إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

هل حان الوقت لأن تدفع ايران من رصيدها؟ [1] - هيام القصيفي (الأخبار)

 تنشغل المنطقة بمتابعة ملف الحوار الايراني ـ الاميركي ـ الدولي حول الملف النووي، وارتداده على خريطة المنطقة والتحالفات فيها. وحتى الان لا تزال ايران تدفع ثمن مطالبها الحيوية من غير رصيدها
تمثل المحادثات الايرانية الاميركية احد اوجه الملفات العالقة في المنطقة، والتي تترقب القوى السياسية في لبنان تطورها منذ ان دخل المراهنون على الضربة العسكرية على سوريا قبل اشهر في ما يسميه احد السياسيين «عالم النسيان»، في ظل الاتفاق الذي جمع الرؤساء الاميركي باراك اوباما والروسي فلاديمير بوتين والايراني حسن روحاني.
لا يمكن فصل المحادثات حول مستقبل ايران النووي، عن مسار تدرج منذ نهاية آب الفائت، تقاطعت فيه مصلحة ادارة اوباما مع مصلحة روسيا وايران، في تدوير زوايا ازمة المنطقة. ولأن حرب سوريا كانت العنوان الذي تتلطى وراءه الدول الثلاث، في صياغة تفاهمات تحت الطاولة وفوقها، اتجهت الانظار الى الحل الذي اخرج الصفقة الثلاثية الى العلن حول الكيميائي السوري، ومن بعدها الذهاب الى مؤتمر «جنيف 2». لكن اليوم وبعد مضي نحو ثلاثة اشهر، يصبح الكلام عن ترتيب اولويات اكثر دقة، ليظهر ان معالجة الملف الكيميائي كانت عنوانا من جملة عناوين وضعت اثناء صياغة تفاهم وزيري الخارجية الاميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف.
في حينه كان عبثيا الحديث عن ان التفاهمات ستتدحرج على هذا المنوال، كما كان الحديث عن تفكيك الترسانة الكيميائية قبل عام مطلبا تعجيزيا، يصب الكلام عنه في خدمة اسرائيل. لكن تطور الاحداث، بغض النظر عن محاولة اي طرف سياسي لبناني التماهي مع نتائجها لصالحه، اثبت ان الجدول الموضوع منذ ثلاثة اشهر ينفذ بحذافيره: معالجة الكيميائي السوري على فترات زمنية غير قصيرة، عدم دعوة واشنطن الى اسقاط الرئيس السوري بشار الاسد، وترك امر وجوده في السلطة الى مؤتمر جنيف والمحطات التي تليه ومنها الانتخابات السورية، وحصر الدعم العسكري للمعارضة السورية بالدول العربية. وفي حين كان الضغط الروسي والايراني لعدم صدور قرار من مجلس الامن، وهو الامر الذي لم يتحقق، برز عنوان رئيسي، وهو وضع الملف النووي الايراني على سكة المعالجة. في حينه جرى الحديث عن أن اوباما عمل بسرية على بنود رزمة الحل، وانه «خدع» بعض المحيطين به، والحلفاء قبل الاعداء، اعتقادا منه ان سياسته في اكمال عهده، ستكون تنفيذ خطة متكاملة مربحة على المديين المتوسط والطويل.
اليوم مع استمرار العمل ببند معالجة الكيميائي السوري، ومع الحديث عن فخاخ سورية ومعالجات بالتقسيط لها، وعن احتمال نقل الاسد بعض اسلحته الكيميائية الى مخازن آمنة، دخلت المنطقة الى عصر معالجة النووي، وسط تحفظ اسرائيلي ورفض سعودي.
الحلقة الابرز في هذا المسار هي الدور الايراني، الذي يتطور في اتجاه لم تشهده المنطقة منذ اعوام، وهو العنصر الاساسي الذي سترتد نتائجه على لبنان.
لا شك ان مؤيدي السياسة الايرانية ينظرون اليها على قاعدة انها حققت نصرا مبينا في دفع واشنطن الى التفاهم معها، وعلى قاعدة حشر الدور السعودي في الزاوية الاقليمية. لكن للعملة وجهين، والوجه الاخر يكمن في القول ان ايران بدأت مرحلة دفع ثمن فواتير اقليمية ودولية، لصالح تخفيف العقوبات الاقتصادية عنها والحصول على ما هو حيوي لحاجاتها الاقتصادية بكافة مستوياتها، من دون ان يعني ذلك انها ستتحول دولة معزولة او تقص اجنحتها الاقليمية بين ليلة واخرى. فمن المبكر الذهاب الى هذا النوع من المبالغات في لحظة تنكشف فيها تدريجا اوراق مستورة من المفاوضات السرية.
وللتذكير، تقاطعت مصالح ايران والولايات المتحدة في افغانستان، وكانت الحرب الاميركية عليها في بعض اوجهها مفيدة لصالح طهران. وتقاطعت الى حد الاتفاق مصالحهما في الحرب على العراق، الذي يمثل مركز الثقل لطهران الشيعية. وحدها سوريا شكلت المكان الوحيد الذي اختلف فيه الطرفان، ما دفعها اليوم الى محاولات جدية لرسم خطوط الالتقاء والتباعد بينهما. وهذا ما يجعل ايران اليوم في مرحلة رسم سياسة خارجية لا تخرج عن سقف تطلعاتها الاقليمية في رسم الهلال الشيعي الذي كانت تطمح اليه ومد يدها الى المتوسط، لكن مع الاعتراف ضمنا بأن هناك اثمانا حان وقت دفعها.
ثمة واقعية في سياسة ايران التي فرضت نفسها لاعبا ومفاوضا اساسيا بين دول المنطقة وباسم بعضها، مقابل الحصول على اثمان تتعلق بالعقوبات الاقتصادية ولا سيما انها تحاول ان تدفع «من غير جيبها» حيث هي في الموقع الدفاعي وليس الهجومي كما هو حالها في سوريا حيث تورطت ومعها حزب لله. دفعت ايران حتى الان من الجيب السوري، من خلال التضحية بالملف الكيميائي رغم كل تشعباته ومماطلة النظام السوري، وهي مرشحة لأن تدفع خلال عملية التحضير لمؤتمر «جنيف 2» لجهة ارساء قواعد «النظام الجديد» لسوريا، في ظل تعدد الاقتراحات لهويته وتركيبته، (بعد ترتيب اوضاع خطوط التماس الجغرافية الجديدة) بعيدا عن الدخول المبكر في لعبة الاسماء ومواقعها الحالية والمستقبلية.
وفي موازاة ذلك يصبح الحوار حول الملف النووي بمندرجاته كافة، والتضحية ببعض ما يستحقه من اجل الحصول على اجزاء من الضروريات المدنية والاقتصادية ولو بالتقسيط، حلقة من سلسلة مترابطة مرشحة لان تكون على بساط البحث بعد سوريا؛ في العراق حيث هي في موقع السلطة وفي لبنان حيث هناك ألف سؤال حول وضع حزب الله في لبنان (وسوريا) ومستقبل سلاحه.

← العودة إلى مختارات