كي لا تطمر القضية - حبيب معلوف (السفير)
كي لا تطمر قضية النفايات من جديد، في مطمر الناعمة او في أي مطمر آخر، على كل الأطراف المعنية أن تقارب الملف بطريقة مختلفة تماماً.
صحيح أن الحملة (الاعتصام وقطع طريق المطمر على الشاحنات) لم توفق في اختيار التوقيت المناسب ولا الشعارات والمطالب والبدائل المدروسة جيداً (وطنياً وتقنياً)، إلا أنها أوصلت صرختها المعبرة التي تصلح في أي وقت.
كما يفترض بجميع المسؤولين والمواطنين البعيدين عن أمكنة طمر أو حرق النفايات أن يكونوا قد سمعوا هذه الصرخة وأخذوا العبرة ماذا يعني إغلاق مطمر ليوم واحد... وسألوا أنفسهم أين تذهب النفايات حين تجمع وبأية كلفة؟
ما هي الدروس المستفادة من هذه التجربة إذاً؟
يفترض أولاً عدم إعطاء الاهمية والاولوية المطلقة للتعهد بالإقفال في الموعد المحدد بعد سنة (17/1/2015)، لا سيما اذا تم الإبقاء على الخطة التي أقرها مجلس الوزراء المستقيل، اذ ان الفترة الزمنية لطرح المناقصة العالمية الخاصة بإدارة النفايات الصلبة على الأراضي اللبنانية كافة، وتلزيم وتوقيع العقد وبناء مراكز المعالجة الواردة في الخطة الشاملة والمباشرة بعملية التشغيل يلزم حوالي 4 سنوات، كما ورد في الخطة نفسها، حسب تقديرات الاستشاري. أما اذا ارادت الحكومة الجديدة إعادة النظر بهذه الخطة (وهو الخيار الأفضل)، فمن المستحيل أن تعيد درس الموضوع وأن تضع خططاً جديدة مع إقرار الاستراتيجيات ومشاريع القوانين ذات الصلة في اقل من سنة، هذا اذا شكلت الحكومة اليوم!
لم يعد هناك من نفع لوضع العتب على الحكومة المستقيلة التي قصرت ولم تمنح هذا الملف الاهتمام الذي يستحق، إلا من باب أخذ العبرة والمحاسبة اللاحقة اذا كانت ممكنة. اما بالنسبة الى الرئيس المكلف، فعليه أن يتنبّه ويحذّر من سيتولى حقيبة البيئة أي ملفات تنتظره، كما على الكتل النيابية أن تعيد النظر في التصنيف المتخلف وغير الدقيق للحقائب بين سيادية وخدماتية وأساسية وثانوية... (مع اعتبار البيئة من الفئة الأخيرة!)... وأن تتقدم ببرامج وخطط وتعهدات قبل تولي هذه الحقيبة.
على مستوى وزارة البيئة، عليها أن تعيد النظر باستراتيجيتها وان توسع دائرة استشاراتها، وان تسارع في طرح مشروع القانون الذي أنجزته للنقاش لإجراء بعض التعديلات عليه، ان لناحية تحديد المسؤوليات والصلاحيات بشكل أدق او لناحية إشراك المواطنين في الحل (لاسيما في الفرز من المنزل) وإعادة تفسير مبدأ الاستدامة (المادة 2) ليشمل الحيلولة من دون استنزاف الموارد الطبيعية.
على المستوى المطلبي، تفترض دراسة الملف بشكل أعمق وتحديد المطالب بشكل أشمل وأدق وتوحيد الخطاب، وتجنب إطلاق مواقف متسرعة مثل المطالبة بخطة طوارئ جديدة بعد أن بانت مشكلة الحلول الطارئة، او المطالبة بنقل المشكلة (المطمر) الى مكان آخر، او الإيحاء بربط التحرك بزيادة حصص وتعويضات البلديات، او إرسال بيانات الى الإعلام يعرض المساعدة في التزام حلول بديلة عن الشركة الملتزمة مع البيانات المعبرة عن موقف الحملة المجرد!
انطلاقاً من ذلك، لا معنى للوعود السياسية والانتخابية والمناطقية بهذا الخصوص والتمسك بمواعيد معينة، الا على قاعدة دراسة البدائل ووضع خارطة طريق تتضمن الحلول وحسب برامج زمنية محددة. لا بل المهم إعطاء الملف الأولوية التي يستحق وفتح النقاش مع الأطراف للخيارات المطروحة كافة.
على أن تبدأ الحملة بتقييم تجربتها عاجلاً وبتطوير نفسها كي تصبح "حملة إغلاق مطمر الناعمة والضغط لإقرار خطة وطنية لإدارة النفايات". وإعادة جمع صفوفها وتوسيع الدائرة بإشراك أكبر عدد ممكن من البيئيين الجديين والملتزمين وقوى المجتمع المدني كافة حول برنامج متواضع يتضمن الإصرار على محاسبة الإدارات المسؤولة والشركة وعقودها ومخالفاتها، بالإضافة الى مراجعة الاستراتيجية والخطط الوطنية المطروحة لإدارة هذا الملف وتعديلها ومراجعة القوانين ذات الصلة والخيارات المطروحة والتمسك بمبادئ التخفيف والفرز من المصدر بالتعاون مع السلطات المحلية والتدوير وإعادة التصنيع واعتماد تخمير المواد العضوية... مع تبني تقنيات متواضعة وغير مكلفة وسريعة، تشرك المواطنين في تحمّل المسؤولية عبر الفرز وتساهم في خلق فرص عمل جديدة عبر تشغيل الجمّاعين والصناعيين... وتحويل النفايات من نقمة إلى نعمة.