إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

عندما يتشارك "المستقبل" و"حزب الله" في مكافحة الإرهاب - دنيز عطالله حداد (السفير)

لم تنته بعد دهشة اللبنانيين بولادة حكومتهم. حكومة التسوية بحساباتها وتوزيع حقائبها وتناقضاتها. لم تأت هذه الحكومة على قدر توقعات جمهور فريقي"8 و14 آذار". جاءت أقرب الى التعادل السلبي بعد ان تم حشد الجمهور، وكأن الحكومة تتويج لانتصار فريق على آخر.
لكن الظروف التي أملت قبول جميع القوى بهذه الحكومة، فرضت ان تكون على الصورة التي أتت عليها. ربما اكثر ما يدعو الى الانتباه ان الحكومة الجديدة أناطت الامن ومتفرعاته بـ"قوى 14 آذار" وتحديداً بتيار "المستقبل". يرتب ذلك على "تيار المستقبل" أعباءً غير قليلة في مرحلة حساسة عنوانها الأساسي مكافحة الإرهاب. وهو بذلك يتقاطع، بطريقة أو بأخرى، مع مواقف "حزب الله". على الأرجح لا يتقصد "المستقبل" ذلك. فهو في وزاراته الجديدة الممسكة بالعدل والقضاء والضابطة العدلية والأمن الداخلي والعام وحركة الاتصالات وغيرها، يضيف الى تقاطع تموضعه السياسي الى جانب السعودية تقاطعاً أمنياً لجهة التشدد في مكافحة التطرف والإرهاب. وهو من موقعه الجديد في الحكومة يؤمن الدعم والغطاء "السني" لمؤسسة الجيش اللبناني، لتنفيذ تكليفها بمكافحة الإرهاب وفرض الأمن.
تتلمس الحكومة الجديدة طريقها، في حين تستكمل القوى السياسية حساباتها. في لغة الأرقام والأحجام يعتبر "المستقبل" و"الكتائب" اكبر الرابحين. لكن التدقيق يشير الى ان الجميع ربحوا.
فعلى الرغم من الانتقادات التي تضج بها بعض صالونات "8 آذار" حول "الطريقة غير الموفقة للرئيس نبيه بري في إدارة المفاوضات والوصول الى مثل هذه الحكومة"، إلا أن بري يُحتسب من الرابحين. فهو بحصوله على وزارة المالية كرّس نفسه وطائفته، شريكاً أساسياً في الحكم عبر إلزامية توقيع وزير المال على اي مرسوم. وإضافة الى الوزارة السيادية ـ السياسية، وفي اطار تبادل الخدمات "التاريخي" بينه وبين النائب وليد جنبلاط تم تبادل الحقائب بين الاشغال العامة والصحة.
ويعتبر "التيار الوطني الحر" من الرابحين ايضاً. فهو استطاع إبقاء وزارة الطاقة في تكتله. فـ"الطاشناق" لن يُغضبوا العماد ميشال عون، وهو ما اكده اتفاق مسبق بين الطرفين على التشاور و"الاستفادة من خبرات الوزير جبران باسيل المتابع لكل ملفات الوزارة". في المقابل، ومع حصول باسيل على وزارة الخارجية، يفترض العماد عون انه فتح معبراً شرعياً لتوسيع علاقاته العربية والدولية ونقل وجهات نظره على أبواب الاستحقاق الأعز عليه: رئاسة الجمهورية.
النائب وليد جنبلاط خرج من الحكومة بما يشبه تأكيد المؤكد: هو ابرز اللاعبين السياسيين على الساحة اللبنانية. يتقن فن تدوير الزوايا. يعرف متى يقدم ومتى يحجم. متى يساوم او يحاور او يخاصم. يتقن كل الالعاب. ولم يكن ينقصه سوى وزير من طراز وائل ابو فاعور ليكمل نسج خيوطه في كل اتجاهات اللعبة اللبنانية ولاعبيها.
حتى النائب سليمان فرنجيه يعتبر من الرابحين. صحيح انه خسر حقيبة من اثنتين كانت إحداهما سيادية، الا انه نال حقيبة في حكومة تفرد بعدم تسمية رئيسها، معاكساً حينها الإجماع الوطني.
يعكس ذلك في مكان ما "عطوفة" تمام سلام. فهو تنازل وترفع عن كثير من التفاصيل ليهنأ بلقب دولة الرئيس الفعلي. وبذلك يعتبر ايضاً من الرابحين.
بدوره، رئيس الجمهورية ميشال سليمان لم يخسر. لم يتقدم كثيرا لكنه لم يتراجع وسط تزايد الحساسيات تجاهه من اكثر من فريق. على الارجح يمكن اعتباره ايضاً من الرابحين بحصوله على وزارة سيادية هي وزارة الدفاع في زمن المساعدات السعودية -الفرنسية التي يمكن ان تكون إضافة مهمة للمؤسسة العسكرية تسجل له في نهاية عهده. كما يُسجل له حرصه على توزير سيدة، مهما قيل عن خلفيات و"نكايات" حَكمت خياره.
اما "حزب الله" الذي امتعض جمهوره من "هزالة" حصته الحكومية في مقابل حجمه السياسي والعسكري، فهو في قراءة متأنية لكثير من المتابعين، اكثر الرابحين. نظر الحزب الى الصورة الأشمل. دقق في الوظيفة السياسية والأمنية للحكومة وبنى عليها. لن يتاح له مراراً ان يلقي على "المستقبل" عبء تحميله همّ مكافحة الارهاب ومطاردة الارهابيين والامساك بالوضع الامني وتحمل مسؤولية الاستقرار. كما ان الشراكة الحكومية بين "حزب الله" و"المستقبل"، مهما تشاطر "المستقبليون" في وضع شروط لاحقة لها، تعتبر تسليماً ضمنياً منهم بمشاركة "حزب الله" في القتال في سوريا، ايّا تكن العبارات المدبجة في نفي هذه الحقيقة.
في حكومة "الجميع يربح" حتى "القوات اللبنانية" التي لم تشارك فيها تعتبر نفسها رابحة. والحصة الوزارية التي خسرتها يمكنها ان تُعوّضها في العمل على توسيع شعبيتها مستندة الى اعتبارها ان "المبادئ اهم من المصالح والمكاسب".
وعليه فإن كل الاطراف ربحت. أما هل يربح البلد استقراراً يمهد لاستعادة حياته الطبيعية واحترام استحقاقاته الدستورية التي يفترض ان تكون اولى مهام هذه الحكومة؟ هنا الامتحان الاصعب.

 

← العودة إلى مختارات