إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

مصر الأوهام الناصرية - علي بردى (النهار)

توحي الأحداث التي شهدتها مصر في الذكرى السنوية الثالثة لـ"ثورة 25 يناير" بأن الآتي أعظم. لا يزال الحوار غائباً بين المكونات الرئيسية للمصريين. لم يعد همّ الثوار محاسبة نظام الرئيس المعزول محمد مرسي. يكافحون اليوم للمحافظة على تطلعاتهم الديموقراطية في ظل تركة من الخيارات السيئة. ينذر الصراع الخطر على السلطة بين العسكر والإسلاميين بانفجار جديد وكبير، أخطر مما كان في عصر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

صوّت المصريون في ثلاثة استفتاءات دستورية منذ اسقاط نظام مبارك عام 2011. لا تزال تتوالى فصول عزل الرئيس محمد مرسي. لم يتعلم "أخوانه" المسلمون أن محاولات الإستئثار بكل مفاصل السلطة لم تجلب غير الخراب عليهم وعلى مصر. لا تكفي الشعارات والإدعاءات الصحيحة أنهم نالوا الأكثرية في انتخابات ديموقراطية. ها هم يعودون الى السجون. تسير الأمور الآن وفقاً لخريطة الطريق التي أعدها وزير الدفاع القائد الأعلى للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح السيسي. يقف كثيرون على خاطره. غير أن الأوضاع الأمنية تتدهور باطراد والخلافات السياسية تتعمق أكثر فأكثر، عوض التوجه الى حوار ذي مغزى. المخاوف مشروعة من ميل الجماعات الإسلامية الى العنف بذريعة أن ديموقراطية "الربيع العربي" لم تنصفها. لعل الجانب الأسوأ من الإنقلاب العسكري المدعوم شعبياً الذي نفذه السيسي على مرسي أنه أعاد تصوير "الأخوان" ضحايا استبداد العسكر.
أخشى ما يخشاه كثيرون يتمثل في تصاعد الحوادث الأمنية الراهنة وحصول عمليات اغتيال قد تستهدف شخصيات كبيرة، بينها السيسي نفسه. تنطلق هذه الهواجس ليس فقط من الإتهامات التي وجهت الى "الأخوان المسلمين" بأنهم يقفون وراء محاولة اغتيال وزير الداخلية اللواء محمد ابرهيم العام الماضي، بل أيضاً من ضلوعهم عام 1948 في اغتيال رئيس الوزراء المصري محمود النقراشي. أي محاولة كهذه ستعطي السيسي المزيد من المشروعية في حملته على الجماعات الإسلامية. كيف لا، وهو الساعي الى تقمّص شخصية عبد الناصر في قمعه العنيف لـ"الأخوان المسلمين" بعدما حاولوا اغتياله عام 1954. لم تغادره بعد أوهام الناصرية. حوّل "الأخوان" جماعة "ارهابية".
في ظل أعمال ارهابية تتزايد في سيناء وربما استهدفت الملاحة في قناة السويس القريبة، يسود منطقا القمع والعنف بين العسكر والإسلاميين، عوض السعي الى ارساء الإستقرار والسير في عملية الديموقراطية الإنتقالية التي وعد بها الرئيس الموقت المستشار عدلي منصور. يتفاقم هذا الإستقطاب الحاد في ظل الدور الذي تضطلع به وسائل الإعلام العربية الرئيسية، وخصوصاً "الجزيرة" و"العربية"، في حشد الدعاية لهذا الطرف أو ذاك. بيد أن البعد الخطر الآخر قد يتمثل في اللجوء المحتمل للاعبين الدوليين الكبار، وخصوصاً الولايات المتحدة، الى اضفاء مشروعية على عملية ديموقراطية معلّبة ومشوّهة يجري اعدادها حالياً في مصر. لا شيء يمكن أن ينقذ مصر الآن غير الحوار السلمي الجدي بين كل المصريين.

 

← العودة إلى مختارات