الحكومة والاستراتيجية الدفاعية: كلفة القرار ...واللاقرار - رفيق خوري (الأنوار)
ليس كل شيء معطلاً في لبنان، كما أوحى الاحتفال بعيد الجيش وتخريج الضباط. ولا كل ما تصنعه سياسات التعطيل من مآزق عصي على ايجاد المخارج بقرارات دقت ساعتها، كما أوحى خطاب الرئيس ميشال سليمان. فالمسافة بعيدة بين المشهد العسكري المطمئن والمشهد السياسي المقلق. مشهد تسليم السيوف الى الضباط كرمز لواجبهم ومهمتهم في حماية لبنان واللبنانيين والديمقراطية، حيث ما يبعث الأمل والفرح ويعيد التذكير بأيام الزمن الجميل. ومشهد التسابق بالسيوف السياسية على ضرب لبنان واللبنانيين والديمقراطية، بما يثيره من خوف وحزن وغضب. وفي مواجهة التردي والتردد وحسابات الحذر مكان في النهاية للحسم، وإلا انهار البلد، ولم يعد ينفع الادراك المتأخر للقول المأثور: لا ينجي حذر من قدر.
ومن الطبيعي حين تتكاثر المخاطر ويصبح الفراغ السياسي خطراً مصيرياً على البلد وكل ما فيه بما في ذلك الجيش، أن يطوي رئيس الجمهورية لغة الخطابات الكلاسيكية ليرسم الصورة كما هي من دون ظلال ويفتح نافذة فرصة للانقاذ. والتحديات واسعة، لكن مواجهة الملحّ منها تتركز على محورين: محور التأليف المتعثر للحكومة والذي أريد له أن يكون متعذراً. ومحور الاستراتيجية الدفاعية التي تراوح مكانها منذ سنوات.
المحور الأول تشعبت خطوطه وكثرت شروطه، بحيث صار من المحتم الذهاب الى حكومة الوزن الوطني والمصلحة الوطنية، لا حكومة الحصص والتوازنات السياسية، حكومة تحظى بثقة الرأي العام والمجلس النيابي، وإلا فلا بد من حكومة حيادية.
والمحور الثاني أصبح ملحاً أكثر من السابق في ضوء تطورات المنطقة والتعديل الطارئ على الوظيفة الأساسية لسلاح المقاومة الذي تخطى الحدود اللبنانية. فالوقت حان لكي تكون الدولة بجيشها وقيادته السياسية العليا الناظمة الأساسية والمقررة لاستعمال قدراتنا على المقاومة والدفاع حصراً عن لبنان.
وفي المحورين مجال واسع للأخذ والرد تبعاً للانقسام السياسي والرهانات على موازين القوى في الداخل والتحالفات مع الخارج. فيما يقوله حزب الله ليس معارضة أية حكومة بلا مشاركته بل لا حكومة من دون مشاركتنا بالحجم والوزن. وما يعرفه الجميع أن مشاركة الحزب في حرب سوريا ليست فقط تجاوزاً لحدود لبنان الى الاقليم بل هي أيضاً جزء من قرار اقليمي كبير. ومعنى ذلك أن المشاركة في الحرب هي الثابت، والمواقف منها هي التي يجب أن تكون المتغير.
لكن الاستمرار في التردد والتوقف أمام كل الحسابات لم يعد ممكناً بعدما أصبح بالغ الكلفة على البلد: كلفة الفراغ السياسي أكبر من كلفة أي احتجاج على الحكومة. وكلفة انتقال الحرب الى لبنان أكبر من كلفة التكيف مع البقاء بلا استراتيجية دفاعية.