إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

ما الذي يريح في المسكن؟ - حبيب معلوف (السفير)

 قد يريد البعض اختصار فلسفة العمارة الحديثة (التجارية) بصفة البناء المريح، في حين تختصر فلسفة العمارة الخضراء (المستدامة) بالموفرة. لكن السؤال عن معنى «المريح» يصبح ملحا، كما السؤال: مريح بالنسبة لمن؟ وكيف؟
هل يكون البناء مريحا لمجرد أن نكون لوحدنا؟ هل في ان يكون المكان وسيعا؟ ان يكون الطلاء مريحا؟ هل الراحة في تقسيم المنزل والانتقال بين الغرف وصالات النوم والطعام؟ هل الراحة في استخدام التقنيات الحديثة؟ هل نتحدث عن الراحة النفسية في ان نقتني كل ما شاهدناه في السوق وصالات البيع او عند المعارف والأصحاب والجيران؟ هل يعني ذلك ان ما يريحنا هو ما أراح غيرنا؟
ما المقصود بالراحة فعلا؟ هل يعني ذلك العيش برفاهية كما بشرّت الفلسفة الليبرالية؟ العيش بحرية من دون ان يكون احد فوقنا أو تحتنا؟ العيش في الحيز المكاني الخاص؟
لتطبيق كل هذه الأفكار - الأسئلة التي تؤمن الرفاهية، على بصمتنا البيئية ان تكون اكبر. وهذا ما يضيّع على العمارة الخضراء جوهرها. فالاستقلالية مكلفة جدا بالمعنى البيئي، والليبرالية والحرية (العملية والتطبيقية) أكثر كلفة.
السؤال عن فلسفة العمارة الموفرة يصبح هو نفسه كما بالنسبة الى العمارة المريحة: موفر لماذا وعلى من؟
طبعا جواب هذه الفلسفة يتعلق بتوفير الموارد على الطبيعة وعلى الاجيال الآتية. عندها يصبح السؤال التالي والمنطقي: هل البناء الموفر والمستدام هو بناء مريح ايضا؟
اذا استطعنا ان نجيب عن السؤال الاخير، نكون قد حللنا اكبر مسألة حضارية غاية في التعقيد. اي كيفية الدمج والتوفيق بين المريح (في المعنيين النفسي والعملي) والمستدام في العمران.
قد تكون مسألة تأمين الراحة المادية اسهل بكثير من تأمين الراحة النفسية، لا سيما في ظل اقتصاد السوق، القائم على التشويق والتسويق وعلى التلاعب بمخيلة الزبائن والذي لا يكف عن خلق الحاجات الجديدة، الوهمية في معظمها... لتسويق المنتجات الجديدة والمتجددة دائما. مع العلم بان السوق من دون الجديد والتجديد تموت. وان السوق من دون زيادة الانتاج والمنافسة والمضاربة تختنق. فهل علينا ان ننقذ السوق ومتطلباتها ام علينا ان نفكر في كيفية انقاذ أنفسنا؟
هنا تقع المشكلة. فاذا كان الجديد (اساس او نوع المنزل) هو المريح بكونه «جديدا»، فانه سيتناقض حتما مع مبدأ الاستدامة والتوفير، كون هذا المبدأ يعتمد على فكرة التدوير واعادة الاستخدام وحفظ القديم... الخ.
وهذا يتوقف مجددا على معنى «المريح». هل هو الممتع؟
عندها يصبح السؤال: أيّ من الأعمال أكثر إمتاعا، اكتشاف قدرات وخصائص ووظائف ومميزات هاتفنا الخلوي الجديد (على سبيل المثال) ام معرفة وظيفة الادوات القديمة التي كانت مستخدمة في العصور الغابرة؟ قد يقال اليوم ان الهواتف الذكية تسطيع ادخالنا الى مواقع الكترونية مخصصة لكل ما هو قديم وتستطيع ان تقدم لنا استعادة رمزية لبعض ما انقرض ايضا. ويمكن بالتالي ان نحل مشكلتنا اذا كانت نفسية.
اما الاجابة عن سؤال باية مواد (نادرة) وباية كلفة تم صناعة الاجهزة الذكية الحديثة ذات التقنيات العالية، والتي سرعان ما تتحول الى نفايات خطرة، فيبدو انه السؤال المسكوت عنه حتى الآن في الحضارة الحديثة التي تفهم الراحة، ما هو مريح هنا والآن وفورا، بغض النظر عن اية انعكاسات في المستقبل القريب والبعيد. والمكان المريح، هو المريح اليوم وغدا بغض النظر عن الاجيال الآتية ولو انهار بعد حين.

← العودة إلى مختارات