إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

نوائب النواب - ربيع بركات (السفير)

قبل ثلاثة أشهر أو أقل، أرسل مواطن فرنسي رسالة نفـّاذة إلى مبنى البرلمان المطل على نهر «السين» في وسط العاصمة الفرنسية باريس، احتجاجاً على الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند وكامل الطبقة السياسية في البلاد: شاحنة محملة بروث الحيوانات أفرغت ما عليها أمام «قصر بوربون» الشهير.
على جانب الشاحنة كُتب شعار بسيط: «فليخرج هولاند وكامل الطبقة السياسية. عاشت الجمهورية السادسة». أما في خلفية المشهد شبه المسرحي، فجملة من الاعتبارات العامة التي تبدأ بفضائح هولاند الجنسية وتدهور الاقتصاد الوطني، وتنتهي بما يتصل بالمصالح الخاصة للرجل المُعترض، حيث أن الجمعية الوطنية للبرلمان الفرنسي كانت قد أقرت رفع الضرائب على أصحاب مزارع الخيول، وهو واحد منهم، من 7 في المئة إلى 20 في المئة، دفعة واحدة.
ليس في المثال أعلاه، بطبيعة الحال، تحريضٌ على فعل المِثل في بلاد المئة وثمانية وعشرين نائباً. فالرجل المذكور اعتُقل، أصلاً، قبل أن يكمل إفراغ فضلات أحصنته في مساحة مفتوحة. ويمكن للمرء أن يتصور استحالة المباشرة بأمر مشابه أصلاً، في منطقة مسيّجة ومغلقة، كتلك التي يجثم عليها مبنى المجلس النيابي في وسط العاصمة اللبنانية بيروت.
ولا يُقصد من عرض القصة القول إن الحالة الفرنسية هذه مماثلة لحالات يستصدر فيها البرلمان اللبناني قوانين ذات آثار اجتماعية كبرى في ظل تردٍ اقتصادي عامٍ. فالفارق بين الأمرين أن كماً من القوانين الصادرة عن مجلس النواب اللبناني تمليها حسابات خاصة وتخضع معاييرها لمصالح فئات على حساب غيرها، أكثر مما تتصل بتقدير جدوى اقتصادية قد تصيب أحياناً وقد تستدعي إرسال الشاحنة المشار إليها أعلاه أحياناً أخرى.
وتتصل القضية، بناء على معادلة الربح والخسارة تلك، بخلل بنيوي في أداء البرلمان اللبناني، مرده شبكة المصالح التي تصنع نواباً وتنتج نوائب اقتصادية - اجتماعية بشكل شبه دوري، وهو ما يتسق مع منظومة الفساد المسيرة لهذه البلاد. ولنأخذ على ذلك مثالين اثنين، أحدهما يتعلق بقانون أقر حديثاً، فيما الثاني لم يأخذ شكل مشروع قانونٍ حتى، برغم بديهيته الحقوقية، وإثارته مرات لا تحصى على مدى الأعوام العشرين الماضية أو يزيد.
المثال الأول يتعلق بقانون الإيجارات الصادر مؤخراً، والذي من شأنه، في حال تنفيذه بشكله الحالي، أن يعيد تشكيل الخريطة الديموغرافية لبيروت على أساس طبقي وطائفي وبسرعة قياسية. وبالرغم من كونه يتعامل مع خلل في العلاقة بين الملاك والمستأجرين القدامى ذوي العقود الممددة تلقائياً، والذين يستفيدون من الملك مقابل بدل لا يذكر، إلا أن إقراره من دون تعويضات وسماحه برفع سقف الإيجار إلى حد لا قدرة لعشرات الآلاف من قدامى المستأجرين على تحمله، من شأنه أن يسفر عن تهجير جماعي لمن ترتبط أرزاقهم وعلاقاتهم الاجتماعية بالمدينة وضواحيها منذ عقود، علماً أن الأثر ينطبق على سائر المدن كطرابلس وصيدا، وإن بشكل أقل.
