قادت إليها الحروب الأهلية. لقد أدخلت القيادات السياسية في صراعاتها على السلطة وعلى التحكم بمصائر البلاد في أكثر من حرب أهلية، بالسلاح أولاً، وبالسياسة وبأحقادها على امتداد تاريخ لبنان الحديث. وإذ كانت شعوب عديدة قد تعلمت من تجاربها ومن تحارب سواها، فإن شعوباً أخرى ما تزال خارج "ضرورة " التعلم من تجاربها ومن تجارب الآخرين. ونحن في لبنان، لا سيما في هذه الأيام من حياتنا السياسية البائسة، إنما ننتمي وفي شكل فظ إلى هؤلاء الذين لم يتعلموا ويصرون على ألا يتعلموا من تجاربهم ومن تجارب سواهم.
إن قراءة بسيطة خالية من أي جهد لما هو عليه حال لبنان واللبنانيين في هذه الأيام تشير إلى الخراب الذي يعيش فيه بلدنا في كل ميادين الحياة. الأمر الذي يستدعي، كما يشير إلى ذلك منطق الأمور ومنطق التفكير والشعور بالمسؤولية، البحث في أسباب ما نحن فيه، والبحث في كيفية الخروج منه إلى مستقبل أفضل. فهل في منطق السياسة التي نعيش في ظلها في جميع المواقع في السلطة، وعلى تخومها وخارجها، ما يشير إلى الإحساس بالمسؤولية إزاء ما تعاني منه البلاد وما يعاني منه اللبنانيون في كل المواقع، لا سيما في الأوساط الشعبية التي خرجت بأشكال مختلفة تطالب بحقها في العيش الكريم؟!
الجواب عن هذا السؤال الطبيعي الذي تقدّمه الوقائع هو سلبي حتى الآن. والمسؤولية يتحملها الجميع. لكن من الظلم أن نساوي في المسؤولية جميع القوى. فثمة من هم أكثر مسؤولية من سواهم ليس بالضرورة عما جرى وعما يجري، بل عن البحث في كيفية الخروج من الأزمة.
وعليَّ أن أعترف للرئيس ميشال سليمان بأن مواقفه في هذه اللحظات التي يودع فيها ولايته في رئاسة البلاد إنما تشكل برنامجاً حقيقياً لإخراج لبنان من أزمته الخانقة. وأعترف، في الآن ذاته، بأن المسؤولين عن الحرب الأهلية من كل الجهات والاتجاهات، ولو بنسب متفاوتة، لم يتعلموا بما فيه الكفاية حتى الآن من دروس تلك الحرب ومن الكوارث التي قادت البلاد والشعب إليها. أقول ذلك رغم أن بعض تلك القوى قد قدم بعض الاعتذارات عن دوره في الحرب. لكنها اعتذارات على أهميتها لا تكفي. لا بد من قراءة مستقبلية أكثر موضوعية وأكثر واقعية لكي تجعل تلك الاعتذارات ذات تأثير في العقول والمشاعر والأفكار وفي الممارسات على الأرض وفي السياسات المتبعة وفي المشاريع المتصلة بها. لكن الكارثة الكبرى هي عند أولئك الذين ما يزالون أسرى منطق الحرب الأهلية وثقافتها وأسرى الأحقاد القديمة التي ولّدتها. فهل يعلمون كم سيتحملون من المسؤولية عن مصائر الوطن اللبناني ومصائر اللبنانيين إذا هم استمروا في مواقفهم على النحو الذي نراه ونسمعه ونخاف منه؟!
لا بديل للبنان للخروج من أزمته الخانقة والعاصفة التي ما تزال مستعصية على الحل، لا بد لتحقيق ذلك كشرط ضروري، أن يقتنع كل المسؤولين في السلطة وخارجها بأن الأحقاد لا تبني أوطاناً، وأن المصالحة التاريخية التي تقوم على الاعتراف بالآخر هي الحل الأوحد الذي لا بديل منه. وإلا فإن لبنان سيكون معرضاً لهزات، وربما لحروب أهلية قادمة لا تبقي ولا تذر.
الخروج من منطق الحرب الأهلية ومن الأحقاد القديمة التي ولّدتها هو طريق لبنان إلى مستقبله، في ظل دولة ديمقراطية مدنية حديثة، دولة حق وقانون يتساوى فيها المواطنون بالحقوق والواجبات.