كما بدا المشهد من مقهى "النهضة" - سمير عطالله (النهار)
أوائل التسعينات ذهبتُ إلى معايدة متروبوليت بيروت المطران الياس عوده، ففوجئت بالزائر الآخر، زعيم الحزب الشيوعي، جورج حاوي. فاجأني أكثر قول الرجل، الذي أراه للمرة الأولى: "متى يا جماعة تعودون إلى هذا البلد؟ ألا تريدون أن نعمّره معاً"؟ بعد فترة قصيرة في باريس، قال غسان تويني: "لاقني إلى الكافيه تروكاديرو، هناك رجل يجب أن تتعرف إليه". كان الرجل نائب زعيم الحزب الشيوعي، كريم مروه.
واحد يعرِّفني به مطران بيروت، وواحد صاحب "النهار". ماذا حدث؟ هل تراجع الشيوعيون عن الإلحاد؟ وهل توقفوا عن اتهام "النهار" بالبورجوازية؟ أم إن الحزب الشيوعي اللبناني، مثل الإيطالي، يترك ما لكارل ماركس لكارل ماركس، وما للفصح لمطرانية بيروت؟
بعد انهيار لبنان، وفوات الأوان على كل أوان، تعرّفنا إلى وجه آخر للشيوعيين: لا يخدعنّكم شاربا ستالين، فالأمين هنا رجل من ضهور الشوير، لا يعتقد أن صحن تبولة طيباً سوف يعيق انتصار الطبقة الكادحة، أو يُنقذ الرأسمالية من الرمي في "مزبلة التاريخ". بل إن كريم مروه، في كتابه الجديد "أفكار حول تحديث المشروع الاشتراكي" يرى أن الرفيق المؤسس كان حالماً. الرؤية العملية لتعقيدات الأرض أمر آخر.
تُقرأ كتب كريم مروه على أنها سيرة جيل كانت أحلامه أكبر من بلده. وها هو يتأمل نصف قرن من الوهج والإخفاق ويبحث عن لملمة الإناء. يعطيني كريم مروه موعداً في مقهى "الروضة". لا بد أن يكون المكان بروليتارياً خوف تهمة البرجزة. وإذ ما نقصت علامة على ذلك، فإلى الطاولة المقابلة، جهة البحر، جانب الأركيلة، يجلس الشاعر عصام العبدالله، يكتب، على الأرجح، قصيدة أخرى لموحيته "مردكوشة"، أو مفكرة عن مؤتمر الشبيبة في كولومبيا، حيث أعطى الرفيقة درساً – لا في التروتسكية – بل في صنع "البصلية بدجاج".
إليكم المشهد في "الروضة" ضُحى ذلك النهار: المداومون العاديون، مع صحفهم وأراكيلهم، وعامل من عمالقة كوتونو يحلم بالانضمام إلى منتخب داهومي الوطني. وسيدات من سوريا مع أطفالهن يذكِّرن بيوم كانت نساء لبنان نازحات في دمشق. ولكن طبعاً من دون عذارى سري لانكا ووصيفات إيميلدا ماركوس. محتشمة النازحة السورية.
بقية المشهد، ذاكرة اليسار العربي وأنا. يخطر لي، أن أتأمل البحر وسِعَته والأرض وتنوّعها: هل كان لبنان ممكناً؟ نعم. ألا يزال ممكناً؟ أصرف نفسي عن سماع الجواب. عندما يصبح العنف سيف الدولة، فيه الخصام وهو الحُكم والحَكم، تنسدُّ الآفاق بغروب أسود. أقول لكريم مروه، الذي لم تنزع الإيديولوجيا منه حق الابتسام: "ألم يكن ممكناً أن تُحلّ المسائل بيننا على قدّنا؟ مثلاً ميشال شيحا بدل تروتسكي وبوخارين والثالث"؟ عندما اقتنع الشيوعيون بأن ليس لدينا أطيان القيصر نؤممها، ومصانع ألمانيا نعطيها للعمال، وأن مجموع إقطاعنا لا يتجاوز بعض الكروم والمشاحر ومواسم ميروبا، كان الوقت قد تأخّر على الجميع.
فيما كان الشيوعيون في سجون مصر وسوريا، ويُسحلون في العراق، ويُنحرون في السودان، كان لهم في لبنان حزب وجريدة وإذاعة ومؤتمرات سنوية.
كان لبنان ممكناً، يوم كان جورج حاوي يعلّق خُطب لينين على بوابة المطرانية، لكي يقدّم تهاني الفصح. لم يكن النظام حرّاً بل الناس كانوا أحراراً. ولم يكن التنوّع ترَفاً بل دستوراً، ولم يكن خياراً بل طبيعة، مثل صنين والأوَّلي وحراجل، حيث عمل رفيق الحريري في قطاف التفاح.
