قطر ليست جزيرة - ربيع بركات (السفير)
منذ تولي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم في دولة قطر إثر انقلاب أبيض في العام 1995، بدأت الإمارة تخط لنفسها سياسة فارقة في منطقة الخليج. أخذت الدوحة تقدم نفسها ديبلوماسياً بارعاً في الوساطات وماهراً في استخدام أدوات "القوة الناعمة" على أشكالها، السياسية منها والإعلامية والمالية.
القاعدة الأميركية على ترابها أبقتها خارج منظومة الأمن الرسمي العربي، فظلت بمأمن عن ارتدادات النزاعات في الإقليم، ولم تجد نفسها مضطرة يوماً إلى ضرب أخماسٍ بأسداس، خشية ردود الفعل على قول لها أو عمل.
المحاولة الأكثر جدية لقلب نظامها وقعت بعد أشهر من تولي الشيخ حمد ولايته، ونتج عنها تجريد آلاف المنتمين إلى قبيلة "المرة" الضالعين في المحاولة أو المتعاطفين معها من جنسيتهم القطرية بدعوى عدم جواز حملهم جنسية أخرى (سعودية). أُسقط من يد الرياض حينها سلاح أهلي/قبلي داخل الإمارة الجارة، أرادت من خلاله إعادة الأمور إلى نصابها السابق لعهد الأمير الجديد، الذي بدأ يظهر تطلعات "استقلالية" عن "الشقيقة الكبرى". وارتفعت أسوار من الشك المتبادل سرعان ما ثبّتها إطلاق قناة "الجزيرة" التي كسرت «تابوهات» تقليدية في الخطاب الرسمي العربي، وسمحت للدوحة بإعلان ابتعادها عن مقاربة دول الخليج الدائرة في فلك الرياض، للمسائل الإقليمية، على الملأ.
لعبت الدوحة منذ رسمها معالم سياستها الجديدة على توازنات الإقليم. اقتربت من طهران من دون أن تنشق عن "مجلس التعاون الخليجي". حافظت على انتمائها إلى مجال حيوي تفرضه الجغرافيا، ووظفت التقارب مع الجار الفارسي فزاعة لسائر الجيران، وعاملاً موازناً يبعد شبح ابتلاع الجغرافيا لها.
بدأت الإمارة من موقعها الجديد بتوسيع هامش اللعب. دشنت سياسة التوازنات بزيارة أميرها لطهران في العام 2000، في خطوة لم يسبق لحاكم خليجي أن قام بها منذ اندلاع الثورة الإسلامية، ودعت إلى إشراك إيران في مهمات حفظ الأمن الإقليمي. توسطت في نزاعات على امتداد قوس الأزمات في الإقليم حتى باتت مقصداً للمتخاصمين. جمعت «فتح» و«حماس» وأنجزت "اتفاق الدوحة" الشهير بين المتقاتلين الللبنانيين. اقترحت رعاية تواصل سري بين صنعاء والحوثيين ودخلت على خط الأزمة السودانية في دارفور وتلقت دعوات واضحة من حكومة مقديشو لتيسير المصالحة مع "حركة شباب المجاهدين" في الصومال.
غير أن الدور التوافقي للدوحة بدأ يتغير تدريجياً بعدما حجزت لنفسها موقعاً، ليس على خريطة الإقليم فحسب، بل داخل كياناته أيضاً ومع بعض جماعاته الأهلية. وقد ظهر الأمر أولاً في العراق أثناء الانتخابات النيابية العام 2010، إثر تحالفها الموضعي مع دمشق وأنقرة والرياض، لتسهيل وصول أياد علاوي إلى السلطة على حساب الجماعات الحليفة لطهران.
واستكمل الأمر بشكل أكثر وضوحاً مع انطلاق الانتفاضات الشعبية التي خلخلت أجهزة السلطة ومؤسسات الدولة في غير دولة عربية، وهو ما سمح بتوسيع رقعة النفوذ داخل الكيانات وبتوثيق العلاقة مع لاعبين محليين.
