19 البابا الأسود بالرداء الأبيض - محمد السماك (المستقبل)
لأول مرة في تاريخ الفاتيكان يعتلي السدة البابوية راهب يسوعي هو البابا فرانسيس الأول. والرهبنة اليسوعية التي أسسها اغناطيوس وهو اسباني من بلاد الباسك، حصلت على اعتراف الفاتيكان الرسمي في 27 سبتمبر أيلول 1540. ويحمل قرار الاعتراف الذي صدر عن البابا بولس الثالث رقم 12.
ومنذ تأسيسها التزمت الرهبنة الجديدة بحياة الفقر والعفة والطاعة وبالخضوع الكامل لسلطة البابا.
وتنص وثيقة التأسيس التي وضعت في عام 1539 على ان :" كل ما يأمرنا به قداسة البابا من أجل خلاص النفوس ونشر الإيمان، نحن ملتزمون تنفيذه فوراً ودون مماطلة ولا أعذار، حتى ولو تم إرسالنا الى الأتراك، أو الى العوالم الجديدة أو عند اللوثريين أو عند المؤمنين أو الكافرين، ولو أدى ذلك الى تشتيتنا وبعثرتنا في جميع أرجاء العالم".
غير ان ذلك لا يعني عدم حدوث تباين في وجهات النظر أحياناً بين البابا والرهبنة. كما انه لا يعني ان التباين لم يكن يؤدي الى الخلاف وحتى الى الصراع، بل وأحياناً الى حل مؤسسة الرهبنة ومطاردتها.
كان هدف الرهبنة الأساسي مزدوجاً. التبشير بالمسيحية في الشرق ومقاومة البروتستنتية (الحركة اللوثرية والكالفينية) في الغرب. ومن أجل ذلك كانت الرهبنة اليسوعية تلقى عطف وتأييد الفاتيكان وسيده.
غير أن أول خلاف بين الرهبنة اليسوعية والفاتيكان انفجر مع البابا بولس الرابع. كان البابا مناهضاً للسامية، في الوقت الذي كانت الرهبنة تفتح أبوابها أمام اليهود المتحولين الى المسيحية للانضمام الى صفوفها. لم يكن البابا يثق بهؤلاء المتحولين الى المسيحية، ولذلك كان يصرّ على إبعادهم. غير ان المؤسس اغناطيوس (الذي أصبح قديساً فيما بعد) كان يشجعهم على التحول وعلى الانضمام الى حركته. حتى ان الرئيس الثاني الذي تولى قيادة الرهبنة اليسوعية بعد اغناطيوس، كان من أصل يهودي وهو دييغو لينيث.
في ذلك الوقت من عام 1530 كان ثلث الشعب الاسباني يهودياً. وكان البابا يحذر من أن انضمام المتحولين منهم الى المسيحية الى الحركة الرهبانية يشكل خطراً على هذه الحركة. الا ان اغناطيوس كان يؤكد بقبوله عضوية اليهود التزامه بمفاعيل القانون الذي سبق أن أصدره الملكان الكاثوليكيان فرديناند وايزابيل في عام 1492، والذي خيّر اليهود والمسلمين بين التحول الى المسيحية أو الطرد من البلاد والمعروف بنصه الاسباني : Bantismo u expulsion.
كان البابا بولس الرابع ايطالياً (من نابولي) وكانت مملكة نابولي في ذلك الوقت في حالة صراع وتنافس شديدين مع اسبانيا. وهذا ما يفسر كراهية البابا للاسبان إذ أنه كان يعيّرهم بأنهم "من بقايا المسلمين واليهود".
ثم ان البابا بولس الرابع كان قد اسس حركة رهبانية أخرى في عام 1524 تعرف باسم "التياتان" وطلب من اغناطيوس أن ينضم برهبانيته اليها. وهو ما رفضه اغناطيوس، الأمر الذي أجج الخلافات بينهما. وقد وصل الخلاف الى حد اتهام البابا للرهبانية اليسوعية بأنها تتواطأ ضد الفاتيكان مع أعدائه، وانها تعمل لحساب اسبانيا وتجعل من أديرتها مخازن للأسلحة.
ومما زاد الطين بلة ان الرهبة اليسوعية وضعت نظاماً داخلياً لها ينص على أن ينتخب رئيسها مدى الحياة. وهو ما اعتبره البابا محاولة لمساواته. فطلب تعديل النظام بحيث تكون رئاسة الرهبنة لمدة ثلاث سنوات تجدد لمرة واحدة فقط، وهو ما رفضه اغناطيوس بشدة. فكان رد البابا بوس الرابع تحذيراً باتهام الرهبنة بالهرطقة "اذا لم تفعلوا كل ما آمركم به". ولم يفعلوا.
