مصر اليوم.. كثيراً إلى الأمام كثيراً إلى الخلف - عباس بيضون (السفير)
في محطة «دريم» التلفزيونية استقبل وائل البشراوي محمود بدر سكرتير «تمرد» بسؤاله إذا كانت «تمرد» هي كما يقولون عميلة للجيش وعميلة للمخابرات، ليس جواب بدر هو الذي يهمني لكني فهمت من الحوار أن المسألة مطروحة وان في الحركة الشعبية التي تدفقت في 30 حزيران خلافاً حولها، ففيها من يتوجس من تدخل العسكر ولا يأمن من ان تكون هذه بداية عودتهم إلى السلطة التي لم يبتعدوا عنها إلا منذ ثورة 25 يناير بينما استمروا فيها منذ انقلاب 1952. لم أتمكن من معرفة كيف تتوزع القوى السياسية حول هذه المسألة لكنها كما فهمت ليست غائبة وقد تناولها وائل عبد الفتاح في «السفير» في غير مقالة.
يبدو الوضع المصري الراهن حافلاً بالمفارقات. في ظرف سنة واحدة تدهور الإخوان من الأغلبية إلى أقلية ضئيلة، وفي ظرف سنة واحدة صعد العسكر من الفناء الخلفي للسلطة إلى مقدمتها. أما المفارقة الحقيقية فهي الثوران العارم الذي ألقى بالملايين بالعشرات في الشارع، هذا الثوران كان عاصفة هائلة أعقبها ما يكاد يتحول مع الوقت إلى هدوء. لقد خرجت الملايين في أوسع حراك سياسي يمكن تصوره، كان هذا غلياناً جماهيرياً بدا معه ان تسييسا هائلاً خض المجتمع واقتلعه من جذوره. لم يكن هذا مجرد خيال فقد انخرط الجمهور المصري في عهد الإخوان في نقاش شمل الجزئيات فطال المفردات القانونية وتناول مؤسسات الدولة وكيفية إرسائها، تم ذلك بتسارع كاسح توج بعريضة «تمرد» تبعتها تظاهرات شملت 20 مليوناً أو أكثر. كان يمكن لهذا بعد بيات استمر قرابة ستين عاماً ان يكون فعلاً ثورة، وان يشكل سلطة من تحت وأن يعد برقابة جماهيرية أكيدة. كان الدفق الجماهيري أوسع من ان يتأطر. لقد خرج من كل إطار، وليست عريضة «تمرد» وما تبعها من تظاهر غير مصداق لهذه السيولة الجماهيرية التي تتأثر بأي إيعاز، لقد التقطت فوراً حركة «تمرد» وتدفقت خلفها ولم تكن الحركة إطاراً بقدر ما كانت إيعازاً.
هذا الدفق الجماهيري العارم كان أيضاً مفارقاً، في الوقت الذي بدا فيه أن تسييسه متقدم فعلاً على الوعي الشعبي فإنه كان شعبوياً في صميمه. كان عجينا وهلامياً وقابلاً لأن يتجه إلى أول مثال يعرض له، وكان الجيش هو هذا المثال. لقد رحبت الجماهير، بما فيها القوى المنظمة، بتدخل الجيش، الذي كان التفافه على الحركة يشكّل على نحو ما إنقاذاً لها. لقد خافت هذه الحركة من نفسها ولم تعرف كيف تتدبر أمرها. لم يكن هناك أي قدرة على احتواء حركة بهذا الحشد، كان لا بد لهذا الحشد من وقت كاف ليتجذر سياسياً وليعرف لنفسه وجهة سياسية، كان لا بد من وقت كاف ليمارس فعلاً استقلاليته وليحصل عليها ولينتج من داخله أطره. تصدى الجيش لهذا الحشد قبل أن تكتمل هذه الاستقلالية، وقبل ان تؤتي أكلها، وقبل ان تمتلك الجماهير الدافقة هوية وخطاً. تدخل الجيش الذي كان ثوار 25 يناير وصلوا إلى التنديد به والمناداة بسقوط حكمه، والتوجس من صلاته بالحكم وبالإخوان.
تدخل الجيش كان في وقته وفي لحظته. لقد استطاع الجيش التقاط اللحظة وقبض عليها. هكذا عزل الجيش مرسي بدون ان يسأل عن موقعه في السلطة الجديدة، وسرعان ما أخذت الكتلة الجماهيرية تتعبأ حول هذه المبادرة.
