إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

من الانتحار إلى النحر - مروان اسكندر (النهار)

النواب في بلدنا يتصرفون على أسس شعبوية لحماية مصالحهم، ومنها بالطبع كرسي نيابي قد لا يستوجب حضوراً لأكثر من 50 يوماً في أي سنة، ومكاتب النواب في المبنى الخاص بهم خالية من اية دراسات وتوقعات.

أيار عام 1992، أنجزت لجنة بتكليف من حكومة الرئيس عمر كرامي دراسة عن اصلاح أوضاع المالية العامة. وفي تاريخ تقديم الدراسة كان سعر صرف الليرة في انحدار مخيف، ومطالب اللبنانيين ملحة وعميقة وقد عمدوا الى حرق اطارات سيارات في الشوارع الرئيسية، فاستقالت حكومة الرئيس كرامي ثاني أيام الاضراب، أي في تاريخ 6/ 5/ 1992.
توصيات لجنة الخبراء في حينه شملت الخطوات التصحيحية الآتية:
- اقرار تعيين المديرين العامين ومساعديهم في المناصب الشاغرة لتفعيل عمل الإدارة، مع تشذيب اعداد الموظفين الفائضين عن الحاجة.
- اعتماد انظمة المعلوماتية في مختلف جوانب العمل الحكومي المتعلق بالمواطنين، سواء في ما يتعلق بالرسوم والضرائب، السجل العقاري، منافع الضمان الاجتماعي، وخصوصاً الضمان الصحي الخ، وكان القصد من هذه التوصية ضبط سوء استعمال السلطة على مختلف المستويات لتحصيل الرشى وما يسمى الاكراميات.
- العمل على تقليص دور القطاع العام، وتوسيع وتنشيط دور القطاع الخاص، والتأكيد ان هذا التوجه لن يحقق النتائج المرجوة ما لم تكن الاجراءات القانونية، سواء لإطلاق عمل الشركات وانتظام محاسباتها، وفض الخلافات التجارية القانونية ضمن مهل معقولة، فعالة وواضحة.
اليوم نواجه ما يسمى مشروع اقرار سلسلة الرتب والرواتب ونسمع من السيد حنا غريب تهديدات بالويل والثبور وعظائم الأمور ان لم تقر السلسلة بمختلف اجزائها وعطاءاتها. والسيد غريب هو الساعي الى أن ينتخب أميناً عاماً للحزب الشيوعي، هذا الحزب الذي باخت معالمه في بلد انبعاثه اي روسيا، وهو القائل يوماً أمام المصرف المركزي، قبل سنة ونصف سنة، إن ارباح المصارف 130 مليار دولار وسنأخذ حصتنا منها. والواقع أن مجموعة ميزانيات المصارف العاملة في لبنان كان يبلغ الرقم المذكور، والربح كان يوازي 1,5 مليار دولار اي اقل من 11,6 في المئة مردوداً على رؤوس أموال المصارف.
اليوم الوضع مختلف عن السابق. تكاليف السلسلة، كما بيّنها رئيس الجنة النيابية 2750 مليار ليرة لبنانية، تضاف الى عجز على صعيد تأمين الكهرباء – وهذا عجز مصلحة كهرباء لبنان وحدها ولا يشمل انفاق اللبنانيين على المولدات الخاصة – يوازي 3900 مليار، تضاف اليها عجوز مختلفة على مستوى 1200 مليار، وتالياً نحن ننظر الى عجز في حال اقرار السلسلة يساوي 8000 مليار ليرة لبنانية، أو خمسة مليارات وثلاثمئة مليون دولار، وهذا المبلغ يتجاوز نسبة 12 في المئة من الدخل القومي المقدر، ويهدّد مستقبل البلد بأزمة مستعصية.
خلال السنوات الثلاث الأخيرة، كانت الدولة تتفادى الازمات المستعصية، بنقل العجز الى مصرف لبنان، وقد بات المصرف يحمل أكثر من 30 في المئة من الدين العام، وتولى تسهيل الاقراض لمشاريع حيوية، كشراء الشقق مع دعم يخفض كلفة الفائدة الى حدّ بعيد، وكذلك حظيت المشاريع الصناعية بدعم، والمشاريع البيئية، ونشاطات المعلوماتية الخ، ولولا اقرار هذه البرامج لما كان ثمة نمو على مستوى 1,5 – 2 في المئة في حجم الدخل القومي كل سنة خلال السنتين المنصرمتين، في حين كان معدل النمو بين 2009 و2011 يراوح بين 7 و8 في المئة، وهذا معدل يمكن من استيعاب طاقات شبابية في أسواق العمل. لقد أوضح حاكم مصرف لبنان للرئيس نبيه بري ان قدرة المصرف على معالجة نتائج السلسلة محدودة وان العبء لا بد ان يكون على عاتق وزارة المال.
بعد اهمال تطوير تجهيزات البنية التحتية مدى سنوات لأن تمويل المشاريع لم يتوافر، وبعد الهجرة الكثيفة والاقامة المحزنة لمليون سوري وسورية، منهم نسبة كبيرة من الاطفال، بات لبنان يحتاج في المقام الاول الى اطلاق النمو وتنفيذ المشاريع البنيوية. وفي رأينا يمكن تلخيص المطلوب من أجل انقاذ لبنان من سياسييه وجهلهم أو تجاهلهم للحاجات الأساسية للمواطنين بالخطوات الآتية:
