إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

القناعةُ كنزٌ ... والتواضعُ فضيلة - غسان العياش (السفير)

 قرّرت هيئة التنسيق النقابية، على ما يبدو، استئناف «الحرب» لتحقيق «انتصار» كامل في ما خص سلسلة الرتب والرواتب. ولم تعبأ الهيئة، وفقاً لتصريحات قادتها، بالمكاسب المعقولة والمعتدلة التي يوفرها مشروع اللجنة البرلمانية، التي تألفت في أعقاب فشل لجنة المال والموازنة ورئيسها، مع اللجان الأخرى، في صياغة مشروع لسلسلة الرتب والرواتب يجنّب الاقتصاد اللبناني مخاطر أكيدة لزيادات تُعطى في ظروف غير ملائمة.
وإذا سمحت هيئة التنسيق لنفسها بشيء من التواضع وقبلت بالنصيحة، ستسمع أن إصرارها على تحقيق «الانتصار الكامل» يضعها في مواجهة واسعة مع الرأي العام وليس مع «حيتان المال» فقط. فتحقيق مطالبها بشكل كامل، وفي ظل الظروف الراهنة للاقتصاد اللبناني، يلحق أفدح الأضرار بالفقراء والطبقة الوسطى قبل الأغنياء.
مشروع اللجنة البرلمانية معتدل ومتوازن، وأضراره الاقتصادية محدودة قياساً بالمشروع الذي قُدِّم من قبل إلى المجلس النيابي. والمشروع الجديد يلحظ إيرادات جدية لتمويل كلفة الزيادات الملحوظة، وهو يعطي الموظفين جزءاً كبيراً من حقوقهم المشروعة، ويحذف بعض العطاءات المبالغ بها لفئات محددة منهم، لأن الواقع لا يسمح في الوقت الحاضر «بتغنيج» البعض على حساب المجتمع بأسره.
بل إن اقتصاداً مأزوماً ومنكمشاً، مثل الاقتصاد اللبناني، لا يسمح بإعطاء كل الحقوق لمستحقيها، إنما يتطلّب من الجميع التعاون وتقاسم التضحيات. ليس الوقت ملائماً لإيصال رواتب فئات معينة إلى مثيلاتها في الدول المتقدمة، مع التقدير الكامل لموظفي القطاع العام، وإن كان بعضهم قليل الفعالية.
يتمحور معدل النمو الاقتصادي في لبنان حول الواحد في المئة، ربما أقل أو أعلى قليلاً. وإذا وضعنا الحالة الخاصة للاقتصاد السوري جانباً، يظهر الاقتصاد اللبناني كأضعف اقتصاديات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ أن دول المنطقة، بعكس لبنان، تستعيد عافيتها الاقتصادية بعد سنوات من التراجع، حيث توقع البنك الدولي أن تسجل هذه الدول معدل نمو بحدود 3,3% في العام الجاري و4,6% سنة 2015. وهذان المعدلان يعتبران أفضل من النتائج المحققة في السنوات القليلة السابقة، سنوات الأزمة، وإن كانت هذه النتائج لا ترقى إلى المستويات التي سجلت بين عامي 2000 و2010.
إن أخطر المؤشرات الاقتصادية هي تطوّر الدين العام بنسب تفوق تطوّر النمو الاقتصادي. وفيما يبلغ معدل النمو الاقتصادي في لبنان حوالي 1%، بيّنت الإحصائيات التي نشرتها جمعية مصارف لبنان أن الدين العام، الذي بلغ 65 مليار دولار في نهاية آذار الماضي، زاد بنسبة 2,6% في الفصل الأول من هذا العام، فقط، وبنسبة 12% تقريباً عما كان عليه قبل عام.
في ذروة الانكماش والتحديات والمخاطر الناجمة عن الصراع الإقليمي والنزوح السوري تصر هيئة التنسيق النقابية على تحقيق أعلى سقف لمطالبها المزمنة. لكن الدول التي تعاني من تراجع في اقتصادياتها تعالج الانكماش بتدابير قاسية وموجعة، لا تستثني منها الإنفاق الاجتماعي ومخصصات موظفي القطاع العام. هذا هو السبيل الذي انتهجته الدول الصناعية في مواجهة الأزمة المالية العالمية والأزمات التي أعقبتها.
وفيما لبنان غارق، منذ عام ونيّف، بجدالات وخطابات وتظاهرات واجتهادات حول سلسلة الرتب والرواتب، عرفت فرنسا نوعاً شبيهاً بهذا الجدل، ولكن البرلمان، متعاوناً مع الرأي العام، حسم الأمر في ثلاثة أسابيع فقط. فقد تقدّم رئيس الحكومة الجديد مانويل فالس بمشروع لتوفير 50 مليار يورو في ثلاث سنوات بهدف إعادة الالتزام بالسقف الأوروبي لعجز الموازنة. تحقيقاً لهذه الغاية، لحظ «ميثاق التضامن الاجتماعي»، كما سمّاه فالس، تجميداً لتقديمات اجتماعية وصحية ومنافع أساسية لموظفي الدولة.
أثار مشروع فالس نقاشاً حاداً بين الكتل البرلمانية وعلى صعيد الرأي العام، تناول الجدل بصورة خاصة تأثير المشروع على النمو الاقتصادي وما إذا كان ممكناً اعتباره خطة للتقشف تزيد حدة الأزمة الاقتصادية، كما تطرّق إلى أثر المشروع على الفئات ذات المداخيل المتدنية. ولكن هذا الجدل الموضوعي لم يستمر أكثر من ثلاثة أسابيع، انتهت بإدخال تعديلات على مشروع فالس وإقراره في البرلمان.
المقارنة بين هذا السلوك والطريقة التي تُدار بها معركة السلسلة في لبنان تثير الشك بأن الغاية هنا هي تحقيق مكاسب نقابية وسياسية، أكثر منها الدفاع عن حقوق الموظفين. لكن الإفراط في استعمال فن الخطابة بات ينفر الرأي العام بدل أن يجنّده إلى جانب الموظفين وقضيتهم.

← العودة إلى مختارات