سرعان ما تماهت الجماهير مع الجيش، وغدت ظلا موازيا له. فض الجيش اعتصام رابعة العدوية والنهضة وكان ثمن ذلك مئات القتلى. لم تحد الجماهير في ذلك العنف سوى مثال قوة وحزم، لقد عاد المثال العسكري إلى كامل هيبته واتخذ فوراً أبهته البطولية والفروسية. حاول الإخوان الذين عبروا خلال سنة من حكمهم عن قصور نظر وسوء تقدير بالغين أن يبقوا في الشارع، وناضلوا لإثبات وجودهم لكنهم كانوا صاروا في نظر الجماهير العارمة المثال المضاد. لقد تحولوا إلى قلة منبوذة ومكروهة تحاول بالعسف ان تفرض نفسها.
فضّ الجيش اعتصام رابعة لكنه عمليا أخلى الشارع. وبفض اعتصام رابعة والنهضة كان الحراك الجماهيري قد استوفى نفسه ولم يعد يجد أمامه ما يفعله، لا شيء سوى دعم الجيش ومحاكاته والتماهي معه، عادت الموجة الجماهيرية المخيفة والهائلة أدراجها، وأخلت الشارع، ولم يعد لها بالطبع ما تلتم حوله وما يجمعها بعد ان صارت رديفاً للسلطة، ومثلها تتصدى للمشاغبين، ومثلها تتولى النظام وتحافظ عليه.
هكذا استطاع الجيش ان يغدو بمأمن من هذه التسونامي الجماهيرية الجارفة، لم يكلفه هذا شيئاً، لقد تضخمت الموجة الشعبية حتى باتت حائرة بنفسها. ومنذ ألقت الأمور بين يدي الجيش ومنذ تصدى الجيش عنها للإخوان وطردهم من الحكم، حتى بدا انه لم يعد هناك مكان لانتفاضة وان الوقت لإعادة الاستقرار، وهذه مهمة يتولاها الجيش بشكل رئيس، لكن للجمهور حقا في المساعدة عليها. الاخوان يعتدون على مراكز الأمن ويحرقونها، بينما جمهور الانتفاضة يواكب عاطفياً، وربما ماديا، الجيش وهو يدافع عن المؤسسات، لقد بدا ان الجيش هو الذي يحمي الدولة وهو مجدداً عصبها وعمودها الفقري، وهو الذي يقوم على اتمام خارطة الطريق التي غدت رديفة الانتفاضة.
الآن تتجسم الانتفاضة في الجيش ويصبح الجيش رمزها الفروسي. ينسى الجميع ان انتفاضة يناير كانت في حقيقتها تمرداً على نظام عسكري دام من 1952، وينسى الجميع ما لم يتذكروه أساساً، وهو ان المؤسسة العسكرية تشغل 40% من الاقتصاد الوطني. وهكذا في حالة من النشوة تتألف الأغاني في تمجيد الجيش ورجله الجريء «السيسي»، ويواكب الجمهور بالغبطة نفسها مطاردة الاخوان الذين يستمرون في الحراك وسط لا مبالاة شعبية تستنزف قوتهم شيئاً فشيئاً، وسط هذه اللامبالاة تستمر ملاحقة التنظيم المتجذر من حوالي قرن والذي فاز بانتخابات البرلمان والاستفتاء على التعديل الدستوري وبالطبع بالرئاسة.
أيا كان ظرف البيات السياسي الذي سهل الفوز للاخوان، وأيا كانت جرائر الاخوان وخرقهم السياسي ونزوعهم الاستبدادي في الحكم، وأيا كانت ردودهم العنيفة والمسلحة التي بررت معاملتهم بالعنف، أيا كان كل ذلك فإن ملاحقة وردع حزب في ثقل وانتشار الإخوان قد لا يكون فحسب تورطاً في حرب داخلية لا نعرف الآن متوالياتها وخاصة ان هناك حرباً اخرى على الحدود في سيناء. وانما قد يكون ما يجري الآن عنواناً محتملاً لمستقبل الحياة السياسية في مصر. انها الحرب المزمنة بين الإخوان والجيش لم تلبث ان انفجرت، أو هي الأمور قد صارت إلى ذلك. لم يبق في الميدان بعد أن وصلت الانتفاضة إلى همودها سوى الإخوان والجيش. مرة اخرى ليس سوى الجيش والإخوان، ومن المحتمل ان نعود هكذا إلى المربع الأول، وان يكون انتصار الجيش في حربه ضد الإخوان انتصاراً على الجميع.