- حصر أية منافع تقرّ لسلسلة الرتب والرواتب بنسبة 30 في المئة على الأكثر من المطالب وذلك حتى نهاية 2015، وانقاذ البلد من الخراب يستحق هذه المغامرة الايجابية من المسؤولين ومن الموظفين في القطاع العام.
- اطلاق تلزيم البحث والتنقيب عن النفط والغاز في أربع مناطق منها منطقتان بين البترون وطرابلس، ومنطقتان بين الدامور وصور، ومن المهم التأكيد ان النتائج الكلية في حال تحقيق اكتشافات، وهذا الأمر مرجح، لن تتحقق قبل سبع سنوات على الأقل، انما في الوقت ذاته ستوفر أعمال البحث والتنقيب مدفوعات مقبولة للدولة اللبنانية عند توقيع العقود، وسيفسح سير العمليات في مجال العمل المباشر لـ12 الف موظف وفني. اضف ان توفير حاجات العمال على منصات التنقيب، وطعامهم، والعناية الصحية، والماء وما شاكل سيحتاج الى 24 ألف موظف وفني يعملون على الارض اللبنانية ويحتاجون الى مكاتب وطائرات هليكوبتر لتأمين حاجات العمال والفنيين على المنصات، بما في ذلك قطع الغيار الخ.
- حيث ان عجز الكهرباء هو الأكبر، وحيث ان 80 في المئة من العجز يعود الى تكاليف استيراد المازوت والفيول، يجب تحضير وانجاز عملية استيراد الغاز المسيل وتحويله الى غاز طبيعي يستعمل في معامل الكهرباء، ويمكن انجاز تحضيرات هذه العملية خلال 18 شهراً فنبدأ بتحقيق وفر على مستوى مليار دولار سنوياً، يمكن زيادته مع تأمين الغاز لمصانع الاسمنت، فنحقق وفراً إضافياً على مستةى 600 مليون دولار، ومنفعة بيئية كبيرة.
ونلفت المسؤولين الى أن دبي التي تنتج بعض النفط وتزخر بالمشاريع العمرانية، تعتمد هذه الوسيلة لتأمين انتاجها من الكهرباء الذي يفوق حاجات لبنان بكامله.
- انجاز مصفاتين لاستخراج مشتقات النفط بطاقة اقتصادية لا تقل عن أربعة ملايين طن لكل مصفاة بحيث نستطيع مع انجاز اعمال المصفاتين خلال 30 شهراً تأمين حاجاتنا المحلية مع تحقيق وفر على مستوى 500 مليون دولار سنوياً، وهذه العملية يمكن انجازها بالتعاون مع القطاع الخاص.
- اجازة زراعة الحشيشة في البقاع وشمال لبنان، والمنطقتان محروقتان وتضيق فسحاتهما بالمهجرين السوريين، ومعلوم أن ولايتين في الولايات المتحدة أجازتا تدخين الحشيشة دونما اعتراضات قانونية، وكان في إمكان المدعي العام الفيديرالي فرض المنع على رغم تشريعات الولايات المعنية لكنه لم يفعل، لأن التقارير الطبية تفيد أن تدخين السجائر العادية أكثر ضرراً.
يمكن ان تكون هذه الزراعة ناشطة في البقاع وعكار سنة 2015 وحصيلتها تأمين آلاف فرص العمل ولو مياومة لسكان هذه المناطق، وبعض الدفق السوري، مع فائدة اقتصادية سنوية على مستوى ملياري دولار.
- ثمة امكان لتحريك الانتاج وتحسين منشآت البنية التحتية من اطلاق مشاريع مدينة بيروت، سواء في مجال انجاز المواقف تحت الارض، تحسين الطرق، الانارة، الحراسة الخ. وقد كانت هذه المشاريع منجزة دراستها لدى المجلس البلدي، لكن تنفيذها معلق على توافق المحافظ مع المجلس، والامكانات المالية المتاحة تفوق الـ1,1 مليار دولار. ولا يجوز تأخير تعيين محافظ أصيل في أقرب وقت، أي أقل من أسبوع.
أخيراً وبصورة أهم، ونعلم ان الطرح يفاجئ فريق النواب الذين اعتادوا تكريس الدين ومراقبة تصاعده من غير أن يلتفتوا الى معالجة الموضوع. ان اقرار برنامج الرئيس الحريري لإلغاء ضرائب الدخل والارباح والضرائب على انتقال الأصول بعد الوفاة، مع زيادة معدل الضريبة على القيمة المضافة الى نسبة 16 في المئة، أمر يؤدي الى تحسين أوضاع الموازنة بنسبة ملحوظة.
كذلك فان اقرار هذا المشروع يزيل مخاوف التشبيح من محققي وزارة المال ويمكن العمال والموظفين من الحصول على معاشاتهم وتعويضاتهم بصورة غير منقوصة، كما يؤدي الى اختزال الاجراءات الادارية وكف يد عدد كبير من الموظفين ممن جعلوا الوظيفة والتسلط مدخلاً لجمع الثروات على حساب أموال الناس وأعصابهم.
لقد آن الأوان للبحث في أمور جوهرية وتجاوز مطالب لا يمكن الاستجابة لها من دون تخريب الاقتصاد اللبناني، والسؤال هل نريد قتل الناطور أم أكل العنب؟

 

← العودة إلى مختارات