وفي محاولة لتقليص الآثار الاجتماعية المتأتية عنه، فقد أوجد القانون المذكور صندوق تعويضات يحوي قدراً محترماً من الهزل، حيث يموّل بموجبه الفارق بين البدل القديم وجديده، إذا ما كان دخل العائلة يقل عن ضعفي الحد الأدنى للأجور، على أن يحتسب دخل الزوج والزوجة معاً، وهو ما يندر وجوده بطبيعة الحال.
ويفترض أن يسهم الصندوق أيضاً في تغطية الفارق بين البدلين القديم والجديد بالنسبة للعائلات التي يتراوح دخلها بين ضعفين وثلاثة أضعاف الحد الأدنى للأجور ليخفف الضغط جزئياً، لكن من الناحية النظرية فقط. فوزير المالية علي حسن خليل قال صراحة إنه غير متأكد من إمكانية تمويل المشروع أصلاً. ما يعني أن الصندوق خلق مشكلة جديدة بدل حل ما وُجد من أجله.
والحديث عن التمويل القاصر يجرنا إلى المثال الثاني المعبر عن نوائب الأمة: قضية الأملاك البحرية. وللتذكير، فإن الاسم الصحيح الكامل للمسألة هو «أملاك الدولة المغتصبة من قبل مستثمرين على الشاطْئ اللبناني خلافاً للقانون». وعبارة «مستثمرين» غطاء لتوصيف آخر ذي مغزىً سياسي. إذ يصلح هنا إطلاق تعبير «متنفذين» أو «أصحاب نفوذ».
وليس في تعدي حيتان المال ومستثمري النفوذ على أملاك الدولة سراً، بأي حال من الأحوال. إذ لنا أن نركن إلى ما ورد على لسان وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني السابق غازي العريضي، حين أقر صراحة أن «ثروة لبنان مبددة بين أيدي بعض المحميين تحت غطاء سياسي» (تشرين الثاني 2012)، مضيفاً أن مجموع التعديات على أملاك الدولة البحرية، وهي التي تدر أرباحاً خيالية للقائمين بها وتحرم الدولة من موارد فائقة، تتجاوز ألف تعدٍ موثق.
ولم يكن كلام العريضي مقطوعاً عما سبقه من إقرار حكومي صريح بوجود نزف في موارد الخزينة اللبنانية يجيّره «مستثمرون» كبار لمصلحتهم. فـ«معالجة التعديات (أو المخالفات) على الأملاك البحرية» عبارة وردت في البيانات الوزارية لحكومات الرؤساء رشيد الصلح (1992) ورفيق الحريري (1992) وعمر كرامي (2004) وفؤاد السنيورة (2008) وسعد الحريري (2009) ونجيب ميقاتي (2011) على التوالي. والنتيجة كانت حبراً على ورق، وصندوقاً فارغاً من موارد الدولة المشروعة.
وفي ربط بسيط بين المثالين أعلاه، يمكن الاستنتاج أن العوائد التي حجبها عن الدولة أكثر من ألف تعدٍ على أملاكها البحرية، كانت كفيلة بتمويل خطة لحل مشكلة أكثر من مئة ألف عائلة من المستأجرين القدامى، علماً أن الصندوق الأول حقٌ للدولة، فيما النزاع بين الملاك والمستأجرين فيه وجهة نظر، يرجح أن مصالح القسم الأكبر من نوّاب الأمة غلبت إحداها.
...أما بعد، فما يمنع إرسال شاحنة اعتراضٍ سلميٍ إلى مبنى البرلمان اللبناني كما حصل في باريس، يتصل بالشعار الذي يُفترض أن يُكتب على جانب الشاحنة.
فإذا ما سلمنا جدلاً بإمكانية استنساخ نصف الشعار الأول، ذاك الذي يستهدف الطبقة السياسية برمتها، يبقى النصف الثاني موضع استحالة.
ففي فرنسا، أمكن القول «عاشت الجمهورية السادسة».
أما في لبنان، فما يدخل مبنى البرلمان من نوّاب وما يخرج عنه من نوائب، يرتبط بشكل الجمهورية وبناها الدستورية المشوّهة منذ ولادتها الأولى وصولاً إلى الثانية بعد «اتفاق الطائف».
وهذا ما يجعل من رفع شعارٍ مماثلٍ عملاً أكثر مسرحية... من إرسال الشاحنة نفسها.
 

← العودة إلى مختارات