أين باتت الانتفاضة. لقد سبقتها الحرب وتخطتها، لكنها مع ذلك ليست سراباً ولا مجرد هوجة، لا ننسى هنا كيف قامت الثورة، لا ننسى كيف تصدى شبان جامعيون وغير جامعيين لأشرس نظام مخابراتي، وتابعوا خطوة بخطوة ولحظة بلحظة تصديهم الذي ظل هو نفسه بعد انتصار الإخوان. يمكننا ان نتحدث هكذا عن انتفاضة شعبوية. والشعبويات التي تنشأ أيضاً من الانسداد السياسي والضائقة الاقتصادية، قد تذهب يميناً وشمالاً، وان مادتها العجينية قد تتأثر بكل شيء. لقد تحولت الانتفاضة بهمة أطرها الشابة إلى مختبر نقدي للسلطة المباركية أولاً، وللسلطة الاخوانيه ثانياً. كانت دينامية الانتفاضة وقدرتها على استيعاب جزئيات المعركة، وحتى وعيها لعلاقات السلطة ومسائل الدولة، تدهش بنفاذها واستبصارها وقدرتها على المتابعة والمواكبة.
بدا هذا في البداية واستمر بقوة أكبر في العهد الاخواني. لقد ظهر ان الانتفاضة تمتلك مع الوقت وعيها الخاص، هذا سيبقى في النهاية محط آمالنا ولن نتوقف عن الثقة به. لكن اشتباك الانتفاضة بالجيش سرّع الأمور وربما أكثر مما تطيق الانتفاضة. لا نعرف إذا كان الوقت عند ذاك ملائما لطرح مسألة السلطة على النحو الذي طرحت به. لا نعرف إذا كان الجيش يبدأ من غير النقطة التي كانت الجماهير توصلت إليها، ومن نزاع سابق وتاريخي، لا بد من ان طرفاً شعبوياً من بين الأطراف المكونة للانتفاضة هو الذي استسلم للزي العسكري، هو الذي تراءى له السيسي في صورة المنقذ. هنا أخذت الشعبوية الصدارة وسادت، من هنا بدأ تفويض السيسي بالرئاسة.
قد لا يستجيب السيسي، وسيكون بذلك أكثر نباهة ووعياً من الداعين له. لكن المسألة لن تبقى هنا. الجيش في حربه مع الإخوان، وقد تطول، سيزداد تصدراً، وقد يتحكم بدون أن يحكم كما يشير وائل عبد الفتاح، فالجيش الذي لا يسائله أحد، سيضيف إلى رصيده الثقة الجماهيرية.
أخشى الا يبقى في أجواء الحرب مكان للسؤال النقدي. أخشى ان تسود شعبوية ليس أمامها سوى التأييد، خاصة ان وطنية مغالية بدأت تصعد، وعلى نحو سريع، لقاء موقف الغرب وأميركا خصوصاً من النظام الجديد، هذه الوطنية التي تظهر في المحطات التلفزيونية قد تغرق النقاش وقد تغلّب الأناشيد والمبايعة والمديح عليه. كانت الانتفاضة المصرية باهرة وإذا ترأخت قليلاً في زمن الحرب فإن جذورها الباقية هي التي لا تني تشعرنا بأن صميمها وزخمها لن يخمدا، وسيستمران فاعلين.
هل كان ينبغي أن يترك لخرق الإخوان وجشعهم الاستبدادي أن يستوفيا نفسيهما، وأن يأخذا الوقت الكافي لتعرية الإخوان ونبذهم. لكان هذا سحب نفسه على كل المنطقة وقطع دابر الإخوان فيها بلداً بعد بلد. صار هذا السؤال متأخراً ومن الآن يمكننا أن نعتمد على أن الانتفاضة المصرية لم تغرقها الشعبوية، وما زال في قدرتها أن تستعيد استقلاليتها وحسها النقدي ودفقها الجارف. لا شك في أن حركة بهذا الحجم لن تنطفئ من أول هبة ريح. سيبقى وعيها شفافاً وحساسيتها صارمة وستراقب من بعد ومن قرب. وستتدخل في اللحظة المؤاتية.
>