ما هو "العميل" داخل كل شخص منّا؟ - جهاد الزين (النهار)
ماذا لو دُعِيَ تنظيم "القاعدة" للمشاركة في طاولة الحوار بين القوى السياسية؟ هذا السؤال ليس جزءًا من حوار في فيلم أو مسرحية ساخرة عن أفغانستان أو اليمن أو سوريا أو العراق بل هو علامة على الموقف العَبَثي الذي يأسر الحياة اليوميّة للبنانيّين المقيمين على الأرض اللبنانية، من حيث عجزُهم حتى لو اتفقوا، على وقف العنف.
مع بدء إصدار تنظيم "القاعدة" لبيانات تتعلّق بتفاصيل الوضع الداخلي اللبناني، وإن هي ليست المرة الأولى، تكون خطورة الحالة اللبنانية قد دخلت أعلى درجاتها السياسية عبر بدء الامتداد الساخن للحرب السورية على الأراضي اللبنانية، مع العلم أن تعريف الحرب السورية أصبح اليوم يشمل الحرب الأهلية وصراعاتها الدولية الإقليمية ولاسيما الصراع السعودي الإيراني من البصرة إلى الناقورة مروراً بكل لبنان وسوريا والعراق.
ليس الوضع عبثيا من زاوية المصالح الدولية والإقليمية بل هو يرسم خرائط جديدة للمنطقة سواءٌ بالشكل الانفصالي السوداني أو بالشكل الفدرالي - الكونفدرالي فعليا - العراقي الذي هو الأكثر ترجيحا باعتبارنا في نسيجه ومحيطه.
الوضع عبثيٌ من زاوية اللبنانيين، الأبرياءِ والمنخرطينَ في الصراع على السواء.
... "على السواء" لأن مرحلة تفجيرات السيّارات والعبوات الناسفة وربما الانتحاريين تصيب بالهلع الأبرياء وأطراف الصراع المحلّيّين:
الأبرياء في لبنان نوعان. نوع أوّل بريء بالمعنى المطلق أي لا علاقة ذاتيةً له بالسياسة أو بمشاعر السياسة إذا جاز التعبير، ونوع ثانٍ مندمجٌ عصبياً وتعبويا وإن كان ليس عضواً في أي جهاز سياسي.
أما المنخرطون في الصراع فقد وصل حجم الأدوار المطلوبة من مراجعهم الخارجية - وهي مراجع يرتبطون بها ارتباطاً كاملا لاسيما عند الشيعة والسنة - إلى حد يجعلهم في ذروة الإحساس بالعبء إن لم يكن بالخوف. مصالحهم أو ازدهار مصالحهم كان يجعلهم طبعا جزءا "سعيداً" من الحرب الأهلية، لكن حين يصل الأمر إلى الحد الذي وصل إليه مؤخّراً يبدأ التناقض بين المصلحة المادية للدور وبين بؤس الدور نفسه لاسيما بعد أن أصبحت مساحة دخول أطراف "سرّية" ثالثة ورابعة على خطّ الصراع أكثر سهولة لتوليد نتائج تفوق قدراتهم.
أعطي مَثَليْن أرجو أن لا أكون مجافياً للدقّة فيهما:
بعد تجربة حرب 2006 المريرة تحوّل "حزب الله" ضمناً إلى "لوبي" ضاغط داخل البلاط الإيراني ضد تجديد أي حرب مع إسرائيل بسبب حجم الثمن المريع الذي دفعه جمهوره خصوصاً في الجنوب والضاحية لتحقيق "الانتصار" السياسي، لهذا لا أشك أن "حزب الله" إذا اضطر للدخول في حرب مع إسرائيل مرة ثانية فسيكون ذلك فقط تلبيةً لا يمكن له تجنُّبُها للاستراتيجية الإقليمية التي أسّسته وأدارَتْه كاستثمار جيوبوليتيكي وأيديولوجي ناجح. لكن هل "حزب الله" "سعيد" بدوره الجديد في سوريا أيا تكن ضرورات هذا الدور من وجهة نظره ونظر مراجعه الإقليميين؟
المثل الثاني "تيار المستقبل" في موضوع "الحرب الأهلية" في بيروت وصيدا ومناطق أخرى. ألم يكن نسيج العلاقات في بيروت، مصالح وتقاليد تنوع، ورغم العصب السياسي المشدود لـ"البيارتة"، عاملاً مهما في إبقاء الحرب الأهلية اليومية مع الحزبين الشيعيّين "أمل" و"حزب الله" حرباً باردةً يحول دون تحويلها إلى حرب ساخنة حتى في 7 أيار 2008؟ أليس الأمر أسهل قتالياً - كما يحصل فعلياً منذ سنوات - في مدينة "صافية" كطرابلس جعلها التهميش التاريخي السياسي والاقتصادي، كمدينة طَرَفيّة منذ تأسيس "لبنان الكبير"، حادة الطباع سياسيا أي مقاتلة.
الأبرياء من اللبنانيّين ضحايا دائما. أما المفارقة الهائلة حاليا بعد التفاقم الخطير جداً أن المنخرطين في الصراع من اللبنانيّين باتوا "مغلوباً على أمر معظمهم" من حيث أنهم مجبَرون على تنفيذ الأدوار الصعبة التي كانوا يفضّلون أدواراً غيرها أقل إحراجا وأكثر "أمانا".
هذه بالضبط عبثيّةُ الموقف بالنسبة للبنانيّين: لو تفاهموا وهذا مستحيلٌ حالياً، أو لو اتفقوا على تلافي العنف "الأعمى" فلن يستطيعوا الانتهاء من العنف المقرّر في الخارج رغماً عن إراداتهم. وقد لوحظ بعد جريمة متفجّرتي طرابلس أن عدد التصريحات النارية والتحريضية قد خفّ بين السياسيين اللبنانيين من كلِّ الاتجاهات والسبب على الأرجح هو إدراكهم أن المسلسل البادئ في جريمة تفجير الضاحية الجنوبية الأول وخاصةً الثاني بات أخطر وأكبر من قدرتهم على استيعابه. وهذا المنحى في ردود الفعل، ولو وسط الدم والضحايا البريئة وأهلهم المفجوعين هنا وهناك، سمة إيجابية يمكن أن تتبدّد سريعا تحت سنابك خيول الصراع الدولي والإقليمي الضاري في المنطقة.
نحن في المهوار . إنها لحظة تتحوّل فيها "العمالة" أو "العمالات" إلى عقوبة للعملاء الإراديين أو القسريين. فلْنتحسّس جميعا مشاعرَنا ومصالحَنا لنعرف ما هو "العميل" داخل كل شخص منّا.