خذَلَته الحرية، هذا البلد الذي ظنّ الحياة غِناء وبلابل وأغصاناً. خذله الدستور. خذلته العناوين الجميلة التي اعتبرها الآخرون إهانة لهم واعتداء على سلوكهم في الحياة. يروي الدكتور عمر مسيكة في مذكّراته المليئة خُلقاً وأمانة، أن الرئيس سليمان فرنجية اضطر إلى إعلان حكومة عسكرية برئاسة نور الدين الرفاعي، فكان المعترضون حلفاءه. ورئيس مجلس النواب كامل الأسعد رفض الوقوف في صورة تذكارية، مخالفة للدستور والعرف والميثاق. عندما حلّ العنف، لم تعد حتى "مكتبة السائح" مقبولة، أو يتغاضى عما تمثله من وجود كتاب إلى جانب كتاب آخر. احذروا الكتب فأحرفها مضيئة. انتهى مجتمع الكتب. لم تُسرق الكتب في حرب 1975 بل أُحرقت.
أتطلّع خلف "الروضة" وأبعد من ضجيج الأطفال السوريين الذين لهم حظ الوصول إلى حديقة، وأسأل، ماذا حدث للبنان جورج حاوي وكريم مروه وحبيب صادق وجورج حنا وعمر فاخوري وحسين مروه؟ دعني أقُل لك ماذا حدث: كنّا بلداً يأمل في العثور على القاتل، فصرنا بلداً يطلب العثور على القتيل. وكنّا بلد القانون فيه نسبيّ فصارت الجريمة فيه نسبيّة. من أي زوايا يمكن أن تستعيد شظايا الدولة وأشلاء الوطن؟
نتذكّر "المبادرة" التي حملها السيد النائب عبدالحليم خدام إلى قصر بعبدا، العام 1975. لا ليقنع منظمة التحرير بشيء من الاحترام الشكلي للقانون، بل لتحذير الدولة من أي تفكير في بديهيات القانون. هو عداء للعروبة وعمالة لإسرائيل. مذذاك، تحوّل لبنان إلى بلد يعيش على قارعة المبادرة. هل تريد أن تعرف كيف كان يبدو المشهد من مقهى "الروضة"؟ كان السيد محمد جواد ظريف يبعث فينا آمال تشكيل الحكومة، لكن الصورة الأخرى من المشهد في هذه الأمة البالية، الملبّدة الكرامة والشعور والإحساس، هي أنها سلّمت كل القضية الفلسطينية إلى المستر جون كيري. هو يفاوض عنها. وهو يقبل ولا يقبل. وفي الكويت مؤتمر يخصص ملياري دولار للنازحين السوريين، أما الفلسطينيون، فلهم اليرموك، عنوان العزة والكرامة. كان اليرموك اسماً للتاريخ، فأصبح عيباً عليه. لاحظ ماذا يحدث لجميع عناوين أمتك، من القيروان إلى الأزهر.
لغة العنف ليس لها لسان واحد. بل هي بابليات... بابليات. لا يدخل العنف من باب واحد - ولا يخرج من باب واحد.
لم يبقَ من اليسار العربي شيء، لم يبقَ من الفكر القومي إلاّ أن ننتظر مذكرات كلوفيس مقصود عن يوم كان نهرو يحلم بحلف مع مصر. لم نعد نتذكّر القضية الفلسطينية إلاّ عندما تُلقي إسرائيل نظرة الوداع على جزّار صبرا وشاتيلا. تولّدت للعرب بطولات أخرى وأزمان أخرى وموجات لجوء بلا حدود. رايات الجهل معلّقة على حرابه. ظلم بديل ظلم. ظلام بديل ظلام. لا بد أن يتولّى أحد إبلاغ الأستاذ كريم مروه أن عصر الكتب قد انقضى. وعودة إلى "سود وقائعنا، حمر مواضينا".
لكن أهل الكتب لا يتوبون. مثلهم مثل أهل الهوى "مكتوب عليهم قلّة الراحة" كما غنّى الراحل فهد بلان، الذي كانت رحلته قصيرة من جبل العرب إلى حارة الأضواء في بيروت. يجلس كريم مروه ويتذكَّر: موسكو. هافانا. فرصوفيا. برلين (الشرقية طبعاً)، ولكن إذا تطلّع إلى الوراء، فلن يرى شيئاً. أقول له، ألم تلاحظ شيئاً في الانتقال من الدعوة من الطبقة الكادحة إلى "الانتليجنسيا" على أنها شرف الأمة وعظمتها؟ يتمهّل قليلاً، ثم يسأل بكل براءة: ماذا يجب أن ألاحظ؟ أقول له، إن خيارك روسي في الجاهلية والإسلام. والانتليجنسيا نبتٌ روسي. كل ما فعله الفرنسيون أنهم أخذوه وصقلوه وعطَّروه بحلاوة اللغة كعادتهم.
وهذا ما يجعلني أطرح عليك هذا السؤال: هل انتقى حارق "مكتبة السائح" الكتب التي يريد حرقها أو إنقاذها؟ أم إنه لم يرَ في الأمر سوى ورق عتيق الأفضل له أن يصير رماداً بدل أن يكون شاهد زور على كل شيء، في كل مكان؟
كان الطقس كئيباً في "الروضة"، ذلك النهار. كل واحد يرمّم نيران أركيلته. "يعمِّرها" فتهبط رماداً. ولا ابتسامة في الأفق، إلا إذا كان عصام العبدالله يكتب إحدى قصائده إلى مردكوشة. هل من الضروري أن تكون كل موحية هند وليلى، وخولة التي لها أطلالٌ ببرقة ثهمدِ.