إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

نحو تصحيح وظائف الضريبة - حبيب معلوف (السفير)

 شوهت المعارك التي تدور مؤخرا في لبنان حول سلسلة الرتب والرواتب معنى الضريبة. فالطريقة السلبية التي تدار فيها «المعارك» على السلسلة وشد الحبال بين اصحاب الحقوق وأصحاب الأطماع التي لا حدود لها حوَّل الإيجابي الى سلبي. فللضريبة معان ووظائف ايجابية جدا بالنسبة الى الدولة والمجتمع والاقتصاد والبيئة وديمومة الموارد... المهم تحديد الخلفية والكيفية المناسبة لوضعها او لاستخدامها. فالضريبة هي المدخل الرئيسي لبناء الدولة الراعية للمجتمع ولديمومة الموارد ومصدر قوتها واستقلاليتها. وهي ايضا مصدر اساسي لبناء المواطنية المطلوبة في اية دولة. ولعل آخر الوظائف التي يفترض البحث فيها للضرائب هي «التمويل» وليس كما يحصل حاليا، حين تصبح هذه القضية (تمويل السلسلة)، المدخل الرئيسي للبحث في الضرائب. واذ يفترض التسليم بهذا المعطى قبل اي بحث آخر، تبقى المشكلة في مدى عدالة الضرائب وليس في الحاجة اليها. ونسارع الى القول إنه كلما كانت الضرائب «بيئية»، كلما كانت اقرب إلى العدالة الشاملة. اي العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية في آن. كما لا يفترض البحث في نظام ضرائبي (قديم او جديد) من دون البحث في سياسات الدولة. فالضريبة جزء من سياسات الدولة في كل القطاعات، ويفترض ان يتم وضعها ضمن اطار استراتيجي شامل للتنمية المستدامة الشاملة وتحت سقف حماية الموارد وديمومتها وحفظ حقوق الانسان الحالي والآتــي ايضـا. فالعدالـة البيـئية تفرض على الانواع الاخرى من العدالة الاجتماعية والاقتصادية ان تاخذ بالاعتبار ايضا ديمومة الموارد وحفظ حقوق الاجيال التي لم تأت بعد.
ليس صحيحاً ان وقف الهدر هو البديل عن الضرائب كما يدعي البعض. فللضرائب وظائف عدة في طليعتها وقف الهدر. اي بمعنى آخر، يمكن استخدام بعض الضرائب لوقف الهدر، تلك الآفة التي يجمع الجميع على انها مضرة جدا بالاقتصاد والبيئة.
كما من أهداف الضرائب تغيير مسارات وتصحيح اتجاهات خاطئة في الاقتصاد. كما قد تكون وسيلة للتشجيع على ممارسات وعادات حميدة او للعقاب على اتجاهات مضرة. كما قد تكون للتثقيف او للحماية من مخاطر واضحة او محتملة.
فالضريبة على الأملاك البحرية والنهرية العامة، لا سيما على المخالفات والتعديات، لا يفترض ان تكون من اجل تأمين مداخيل للخزينة فقط، بل بمثابة عقاب على المخالفات، على أن لا يتم تشريع هذه المخالفات، حتى يأتي يوم يعاد هدمها. كما ان الضريبة التي كان يفترض التفكير فيها، لا سيما بعد المباشرة بتطبيق قانون منع التدخين في الأماكن العامة، هي مضاعفة الرسوم على كل أنواع التبغ وإيجاد الآليات اللازمة لمنع التهريب. هذا الإجراء ليس بدافع حماية الصحة فقط، ولا بهدف المساهمة في التخفيف من استغلال شركات وتجار التبغ، بل من اجل المساهمة في الحد من زراعة الدخان التي تأتي على حساب صحة المزارعين والمساحات الخضراء التي يفترض ان تخصص للمحاصيل الغذائية أولا. بالإضافة إلى رفع الرسوم الجمركية على مالكي أكثر من سيارة، كضريبة تصاعدية، لتشجيع استخدام النقل العام ولعدم استسهال اقتناء البيت الواحد أكثر من سيارتين كحد أقصى. بالإضافة الى زيادة الرسوم على السيارات ذات الدفع الرباعي والمحركات الكبيرة التي تستهلك الكثير من الوقود وتتسبب بالكثير من الانبعاثات المضرة بالبيئة والصحة العامة.
وللمساهمة في حل قضايا الإيجارات، كان يفترض أيضا وضع ضريبة على الشقق الفارغة لتشجيع أصحاب الشقق على تأجيرها وخفض بدلات الإيجار المرتفعة بشكل غير معقول ولتوفير تشويه الجبال من جراء زيادة الطلب على البحص والرمل والترابة...الخ
ولا نعرف لما لم يتم رفع الضريبة والرسوم عن الأسلحة النارية وخرطوش الصيد وعلى المفرقعات النارية أضعافاً مضاعفة... لعدم تشجيع هوايات القتل والعادات السيئة في إطلاق النار والأسهم النارية... والتخفيف من التلوث بالضجيج ومن دخان البارود ومواد أخرى والتخفيف من حرائق الغابات والاحراج في لبنان. بالإضافة إلى رفع الضريبة على المشروبات الغازية التي تستغل مصادر ينابيع المياه العذبة وتنافسها في السعر، بعد ان يضاف اليها ملونات ضارة وسعرات حرارية زائفة، تتسبب بالسمنة وتضر بصحة أولادنا، وتزيد من حجم الفاتورة الصحية المتضخمة جدا في لبنان. بالإضافة إلى إعادة النظر بالرسوم على المياه المعبأة، لا سيما تلك التي يتم تصديرها الى خارج لبنان. وزيادة الضرائب على المنتجات والسلع والأدوات التي تستهلك الكثير من الموارد في إنتاجها والتي تتحول الى نفايات خطرة او ضــارة وكلـفة معالجـتها عالية جدا. وضريـبة على الإعلانات في كل أشكالها، لا سيما تلك التي تأخذ مكان الأشجار على الطرق، نظرا للأضرار والتشوهات التي تتسبب بها هذه الإعلانات على المنظر العام مع خلقها لحاجات كاذبة والتشجيع على استهلاك سلع غير ضرورية. والإسراع في انجاز قانون ينظم الاستثمار في قطاع المقالع والكسارات والمرامل والترابة والمصالح ذات الصلة، وإعادة النظر بالمخطط التوجيهي على قاعدة إعطاء الأولوية للاستثمار في مشاعات الدولة وأملاك مصرف لبنان واستيفاء الرسوم (الحقيقية) من إيجار الأرض والأمتار المكعبة المستخرجة والتراخيص...الخ.
ان أنواعاً كهذه من الضرائب المصنفة «بيئية»، وغيرها التي يمكن ان نفكر بها لاحقا، هي الأقرب الى العدالة الشاملة، كما أنها تؤمن مداخيل مهمة لخزينة الدولة وتساهم في توقيتها وفي حماية الموارد الطبيعية وتحفظ حقوق الأجيال الآتية في التمتع بما هو عام من دون خصخصة او حرمان.

← العودة إلى مختارات