الخلاف الكبير الثاني وقع مع البابا غريغوريوس الثالث عشر. وكان سبب الخلاف هذه المرة تدخل البابا لتنصيب احد أصدقائه ماركوريان وهو بلجيكي، رئيساً على الرهبانية. وكان عمر هذا الصديق 38 عاماً. إلا ان البابا كان مؤيداً لإنفتاح الرهبنة اليسوعية على اليهود المتنصرين، حتى ان أول قاصد رسولي الى لبنان عيّنه البابا كان يسوعياً من هؤلاء اليهود المتحولين الى المسيحية، وهو الأب اليانو (الياس) وكان من اصل مصري. وقد غير اسمه بعد أن اصبح مسيحياً وتبنى اسم يوحنا (المعمدان) وأصبح يعرف باسم جوان باطشتا. وقبل اعتماده قاصداً رسولياً في بيروت، اعتـُمد في مصر وكان مكلفاً بالكنائس الشرقية.
ووقع خلاف كبير أيضاً مع البابا سكستوس الخامس على خلفية طلب توقف الرهبنة اليسوعية عن استخدام الاسم الرسمي لها وهو :"شراكة يسوع". وكان القديس اغناطيوس قد صاغ هذا الاسم اثر رؤيا حدثت له في روما رأى فيها المسيح يطلب منه العمل معه ومن أجله.
أما الخلاف الأكبر الذي ادى الى حل حركة الرهبنة، فقد وقع مع البابا كليمنس الرابع عشر. فقد أصدر في 21 يوليو تموز 1773 قراراً بحلّ الرهبنة اليسوعية، يعرف باسم Dominus ac Redentor. ويتضمن قرار الحل نصاً يتهم الرهبنة بأنها "منذ نشأتها ظهرت بوادر الانقسامات والحسد، ليس بين أفرادها فقط، لا بل بينها وبين باقي الرهبانيات والأكليروس والجامعات والمعاهد والرجال الأكاديميين وحتى الأمراء والملوك الذين أحسنوا ضيافتها على أراضيهم. لقد بلغت الاتهامات حدها الأقصى في حق تلك الرهبانية وسعيها وراء الثروات الأرضية والسلطة الزمنية".
ولم يكتف البابا بهذا فقط، بل بادر الى اعتقال رئيسها لوران ريتشي الذي توفي وهو في السجن. الا ان البابا بيوس التاسع جدد لها شرعيتها في عام 1814.
وكان آخر خلاف بين الرهبنة اليسوعية والفاتيكان قد وقع مع البابا يوحنا بولس الثاني. وكان آخر مَن تعاون معهم البابا المستعفي بنديكتوس السادس عشر.
لقد عانت الحركة اليسوعية في القرن الثامن عشر من الاضطهاد، فطردت من العديد من الدول الأوروبية الكاثوليكية بما فيها فرنسا واسبانيا والبرتغال وايطاليا، وصودرت ممتلكاتها وأقفلت معاهدها التعليمية.
مع ذلك استطاعت هذه الرهبنة التي وصفها رئيسها ريتشي بأنها " تموت ولا تستسلم"، أن تعود الى الحياة.. وأن تحمل أحد رهبانها اليوم من اخر أصقاع الدنيا (الأرجنتين) الى السدة البابوية في روما!!.
في عام 1521 انفجرت حرب بين فرنسا واسبانيا. وخلال هذه الحرب أصيب أحد القادة الاسبان اينيغور اصابة بليغة. فنقل الى المستشفى حيث أجريت له عملية جراحية خطيرة. غير ان العملية لم تنجح ولذلك استدعى أحد الكهنة لتزويد اينيغور بالأسرار الأخيرة قبل الموت ؛ وفيما كانت تعد الاجراءات لدفنه، انتعش من جديد ثم شفي بعد أن خسر قطعة من عظمة الساق. بقي اينيغور عدة سنوات يتعافى في بيته. خلال هذه المدة قرأ قصة يسوع كما قرأ كتباً عن القديسين.. فتاثر بما قرأه الى حد انه رأى في المنام المسيح وأمه. فقرر التحول من الجندية الى الكهنوت.
وهكذا أصبح اينيغور القديس اغناطيوس، وأصبحت جنديته، الرهبانية اليسوعية. فالرجل الذي كان يعرف بالشدة وبحياة الترف، اصبح لين القلب يستجدي طعامه في الشوارع.
وعلى أساس هذه المبادئ انشأ الرهبنة اليسوعية التي يضع البابا الجديد فرانسيس الأول تاريخاً جديداً لها. فقد خلع الرداء الأسود الذي كان لباس كل راهب يسوعي، واستبدله لأول مرة في حياته بالرداء البابوي الأبيض. وهكذا تحول "البابا الأسود"، كما كان يسمى رئيس الرهبنة اليسوعية، الى البابا الأبيض الذي يدين له مليار و200 مليون كاثوليكي في مختلف أنحاء العالم!!