ومع تمدد الحالة "الثورية" إلى حيث الأنطمة الأكثر حديدية، تحولت سياسة قطر الناعمة في كل من تونس ومصر إلى انخراط كثيف، تمويلاً وتسليحاً، في ليبيا وسوريا على حد السواء. فيما ظهرت عوائق دول الخليج بشكل أوضح أمام الدور الجديد حين انتقلت عدوى الانتفاضات إلى الجوار المباشر، فرسمت الأخيرة حدوداً صارمة لسياسة اشتباك الدوحة مع الأزمات حين تعلق الأمر باليمن، لينتج الأمر توافقاً أتاح للرئيس اليمني السابق الخروج من السلطة مع الحفاظ على بنية النظام في دولة معرضة للتفكك عند الخاصرة الرخوة للرياض، بينما جُرت الإمارة للمشاركة في قوات "درع الجزيرة" لدى دخولها العاصمة البحرينية المنامة، بهدف وقف تظاهرات "ميدان اللؤلؤة".
اليوم، وبعد وصول دور الدوحة الإقليمي إلى أقصى ذراه وبداية هبوطه السريع، أصدرت الرياض وفريقها الإقليمي قراراً مبرماً بالإجهاز عليه.
ومن يتابع وسائل الإعلام الخليجية (والمصرية إلى حد ما)، يلحظ هجوماً استباقياً منسقاً على احتمالات رفع مستوى التواصل القطري - الإيراني بعد انزلاق التعاون الثنائي بينهما إلى ما دون الحدود السابقة للأزمة السورية.
المطلوب، خليجياً، عدم السماح للدوحة بالعودة إلى دورها السابق الذي انطلقت منه للوصول إلى الذروة. لم يعد مقبولاً اعتماد سياسة التوازنات، لأنها قد تتحول إلى سياسة انقضاض متى سنحت الفرصة لذلك وتغيرت الظروف.
حتى اللحظة، تجهد قطر للحفاظ على تمايزها عن المحيط برمته. تدرك أن نفوذها المتضخم خلال العامين السالفين آخذ بالتآكل بسرعة استثنائية. لم يعد فراغ المحيط الإقليمي على حاله بعدما تمكنت مؤسسات عسكرية عمرها عشرات السنين في دول كمصر وسوريا من التقاط أنفاسها والعودة إلى ملء مساحات سبق أن تراجعت عنها.
ثبُت أن رهان الدوحة على فرس "الإخوان" من دون سواه كان متسرعاً وغير متفهم لقصر عمر الجماعة وحاجتها إلى مراحل انتقالية، لم تسمح بها سرعة الأحداث، ولا يَسّرها استعجال الأخيرة الاستحواذ على السلطة، فأتى الرهان بمردود عكسي فور انهيار حكم الجماعة في مصر وضمور حضورها في ساحات أخرى.
ثمة براغماتية يتطلبها البحث عن وسائل مواجهة الحصار المفروض على شبه الجزيرة، والذي يهدد بعزلها تماماً. وباتت إعادة الحسابات واجبة حتى يأتي القتال التراجعي للدوحة بنتائج من دون أن يفضي إلى هزيمة كاملة.
بعد عامين من بداية الفيضان الكبير، وصلت تداعيات الحدث الإقليمي إلى إمارة حركت الكثير من فصوله من خلف الستار.
قطر، اليوم، ليست "جزيرة"، ولا هي معزولة عن المحيط. هي دولة تدرس أكلاف إعادة التموضع واحتمالات الانسلال إلى الخطوط الخلفية مجدداً، علها تتمكن من الحفاظ على مساحة للحركة تضيق يوماً إثر آخر. لكنها في سباق مع الزمن ومواجهة مع من يشدُ الخناق.
على ضفةٍ إقليمية، تترك طهران أبوابها مفتوحة بشروط يتطلبها المسرح السوري أساساً. لكن الدوحة لا تريد الارتماء في أحضانها ولا يسعها الذهاب بعيداً حتى لو أرادت.
وعلى الضفة الأخرى، تريد الرياض إعادة الإمارة إلى بيت الطاعة. فيما الدوحة تقرأ هذه الدعوة على أنها انتحار طوعي يقضي على فرادتها، وترى أن الثمن يتمثل بإلقاء إرث نحو عشرين عاماً من التفلت من قيود الجغرافيا.
خيارات الدوحة اليوم تتراوح بين قتال تراجعي حتى الرمق الأخير وإيجاد نقطة توازن بين قوى الإقليم يسبقها تعديل إلزامي في السياسات. لم يعد الاعتماد على قناة فضائية كافياً للحفاظ على مساحة رديفة للحركة كما كان الأمر سابقاً، ولا عاد ممكناً فصل شبه الجزيرة، تماماً كما هو شأن سائر اللاعبين، عن نتائج "اللعب".
قطر، في خلاصة الأمر، لم تعد جزيرة.